تضع الصحافة العبرية مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي في صدارة اهتماماتها بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، في مرحلة تتداخل فيها أزمة تشكيل الحكومة مع حسابات البقاء في السلطة، وملف المحاسبة عن إخفاقات السابع من أكتوبر، ومستقبل العلاقة مع الإدارة الأميركية. وبينما تبدو نتائج الانتخابات عاجزة عن حسم هوية الحكومة المقبلة، تكشف التحليلات الإسرائيلية أن المعركة لم تنتهِ عند صناديق الاقتراع، بل انتقلت إلى صراع على تفسير النتائج، وتحديد المسؤوليات، ورسم ملامح المرحلة السياسية والأمنية المقبلة.
يديعوت أحرونوت –الحملة التي تلي الحملة: نتنياهو يسعى إلى انتخابات جديدة
الكاتب: نداف إيال
يقول نداف إيال في مقاله إن المعركة السياسية في إسرائيل لم تنتهِ بإعلان نتائج الانتخابات، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة يحاول فيها بنيامين نتنياهو إعادة صياغة المشهد بما يسمح له بالبقاء في موقع المبادرة، رغم خسارة معسكره القدرة على تشكيل أغلبية برلمانية. ويرى الكاتب أن رئيس الحكومة لا يتعامل مع النتائج بوصفها حكماً سياسياً ينبغي الإقرار بتداعياته، بل يسعى إلى تحويلها إلى نقطة انطلاق لمعركة جديدة، يكون عنوانها التشكيك في البدائل المطروحة وإعادة البلاد إلى صناديق الاقتراع.
لكن ما يرمي إليه إيال يتجاوز مجرد اتهام نتنياهو بمحاولة كسب الوقت. فالكاتب يريد القول إن الخطر يكمن في تحويل الهزيمة الانتخابية إلى انتصار إعلامي، بحيث يبدو رئيس الحكومة أمام جمهوره وكأنه نجح في تجاوز خصومه، فيما يتحول المعسكر المقابل، الذي يمتلك أغلبية عددية، إلى مجموعة عاجزة عن ترجمة أصواتها إلى سلطة فعلية.
ويستند إيال إلى الفارق بين امتلاك الأغلبية البرلمانية والقدرة على تشكيل حكومة متجانسة. فالمعسكر المعارض لنتنياهو، وفق الأرقام التي يناقشها المقال، حصل على 67 مقعداً مقابل 53 مقعداً لمعسكره. غير أن هذا التفوق العددي لا يعني أن الطريق أمام المعارضة بات مضموناً، بسبب التباينات السياسية وصعوبة الاتفاق على ائتلاف حكومي متماسك. ومن هنا، يرى الكاتب أن نتنياهو يستثمر الفجوة بين النتيجة الانتخابية وإمكان تشكيل الحكومة، محاولاً إقناع الرأي العام بأن خصومه لم يحققوا انتصاراً حقيقياً.
تحويل الخسارة إلى انتصار سياسي وإعلامي

في العمق، يحذر الكاتب من استراتيجية سياسية تقوم على إفراغ النتائج من مضمونها، بدلاً من تغييرها. فحين يصبح السؤال المتداول إعلامياً هو ما إذا كان نتنياهو قد انتصر سياسياً رغم خسارته الأغلبية، يتراجع السؤال الأكثر أهمية: من يمتلك التفويض البرلماني لتشكيل الحكومة، ولماذا يتعذر عليه استخدامه؟
بهذا المعنى، لا يكتفي إيال بانتقاد أداء نتنياهو، بل يوجّه نقداً أيضاً إلى البيئة الإعلامية التي يرى أنها ساهمت في تضخيم صورة صمود رئيس الحكومة، وفي المقابل زرعت الإحباط داخل معسكر منافسيه.
وينتقد الكاتب التغطية الإعلامية التي بالغت في تصوير نتائج الانتخابات على أنها انتصار لنتنياهو، متأثرة بفشل استطلاعات الرأي الأولية في توقع النتائج بدقة، وبالتقديرات التي جرى تداولها بشأن احتمال حصول معسكره على عدد أكبر من المقاعد.
وما يقصده إيال هنا أن الإعلام لا يكتفي بنقل الوقائع السياسية، بل يمكن أن يتحول، عن قصد أو من دون قصد، إلى عنصر مؤثر في تشكيلها. فالتغطية التي تمنح الخاسر صورة المنتصر قد تساعده على الاحتفاظ بتماسك جمهوره، فيما تؤدي المبالغة في تصوير تعثر خصومه إلى إضعاف قدرتهم على التحرك. وبذلك تصبح المعركة على تفسير النتائج جزءاً من المعركة على السلطة نفسها.
اتهامات التدخل القطري: من التحقيق الأمني إلى شرعية الانتخابات
ينتقل إيال إلى قضية الاشتباه بتحويل أموال من قطر بهدف التأثير في تصويت الناخبين العرب، وهي القضية التي أثارت جدلاً سياسياً وأمنياً واسعاً. وهنا يبرز محور آخر في مقاله؛ فالكاتب لا يدعو إلى تجاهل الشبهات، ولا ينفي ضرورة التحقيق في أي محاولة للتدخل الخارجي، لكنه يحذر من تضخيم القضية قبل اتضاح الأدلة وحجم التأثير المحتمل في النتائج.
ويشير إلى أن الخطاب السياسي الذي رافق القضية أعطى انطباعاً بوجود عملية واسعة النطاق لتغيير نتائج الانتخابات، بينما كانت التفاصيل المتاحة عند كتابة المقال لا تزال غير مكتملة. كما ينقل عن مصادر مطلعة وصفها القضية بأنها حدث جرى تضخيمه بصورة مبالغ فيها، مع تأكيده أنه لا يملك ما يكفي للجزم بحقيقتها.
وتكمن الدلالة السياسية الأعمق في تساؤلات إيال بشأن توقيت نشر الرسالة التي وجّهها القاضي نوعام سولبرغ إلى رئيس جهاز الأمن العام، وأسباب إبلاغ مسؤولين سياسيين بإجراءات تحقيقية قبل تنفيذها، معتبراً أن هذه الطريقة قد تضر بسرية التحقيقات وتفتح الباب أمام توظيف القضية سياسياً.
يريد الكاتب الفصل بين مسألتين يجري، في رأيه، الخلط بينهما: احتمال وجود تدخل خارجي يستوجب تحقيقاً جدياً، واستخدام هذا الاحتمال لتوليد انطباع بأن نتائج الانتخابات برمتها موضع شك. فحتى لو ثبتت مخالفة محددة، فإن تحديد أثرها يتطلب أدلة وقياساً دقيقاً، لا إطلاق استنتاجات شاملة قبل انتهاء التحقيق.
ومن هنا، يربط إيال بين تضخيم الاتهامات وبين المصلحة السياسية لنتنياهو. فإضعاف الثقة بالنتائج يمكن أن يجعل تشكيل حكومة بديلة أكثر صعوبة، وأن يوفر مبرراً سياسياً للدعوة إلى انتخابات جديدة. لكنه لا يقدم دليلاً قاطعاً على أن نتنياهو يقف وراء تسريب المعلومات الأمنية؛ بل يطرح تساؤلات بشأن الملابسات والتداعيات، ويحذر من أن النتيجة قد تخدم مساراً سياسياً معيناً بصرف النظر عن الجهة التي سربت المعلومات.
الناخبون العرب في قلب المعركة السياسية
يتوقف إيال أيضاً عند الخطاب الذي استخدمه حزب الليكود خلال الحملة الانتخابية للتحذير من احتمال اعتماد منافسي نتنياهو على الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة. ويرى أن هذا الخطاب ساهم في ترسيخ مخاوف لدى بعض الناخبين الإسرائيليين من وصول معسكر غادي آيزنكوت إلى السلطة بدعم عربي، لكنه أسهم، في الوقت نفسه، في تحفيز مشاركة واسعة للناخبين العرب.
وهنا تكمن مفارقة سياسية مهمة: فالحملة التي استهدفت تحجيم الدور العربي وإظهاره بوصفه تهديداً للهوية السياسية والأمنية لإسرائيل، قد تكون ساهمت في زيادة الحضور الانتخابي العربي، ما جعل أصوات هذه الشريحة أكثر أهمية في تحديد موازين القوى.
ويرمي إيال، من خلال إبراز هذه المفارقة، إلى القول إن الخطاب التحريضي لا ينتج بالضرورة النتائج التي يتوقعها أصحابه. فقد يكون الهدف تعبئة جمهور اليمين ومنع انتقال أصواته إلى المعارضة، لكن النتيجة المقابلة قد تتمثل في تعبئة الجمهور المستهدف نفسه ورفع مستوى مشاركته.
أزمة الثقة بالمؤسسات: الخطر الذي يتجاوز مصير نتنياهو
في القسم الأكثر حساسية من مقاله، يربط إيال بين قضية الاشتباه بالتدخل الخارجي وبين الثقة بالمؤسسات المسؤولة عن حماية الانتخابات. ويتساءل عن أسباب عدم التحرك في وقت أبكر إذا كانت المعلومات الأمنية متوافرة قبل الاقتراع، وعن خلفيات إبلاغ مسؤولين سياسيين بالإجراءات المرتقبة، وعن الطريقة التي انتقلت بها القضية إلى المجال العام.
ولا يقتصر اعتراضه على توقيت الإعلان، بل يمتد إلى احتمال أن يؤدي كشف تفاصيل التحقيق قبل تنفيذه إلى الإضرار بسريته وإرباك عمل الأجهزة المعنية. كما يحذر من أن انتشار الاتهامات قبل ظهور الأدلة قد يجعل قطاعات من الجمهور تعتقد أن النتائج الانتخابية لم تكن نزيهة، حتى لو لم يثبت وجود تلاعب منظم يؤثر في النتيجة العامة.
والمعنى الأبعد لهذا التحذير هو أن الصراع على السلطة قد يتحول إلى أزمة في شرعية النظام السياسي نفسه. فحين يفقد المواطنون ثقتهم بآلية الاقتراع، لا تعود المشكلة محصورة في بقاء رئيس حكومة أو رحيله، بل تمتد إلى قدرة المؤسسات على إنتاج نتائج يقبل بها المتنافسون، حتى عندما تكون في غير مصلحتهم.
وفي النهاية، لماذا يرى إيال أن المعركة لم تنتهِ؟
في المحصلة، يرسم نداف إيال صورة لمعركة سياسية انتقلت من صناديق الاقتراع إلى الإعلام والمؤسسات الأمنية والقضائية. فنتنياهو، وفق قراءة الكاتب، يملك مصلحة سياسية في استمرار حالة الانسداد، إذا كان البديل هو انتقال السلطة إلى معسكر منافس، بينما يواجه خصومه اختباراً حاسماً يتمثل في قدرتهم على تجاوز خلافاتهم وتشكيل حكومة فعلية.
والرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من المقال هي أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال إجراء انتخابات جديدة، بل في أن تتحول الانتخابات السابقة إلى موضوع نزاع دائم، وأن يصبح التشكيك في النتائج أداة لإعادة فتح المعركة بدلاً من احترام المسار الديمقراطي.
وهكذا، فإن ما يقف وراء كلمات الكاتب ليس مجرد توقع بانتخابات جديدة، بل تحذير من معركة على تفسير الهزيمة، وعلى حدود استخدام المؤسسات والأدوات الإعلامية في الصراع السياسي. فالسؤال الذي يطرحه المقال في جوهره ليس ما إذا كان نتنياهو سيبقى أو يرحل فحسب، بل ما إذا كانت نتائج الانتخابات ستتحول إلى أساس لتداول السلطة، أم إلى مادة لصراع جديد قد يضعف الثقة بالعملية الديمقراطية نفسها.
معاريف – هل يستعد نتنياهو للانتخابات المقبلة؟ الخطاب الذي كشف كل شيء
الكاتبة: آنا بارسكي

تقول آنا بارسكي في مقالها إن بنيامين نتنياهو خرج من ليلة الانتخابات بموقع سياسي أقوى مما أوحت به الاستطلاعات الأولية، لكنه لم ينجح في حسم المعركة البرلمانية لمصلحته. وترى الكاتبة أن المفارقة الأساسية تكمن في أن نتنياهو استطاع الحفاظ على موقعه داخل معسكر اليمين، من دون أن يمتلك طريقاً واضحاً لتشكيل حكومة جديدة.
لكن ما ترمي إليه بارسكي يتجاوز توصيف هذه المفارقة. فهي تحاول لفت الانتباه إلى المسافة الفاصلة بين النجاح السياسي الشخصي والقدرة على الحكم. فقد يحتفظ نتنياهو بقيادة الليكود، ويمنع خصومه من إعلان انتصار نهائي عليه، لكنه يبقى أمام معضلة جوهرية: كيف يحوّل موقعه المتقدم داخل معسكره إلى أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل حكومة؟
إن السؤال الذي يطرحه عنوان المقال حول استعداد نتنياهو لانتخابات جديدة ليس مجرد توقع بشأن موعد الاقتراع المقبل، بل مدخل لفهم الطريقة التي قد يتعامل بها مع المأزق الحالي. فالخطاب السياسي للزعيم، والموضوعات التي يختار التركيز عليها، والقضايا التي يتجنب الخوض فيها، يمكن أن تكشف جانباً من الحسابات التي تحكم تحركاته.
لماذا اختار نتنياهو الحديث عن إيران؟
تلفت بارسكي إلى أن نتنياهو خصص قسماً أساسياً من خطابه بعد الانتخابات للحديث عن إيران، والتهديد الذي تمثله، والإنجازات التي ينسبها إلى سياسته الأمنية والعسكرية، بينما لم يقدم إجابات واضحة عن كيفية تشكيل الحكومة المقبلة.
وهذه الملاحظة هي المفتاح الأول لفهم المقال. فالكاتبة لا تتعامل مع اختيار إيران موضوعاً للخطاب باعتباره تفصيلاً عابراً، بل تضعه في سياق الصراع على مستقبل نتنياهو السياسي. ومن خلال هذا الربط، تفتح الباب أمام استنتاج مفاده أن رئيس الحكومة يفضّل نقل النقاش من المأزق البرلماني إلى المجال الذي يعتقد أنه أكثر قدرة على التأثير فيه: الأمن القومي.
سياسياً، يعني ذلك أن نتنياهو قد يسعى إلى إعادة تعريف السؤال المطروح أمام الجمهور الإسرائيلي. فبدلاً من أن يكون السؤال: هل أخفق في الحفاظ على أغلبيته البرلمانية؟ يصبح: من الأقدر على مواجهة إيران وحماية إسرائيل؟
هذا التحول في مركز النقاش يمنحه فرصة لاستعادة عناصر القوة التي اعتمد عليها طويلاً، ولا سيما تقديم نفسه باعتباره رجل الأمن والخبرة الاستراتيجية، في مقابل خصوم قد يجدون صعوبة في منافسته على هذه الصورة.
لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذا الاستنتاج لا يثبت أن نتنياهو تعمد تجاهل تشكيل الحكومة أو أنه اتخذ قراراً نهائياً بالذهاب إلى انتخابات جديدة. ما تكشفه ملاحظة بارسكي هو أن ترتيب أولويات الخطاب يتيح قراءة سياسية تتعلق بما يريد نتنياهو أن يبقى في صدارة اهتمام الجمهور.
وبعبارة أخرى، قد تكون إيران بالنسبة إليه أكثر من ملف أمني؛ إنها أيضاً وسيلة لإعادة تنظيم المعركة السياسية حول قضية يعتقد أنها تمنحه أفضلية.
خطاب الوحدة: هل هناك مبادرة فعلية أم مناورة سياسية؟
تتوقف بارسكي عند حديث نتنياهو عن ضرورة توحّد «الأغلبية الصهيونية»، معتبرة أن هذا التعبير يستحق التدقيق، لأنه لم يترافق مع عرض واضح بشأن هوية الشركاء المحتملين أو شروط تشكيل حكومة وحدة.
فالحديث عن الوحدة، في الظروف العادية، يمكن أن يكون دعوة لتجاوز الانقسامات والبحث عن صيغة مشتركة للحكم. لكن في ظروف الانسداد البرلماني، قد يؤدي هذا الخطاب وظيفة مختلفة: إبقاء الباب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة، من دون الالتزام بتنازلات محددة.
وترى القراءة التحليلية أن نتنياهو قد يستفيد من غموض مفهوم الوحدة، لأنه يسمح له بمخاطبة أكثر من جمهور في الوقت نفسه. فهو يستطيع أن يظهر أمام أنصاره بمظهر القائد المستعد للتعاون، وأن يترك في الوقت ذاته مساحة للمناورة مع خصومه، من دون أن يحدد مسبقاً الثمن الذي سيكون مستعداً لدفعه.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان نتنياهو قد ذكر الوحدة، بل ما إذا كان مستعداً لتحويلها إلى مبادرة سياسية فعلية. فحكومة الوحدة تتطلب تحديد هوية الشركاء، وتوزيع المسؤوليات، والاتفاق على أولويات المرحلة المقبلة، وربما تقديم تنازلات مؤلمة بشأن الملفات الأمنية والقضائية والاقتصادية.
أما الاكتفاء بخطاب عام عن الوحدة، فيبقي الفكرة في دائرة الرسائل السياسية، ولا ينقلها بالضرورة إلى مرحلة التفاوض الجدي. ومن هنا، فإن ما تكشفه ملاحظة بارسكي هو الفارق بين استخدام الوحدة خطاباً سياسياً، والاستعداد لتحمل كلفتها بوصفها خياراً للحكم.
نتنياهو أقوى داخل معسكره، لكنه لا يملك مفتاح الحكومة
تشير الكاتبة إلى أن موقع نتنياهو داخل الليكود ومعسكر اليمين بقي متماسكاً، رغم أن نتائج الانتخابات لم تمنحه أغلبية واضحة لتشكيل الحكومة.
وتكشف هذه النقطة عن طبيعة المأزق الذي يواجهه خصومه أيضاً. فإضعاف نتنياهو انتخابياً لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إزاحته، كما أن تفوق المعسكر المناهض له في بعض الحسابات لا يكفي وحده لتشكيل ائتلاف قابل للحياة.
وهنا تبرز معادلة سياسية دقيقة: يستطيع نتنياهو أن يمنع خصومه من تحقيق هدفهم، من دون أن ينجح هو في تحقيق هدفه.
هذا النوع من الانسداد يمنح رئيس الحكومة القائم أفضلية زمنية، لأنه يبقى في موقع السلطة ما دامت عملية تشكيل الحكومة الجديدة لم تُحسم. لكنه لا يمنحه ضمانة للاستمرار، ولا يلغي احتمال أن يتمكن خصومه من التوصل إلى اتفاق يتجاوز خلافاتهم.
وتكمن أهمية هذه القراءة في أنها تفسر لماذا قد يبدو نتنياهو أقوى سياسياً مما توحي به الأرقام، وفي الوقت نفسه أكثر عرضة للمخاطر مما يوحي به تماسك معسكره.
فالقوة داخل الحزب ليست هي القوة داخل البرلمان، والقوة البرلمانية ليست هي القدرة على تشكيل حكومة، والقدرة على تشكيل الحكومة لا تعني بالضرورة ضمان استقرارها. وهذه المستويات الثلاثة هي التي ينبغي مراقبتها لفهم ما ستؤول إليه الأزمة الإسرائيلية.
هل يريد نتنياهو انتخابات جديدة فعلاً؟
لا تقدم بارسكي دليلاً قاطعاً على أن نتنياهو حسم قراره بالذهاب إلى انتخابات جديدة. لكنها تربط بين غياب أغلبية واضحة، وعدم تقديمه تصوراً محدداً لتشكيل الحكومة، وبقاء الانسداد السياسي قائماً.
ومن هنا، يمكن فهم الإشارة إلى الانتخابات المقبلة باعتبارها احتمالاً يدخل ضمن حسابات نتنياهو، لا قراراً نهائياً اتخذه بالفعل.
قد يرى نتنياهو في جولة انتخابية جديدة فرصة لإعادة ترتيب التحالفات، والضغط على خصومه، واستثمار التناقضات بينهم. وقد يسعى إلى إقناع الناخبين بأن المعسكر المنافس غير قادر على إدارة الدولة، حتى لو تمكن من الحد من قدرة الليكود على تشكيل الحكومة.
في المقابل، تحمل هذه الاستراتيجية مخاطر واضحة. فإعادة الانتخابات لا تضمن حصول نتنياهو على أغلبية، وقد تتحول إلى استفتاء جديد على أدائه السياسي والأمني. كما أن استمرار الانسداد يفرض تكاليف على الدولة، ويعمّق حالة عدم اليقين لدى الجمهور والمؤسسات والأسواق.
لذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كان نتنياهو يريد انتخابات جديدة فحسب، بل ما إذا كان يعتقد أن الجولة المقبلة ستمنحه فرصة أفضل من الخيارات المتاحة أمامه حالياً.
وهذا فارق جوهري؛ إذ يمكن للسياسي أن يستعد لسيناريو انتخابي محتمل، وأن يستخدمه ورقة ضغط في المفاوضات، من دون أن يكون قد قرر الذهاب إليه فعلاً.
ما الذي تقوله الكاتبة بين السطور؟
تتمثل الرسالة الأهم في مقال بارسكي في أن فهم المشهد الإسرائيلي يتطلب الفصل بين خطاب نتنياهو العلني وحساباته المتعلقة بالبقاء في السلطة.
فالتركيز على إيران يعيد تقديمه بوصفه قائداً أمنياً، والحديث عن الوحدة يترك أمامه هامشاً للمناورة، بينما يمنحه استمرار الانسداد وقتاً إضافياً للتحرك. وهذه العناصر، عند جمعها، تسمح بقراءة استراتيجية سياسية هدفها الحفاظ على الخيارات مفتوحة، وعدم السماح للخصوم بتحويل نتائج الانتخابات إلى انتقال محسوم للسلطة.
لكن لا ينبغي تحويل هذه القراءة إلى يقين بشأن نوايا نتنياهو. فالمقال يرصد مؤشرات سياسية، ويطرح تساؤلات بشأن دلالاتها، ولا يثبت أن كل خطوة تصدر عنه جزء من خطة متكاملة لإجراء انتخابات جديدة.
والخلاصة، المعركة الحقيقية ليست على المقاعد فقط
تكشف قراءة آنا بارسكي أن نتنياهو يواجه اختباراً يتجاوز حجم الليكود أو موقعه داخل معسكر اليمين. فالمشكلة الأساسية هي قدرته على تحويل هذه القوة إلى أغلبية برلمانية، في وقت لا يبدو فيه خصومه قادرين بسهولة على تشكيل بديل مستقر.
ومن خلال تركيزها على خطابه الأمني، وغموض حديثه عن الوحدة، وعدم تقديمه إجابة واضحة بشأن الحكومة المقبلة، ترسم الكاتبة صورة لزعيم يحاول الحفاظ على المبادرة السياسية في لحظة لا يملك فيها حلاً برلمانياً مضموناً.
أما الاستنتاج الأعمق، فهو أن نتنياهو قد يسعى إلى كسب معركة تفسير نتائج الانتخابات قبل أن يحسم معركة تشكيل الحكومة. فإذا نجح في إقناع الجمهور بأن خصومه عاجزون عن الحكم، فقد يتمكن من تحويل إخفاقهم في تشكيل ائتلاف إلى فرصة سياسية جديدة. وإذا أخفق في ذلك، فقد يجد نفسه مضطراً إلى تقديم تنازلات لم يكن يرغب في تقديمها.
والسؤال الذي يتركه المقال مفتوحاً هو: هل يستخدم نتنياهو التهديد الإيراني وخطاب الوحدة لاستعادة زمام المبادرة، أم أنه يهيئ جمهوره لاحتمال انتخابات جديدة لأنه يدرك أن تشكيل حكومة بالشروط التي يريدها لم يعد أمراً مضموناً؟
الإجابة لن تأتي من خطابه وحده، بل من الخطوة السياسية التالية: هل سيقدم عرضاً حقيقياً لشركاء محتملين، أم سيواصل إدارة الأزمة مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة؟
هآرتس – كيف تساعد نتائج الانتخابات نتنياهو على الإفلات من المحاسبة عن إخفاقات 7 أكتوبر؟
الكاتب: عاموس هرئيل

يقول عاموس هرئيل في مقاله إن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لم تمنح بنيامين نتنياهو انتصاراً حاسماً، لكنها لم تُسقطه أيضاً، وهو ما يفتح أمامه فرصة للاستمرار في الحكم، ولو بصورة مؤقتة، في ظل عجز المعسكر المناهض له عن تشكيل حكومة بديلة متماسكة.
ويرى الكاتب أن خطورة هذه النتيجة لا تكمن فقط في إطالة عمر الأزمة السياسية، بل في احتمال أن تمنح نتنياهو وقتاً إضافياً لتجنب مواجهة الأسئلة المتعلقة بإخفاقات السابع من أكتوبر، والمسؤولية السياسية والأمنية عن الهجوم الذي كشف ثغرات عميقة في منظومة الأمن الإسرائيلية.
لكن ما يرمي إليه هرئيل يتجاوز القول إن نتنياهو يستفيد من تعثر خصومه. فالكاتب يربط بين بقاء رئيس الحكومة في منصبه وبين مصير التحقيق في الإخفاقات التي سبقت الهجوم. وبهذا الربط، يحوّل نتائج الانتخابات من مسألة تتعلق بتوزيع المقاعد إلى قضية تتصل بمحاسبة السلطة: هل يستطيع النظام السياسي الإسرائيلي إنتاج حكومة جديدة قادرة على التحقيق في مسؤولية القيادة، أم أن الانقسام البرلماني سيمنح القيادة القائمة فرصة لتأجيل هذا الاستحقاق؟
لماذا لا تعني خسارة الأغلبية سقوط نتنياهو؟
يشير هرئيل إلى أن نتائج الانتخابات أوجدت حالة من الانسداد، إذ لم يحصل معسكر نتنياهو على الأغلبية المطلوبة، بينما لم يتمكن المعسكر المناهض له من امتلاك طريق واضح لتشكيل حكومة مستقرة من دون دعم الأحزاب العربية أو التوصل إلى تفاهمات سياسية صعبة.
والدلالة التي يريد الكاتب إبرازها هي أن الخسارة الانتخابية لا تؤدي بالضرورة إلى خسارة السلطة عندما يكون الخصم عاجزاً عن بناء بديل.
ففي الأنظمة البرلمانية، لا يكفي أن تتراجع شعبية الحكومة أو أن تخسر كتلتها عدداً من المقاعد؛ بل يجب أن تتوافر صيغة بديلة تستطيع نيل الثقة وممارسة الحكم. وإذا تعذر ذلك، فقد تستمر الحكومة القائمة في تصريف الأعمال خلال مرحلة الانتقال السياسي، وفق الإجراءات الدستورية المعمول بها.
ومن هنا، يرى هرئيل أن نتنياهو يستطيع الاستفادة من الانقسامات داخل المعسكر المقابل، حتى لو لم يحقق النتيجة التي كان يطمح إليها. فالمعارضة التي نجحت في إضعافه انتخابياً قد تجد نفسها عاجزة عن استثمار هذه النتيجة، بسبب الخلافات حول شكل الحكومة المقبلة، وحدود التعاون مع الأحزاب العربية، وهوية رئيس الحكومة وشروط الشراكة.
لكن المغزى الأعمق أن هذه الحالة تمنح نتنياهو فرصة لقلب اتجاه النقاش: بدلاً من أن يكون مطالباً بتفسير إخفاقاته، يصبح خصومه مطالبين بتفسير عجزهم عن تشكيل حكومة.
وهذا تحول سياسي بالغ الأهمية، لأنه ينقل مركز الضغط من رئيس الحكومة إلى القوى التي تعهدت بإزاحته.
السابع من أكتوبر: لماذا يخشى نتنياهو استحقاق المحاسبة؟
ينتقل هرئيل إلى القضية الأكثر حساسية: المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية والسياسية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023.
ويربط الكاتب بين استمرار نتنياهو في السلطة وبين احتمال تأجيل تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة قادرة على فحص القرارات التي سبقت الهجوم، وأداء المؤسسات الأمنية والسياسية، وطبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والتقديرات الاستخباراتية.
وهنا ينبغي فهم ما وراء الطرح. فالمحاسبة في هذا السياق لا تعني مجرد توجيه اللوم إلى مسؤول أو إقالة شخصية أمنية، بل تعني فتح ملف متكامل يتعلق بكيفية اتخاذ القرارات، وتحديد المسؤوليات، وفحص ما إذا كانت القيادة السياسية قد تجاهلت تحذيرات أو أخفقت في الاستعداد للتهديدات.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الحكومة القائمة قد يؤثر في توقيت التحقيق وطبيعته، وفي مدى استعداد السلطة للمضي في إجراءات قد تطال مسؤولين في أعلى هرم الدولة.
يريد هرئيل لفت الانتباه إلى أن معركة نتنياهو السياسية لا تنفصل عن معركة المسؤولية. فخروجه من السلطة قد يفتح المجال أمام قوى جديدة للدفع نحو تحقيق رسمي شامل، بينما قد يؤدي استمرار حالة الانسداد إلى تأجيل هذا المسار أو إضعاف الزخم السياسي المحيط به.
لكن يجب التمييز هنا بين احتمال تأجيل المحاسبة وبين إثبات أن نتنياهو يتعمد تعطيل التحقيق حصراً لحماية نفسه. المقال يطرح العلاقة بين المأزق السياسي ومخاطر الإفلات من المساءلة بوصفها قراءة سياسية، ولا ينبغي تحويلها إلى حكم قضائي أو حقيقة مثبتة بشأن دوافع كل قرار يتخذه رئيس الحكومة.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يثيره الكاتب جوهري: هل يمكن أن تتحول أزمة تشكيل الحكومة إلى عامل يمنح المسؤولين عن الإخفاقات السابقة وقتاً إضافياً، فيما تتراجع قدرة المؤسسات على فرض المساءلة؟
إيران: هل تتحول الحرب إلى أداة لإنقاذ المأزق السياسي؟
من أخطر النقاط التي يناقشها هرئيل احتمال تجدد المواجهة العسكرية مع إيران، وربط هذا الاحتمال بالحسابات السياسية الإسرائيلية الداخلية.
فبحسب ما يعرضه المقال، قد تؤدي مواجهة جديدة إلى تغيير الأولويات السياسية، وإعادة تقديم نتنياهو بوصفه قائداً أمنياً في ظرف استثنائي، وربما ممارسة ضغط على قادة المعارضة للانضمام إلى حكومة وحدة وطنية بحجة مواجهة تهديد خارجي.
وهنا تتضح أهمية الربط بين الملفين الإيراني والإسرائيلي الداخلي. ففي الظروف العادية، يُفترض أن تحدد التهديدات الأمنية طبيعة الاستجابة العسكرية وفق تقديرات المؤسسات المختصة والمصلحة الوطنية. لكن في لحظات الاستقطاب السياسي، قد تؤدي المواجهة الخارجية أيضاً إلى تغيير الحسابات الحزبية، وتوفير مبررات لتأجيل الصراعات الداخلية أو إعادة تشكيل التحالفات.
ويحذر هرئيل من احتمال أن يؤدي تجدد الحرب إلى وضع قادة المعارضة أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في رفض الشراكة مع نتنياهو، أو مواجهة اتهامات بأنهم يضعون الحسابات الحزبية فوق الأمن القومي.
ومن خلال هذه الفرضية، يطرح الكاتب سؤالاً بالغ الحساسية بشأن العلاقة بين القرار العسكري والمصلحة السياسية.
لكن من الضروري التأكيد أن الحديث عن احتمال استخدام الحرب لتعزيز موقع نتنياهو لا يثبت أنه قرر شن حرب جديدة لهذا الغرض. فالتحليل هنا يتعلق بالمخاطر السياسية التي قد تنشأ إذا تداخلت حسابات البقاء في السلطة مع قرارات الحرب والسلم.
وهذا تحديداً ما يجعل الفكرة مهمة: المطلوب ليس افتراض وجود خطة مسبقة، بل إدراك أن الحرب قد تنتج مكاسب سياسية لبعض الأطراف، وأن هذه المكاسب المحتملة تستوجب التدقيق في القرارات التي قد تترتب عليها.
المعارضة الإسرائيلية: هل أسهمت في إنقاذ خصمها؟
لا يعفي تحليل هرئيل خصوم نتنياهو من المسؤولية السياسية عن المأزق. فالمعسكر المناهض لرئيس الحكومة لم ينجح، حتى الآن، في تحويل تراجع معسكره إلى بديل حكومي مضمون، كما بقيت مسألة التعاون مع الأحزاب العربية نقطة خلاف جوهرية.
وهنا تبرز مفارقة مهمة: الأحزاب العربية تستطيع أن تؤثر في الحسابات البرلمانية، لكن أجزاء من المعسكر الذي يريد إزاحة نتنياهو لا تزال مترددة في قبول دورها شريكاً في ترتيبات الحكم.
وتكمن الدلالة في أن الخطاب الذي يستبعد هذه الأحزاب من معادلة الشرعية السياسية قد يحد من قدرة المعارضة على تشكيل حكومة، حتى عندما تكون الأصوات اللازمة متوافرة حسابياً.
وهذا ما يجعل المأزق أعمق من مجرد خلاف على المقاعد. فالمشكلة تتعلق أيضاً بتعريف الشراكة السياسية، وبحدود قبول نتائج الانتخابات، وبمدى استعداد القوى المتنافسة للتنازل عن بعض مواقفها من أجل تحقيق هدف مشترك.
ويرمي هرئيل، من خلال إبراز هذه التناقضات، إلى التنبيه إلى أن خصوم نتنياهو قد يمنحونه فرصة إضافية للبقاء، ليس لأنهم يريدون ذلك بالضرورة، بل لأنهم لم يحسموا خلافاتهم بشأن البديل الذي يسعون إلى تقديمه.
ما الذي يقف وراء تحذير هرئيل؟
في جوهر مقاله، يحاول هرئيل نقل النقاش من سؤال من ربح الانتخابات إلى سؤال من سيستفيد فعلياً من نتائجها.
فنتنياهو لم يحصل على تفويض برلماني واضح، لكنه قد يستفيد من استمرار الانسداد. والمعارضة قد تكون أضعفت معسكره، لكنها تواجه صعوبة في تشكيل حكومة. أما ملف المحاسبة عن السابع من أكتوبر، فقد يصبح رهينة التوازنات السياسية إذا لم تنجح القوى المطالبة بالتحقيق في بناء مسار مؤسسي واضح.
وبذلك، يرسم الكاتب صورة لمشهد قد يستمر فيه الصراع على السلطة على حساب الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية عن الإخفاقات السابقة.
والرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من المقال هي أن نتائج الانتخابات لا تحدد فقط هوية الحكومة المقبلة، بل قد تؤثر أيضاً في قدرة المؤسسات على التحقيق والمساءلة، وفي طبيعة القرارات الأمنية التي يمكن أن تتخذها القيادة خلال المرحلة الانتقالية.
وفي النهاية، هل تحمي الأزمة السياسية نتنياهو من المحاسبة؟
تكمن قوة مقال عاموس هرئيل في أنه لا يتعامل مع الانتخابات الإسرائيلية بوصفها حدثاً منفصلاً عن إخفاقات السابع من أكتوبر، بل يربط بين نتائجها ومستقبل المساءلة عن القرارات التي سبقت الهجوم.
فالانسداد السياسي قد يمنح نتنياهو فرصة للاستمرار في السلطة، ويصعّب على خصومه فرض انتقال سياسي واضح، فيما يبقى التحقيق في الإخفاقات الأمنية والسياسية موضع نزاع.
أما التحذير المتعلق بإيران، فيكشف عن خطر إضافي يتمثل في أن تتداخل الحسابات الأمنية مع حسابات البقاء السياسي، بما قد يؤثر في طبيعة القرارات الاستراتيجية خلال مرحلة شديدة الحساسية.
والاستنتاج الأعمق هو أن المعركة في إسرائيل لم تعد محصورة في هوية رئيس الحكومة، بل أصبحت أيضاً معركة على توقيت المحاسبة وحدودها، وعلى قدرة المؤسسات على الفصل بين المصلحة الوطنية والمصلحة السياسية للأشخاص والأحزاب.
فإذا نجحت المعارضة في تشكيل حكومة مستقرة، فقد تفتح الباب أمام مسار جديد للتحقيق والمساءلة، وإن لم يكن ذلك مضموناً تلقائياً. أما إذا استمر الانسداد، فقد يستفيد نتنياهو من الوقت الإضافي، وتبقى الملفات التي تهدد مستقبله السياسي عرضة للتأجيل.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يتحول العجز عن تشكيل حكومة جديدة إلى فرصة لنتنياهو لتأجيل المحاسبة عن إخفاقات السابع من أكتوبر، أم أن الضغوط السياسية والمؤسسية ستفرض فتح هذا الملف بصرف النظر عن هوية الحكومة المقبلة؟
هذا هو جوهر التحذير الذي يقدمه هرئيل: الخطر ليس فقط في أن يبقى نتنياهو في السلطة، بل في أن يؤدي استمرار الأزمة إلى تأجيل الإجابة عن الأسئلة التي ما زالت تطارد القيادة الإسرائيلية منذ هجوم السابع من أكتوبر.
واللا –ترامب يعتقد أنه أنقذ نتنياهو من هزيمة ساحقة، والآن يقدم له الفاتورة
الكاتب: عيدان كوفلر

يقول عيدان كوفلر في مقاله إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سارع إلى نسب التحسن في موقع بنيامين نتنياهو الانتخابي إلى دعمه السياسي، حتى قبل أن تتضح الصورة النهائية بشأن قدرة رئيس الحكومة الإسرائيلية على تشكيل ائتلاف جديد. ويرى الكاتب أن ترامب لا يتعامل مع هذه النتيجة باعتبارها انتصاراً شخصياً لنتنياهو فحسب، بل بوصفها فرصة لتعزيز نفوذه على قرارات الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
لكن ما يرمي إليه كوفلر يتجاوز فكرة أن ترامب يريد الحصول على مقابل لدعمه. فهو يطرح معادلة سياسية تقوم على أن الطرف الذي يساعد حليفه على البقاء في السلطة يستطيع أن يطالبه لاحقاً بتعديل سياساته، خصوصاً عندما تكون لديه مصالح إقليمية يريد تحقيقها.
وبهذا المعنى، فإن «الفاتورة» التي يتحدث عنها العنوان ليست بالضرورة مقابلاً مالياً أو اتفاقاً معلناً، بل قد تتمثل في تنازلات سياسية واستراتيجية تتعلق بإدارة الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها غزة وسورية ولبنان.
ويشير الكاتب إلى أن ترامب لا يبحث بالضرورة عن حكومة إسرائيلية تتطابق أيديولوجياً مع اليمين الذي يقوده نتنياهو، بل عن حكومة تستطيع تنفيذ تصوره للمنطقة من دون أن تعرقل خططه.
وهنا تظهر المفارقة: قد يحتاج نتنياهو إلى ترامب لتقوية موقعه السياسي، لكن حاجته إلى الدعم الأميركي قد تحدّ من قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة في الملفات التي يوليها البيت الأبيض أهمية خاصة.
نتنياهو بين حلفائه في اليمين وضغوط واشنطن
يرى كوفلر أن نتائج الانتخابات لم تحسم مستقبل الحكومة الإسرائيلية، وأن نتنياهو لا يزال بحاجة إلى البحث عن صيغة تسمح له بتأمين أغلبية برلمانية. لكن هذه الحاجة قد تدفعه إلى التعامل مع تناقضات يصعب التوفيق بينها.
فمن جهة، يحتاج نتنياهو إلى الحفاظ على دعم القوى اليمينية التي تشكل قاعدة ائتلافه، والتي تتمسك بمواقف متشددة في ملفات الحرب والتسويات السياسية. ومن جهة أخرى، قد يجد نفسه أمام إدارة أميركية تريد دفع ترتيبات إقليمية تتطلب مرونة أكبر من جانب إسرائيل.
ما الذي يقصده الكاتب بذلك؟
إن نتنياهو قد يواجه معضلة لا تتعلق فقط بتوزيع الحقائب الوزارية أو الاتفاق على برنامج حكومي، بل بحدود التنازل الذي يستطيع تقديمه لواشنطن من دون أن يخسر حلفاءه داخل الائتلاف.
فإذا استجاب للمطالب الأميركية في بعض الملفات، فقد يتعرض لضغوط من شركائه اليمينيين الذين يعتبرون أي تراجع عن مواقفهم تهديداً لمشروعهم السياسي. أما إذا رفض التجاوب مع ترامب، فقد يعرّض علاقته بالرئيس الأميركي للاهتزاز، ويخسر جزءاً من الدعم الذي يحتاج إليه في مرحلة شديدة الحساسية.
ومن هنا، فإن المسألة التي يطرحها كوفلر ليست ما إذا كان نتنياهو سيطيع ترامب أو يرفض مطالبه بصورة مطلقة، بل كيف سيوزع التنازلات والمكاسب بين واشنطن وحلفائه الإسرائيليين.
إنها معادلة البقاء السياسي: كيف يحافظ نتنياهو على حكومته من الداخل، من دون أن يخسر الغطاء الأميركي الذي يمنحه هامشاً أوسع للحركة؟
لبنان في الحسابات الأميركية الإسرائيلية: هل تتغير قواعد اللعبة؟
تكتسب قراءة كوفلر أهمية خاصة للبنان، لأنه يضع الملف اللبناني ضمن مجموعة الملفات الإقليمية التي قد يستخدم ترامب نفوذه لدفع نتنياهو إلى تغيير طريقة تعامله معها.
لكن من الضروري التمييز بين ما يذكره المقال صراحةً وما يمكن استنتاجه منه. فالكاتب يربط الضغوط الأميركية المحتملة بملفات غزة وسورية ولبنان، لكنه لا يقدم دليلاً على وجود اتفاق نهائي يلزم نتنياهو بتقديم تنازلات محددة في لبنان مقابل دعم ترامب له.
أما القراءة السياسية لهذا الطرح، فتشير إلى أن واشنطن قد تحاول استثمار حاجة نتنياهو إلى الدعم الأميركي لدفعه نحو ترتيبات إقليمية تتناسب مع رؤيتها الأوسع.
بالنسبة إلى لبنان، يفتح ذلك باباً أمام عدة احتمالات: أن تضغط واشنطن باتجاه ترتيبات أمنية أكثر استقراراً، أو أن تسعى إلى ربط الملف اللبناني بتفاهمات أوسع تشمل سورية وغزة، أو أن تستخدم علاقتها بنتنياهو للتأثير في طبيعة القرارات الإسرائيلية المقبلة.
لكن هذه الاحتمالات ليست متساوية، ولا يعني ورود لبنان في المقال أن واشنطن قررت بالفعل فرض تسوية معينة على إسرائيل.
والأهم أن أي ضغط أميركي لا يعني بالضرورة أن نتنياهو سيستجيب له، أو أن النتائج ستكون لمصلحة لبنان. فطبيعة الترتيبات المحتملة ستعتمد على شروطها، والضمانات التي تتضمنها، ومدى ارتباطها بالمصالح الأمنية والسياسية لكل طرف.
ومن هنا، ينبغي قراءة المقال بوصفه إشارة إلى احتمال استخدام النفوذ الأميركي في إعادة ترتيب الملفات الإقليمية، لا بوصفه دليلاً على قرب التوصل إلى اتفاق لبناني إسرائيلي.
غزة وسورية: لماذا يجمع الكاتب هذه الملفات في معادلة واحدة؟
يربط كوفلر بين غزة وسورية ولبنان لأن هذه الملفات تمثل ساحات تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية، وإن اختلفت طبيعة كل ملف وأولوياته.
ففي غزة، تتصل المسألة بمستقبل الترتيبات السياسية والأمنية بعد الحرب، وبقدرة واشنطن على دفع الأطراف نحو صيغة تتوافق مع رؤيتها للمرحلة المقبلة.
وفي سورية، ترتبط الحسابات بمستقبل الاستقرار الإقليمي، وبطبيعة العلاقات بين القوى المؤثرة في المشهد السوري، وبكيفية التعامل مع التحديات الأمنية التي تهم إسرائيل والولايات المتحدة.
أما لبنان، فتتقاطع فيه اعتبارات الأمن الحدودي، ومستقبل المواجهة مع إسرائيل، والضغوط السياسية التي قد ترتبط بأي ترتيبات إقليمية أوسع.
لكن الدلالة الأهم في جمع هذه الملفات هي أن ترامب قد لا يرغب في التعامل مع كل ساحة بمعزل عن الأخرى. فقد يسعى إلى بناء مقاربة إقليمية متكاملة، ويستخدم علاقته بنتنياهو لدفع إسرائيل إلى اتخاذ خطوات تخدم هذه المقاربة.
وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في طرح كوفلر: فالمسألة ليست فقط ما إذا كان ترامب سيضغط على نتنياهو، بل ما إذا كانت واشنطن ستنجح في تحويل هذا الضغط إلى نفوذ فعلي على قرارات إسرائيل في أكثر من ساحة.
مع ذلك، لا ينبغي افتراض أن المصالح الأميركية والإسرائيلية متطابقة في جميع هذه الملفات، أو أن الضغط الأميركي سيؤدي تلقائياً إلى نتائج إيجابية بالنسبة إلى لبنان أو سورية أو غزة.
هل يملك ترامب فعلاً القدرة على فرض شروطه؟
لا تعني العلاقة الوثيقة بين ترامب ونتنياهو أن الرئيس الأميركي يستطيع فرض كل ما يريده على رئيس الحكومة الإسرائيلية.
فنتنياهو يمتلك بدوره أدوات سياسية داخلية، ويحتاج إلى مراعاة توازنات الائتلاف، وحسابات حزبه، ومواقف الجمهور الإسرائيلي، والمؤسسة الأمنية.
لكن كوفلر يلفت إلى نقطة مهمة: حين يحتاج زعيم سياسي إلى دعم خارجي لتعزيز موقعه، يصبح هذا الدعم مصدراً للقوة ومصدراً للضغط في الوقت نفسه.
فترامب يستطيع أن يمنح نتنياهو دعماً سياسياً، لكنه يستطيع أيضاً أن يربط هذا الدعم بتوقعات بشأن السياسات التي يريد رؤيتها في المنطقة. ولا يشترط أن تكون هذه التوقعات مكتوبة في اتفاق رسمي حتى تؤثر في الحسابات الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن قدرة ترامب على التأثير لا تعني أن نتنياهو سيقبل جميع مطالبه، ولا أن أي خلاف بينهما سيؤدي بالضرورة إلى قطيعة سياسية.
الأرجح، وفق هذه القراءة، أن العلاقة ستشهد مفاوضات متواصلة، يحاول فيها كل طرف تعظيم مكاسبه وتقليص أثمان التنازلات.
وهذا ما يجعل عبارة «تقديم الفاتورة» تعبيراً سياسياً دالاً: فالدعم الذي يبدو في لحظة ما مكسباً مجانياً قد يتحول لاحقاً إلى التزام سياسي يتعين على المستفيد التعامل معه.
الخلاصة: هل يصبح الدعم الأميركي قيداً على نتنياهو؟
في المحصلة، يرسم عيدان كوفلر صورة لعلاقة تقوم على تبادل المصالح، لكنها لا تخلو من التناقضات. فترامب يرى في نتنياهو شريكاً يمكنه التأثير من خلاله في مسار المنطقة، فيما يحتاج نتنياهو إلى الحفاظ على الدعم الأميركي بالتوازي مع حماية تماسك قاعدته السياسية الداخلية.
لكن المعنى الأعمق للمقال هو أن نجاح نتنياهو في تحسين موقعه الانتخابي لا يعني أنه أصبح أكثر حرية في اتخاذ القرار. فقد يجد نفسه مضطراً إلى تقديم تنازلات خارجية لتأمين الدعم الذي يحتاج إليه، أو إلى مواجهة خلافات داخلية إذا استجاب لمطالب واشنطن.
وبالنسبة إلى لبنان، فإن أهمية هذا الطرح تكمن في احتمال أن يصبح الملف اللبناني جزءاً من مساومات إقليمية أوسع، تتداخل فيها حسابات غزة وسورية والعلاقة الأميركية الإسرائيلية.
لكن لا يجوز الخلط بين احتمال الضغط الأميركي وبين وجود تسوية جاهزة، أو اعتبار كل تفاهم أميركي إسرائيلي مكسباً للبنان. فالمعيار الحقيقي سيكون في مضمون أي ترتيبات، والضمانات التي توفرها، ومدى انعكاسها على الاستقرار والسيادة والأمن.
وفي النهاية، يترك المقال سؤالاً استراتيجياً مفتوحاً: هل يستطيع ترامب تحويل دعمه لنتنياهو إلى نفوذ يدفع إسرائيل نحو ترتيبات إقليمية جديدة، أم أن الحسابات الداخلية الإسرائيلية ستظل قادرة على تعطيل أولويات واشنطن؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر أهمية من نتيجة الانتخابات نفسها، لأنها ستحدد إلى أي مدى ستنعكس التحولات السياسية في إسرائيل على مستقبل المنطقة، وخصوصاً لبنان.
وخلاصة القول: الانتخابات انتهت.. لكن معركة نتنياهو بدأت
تكشف المقالات الأربعة أن المشهد الإسرائيلي بعد الانتخابات لا يمكن اختصاره في أرقام المقاعد أو هوية المعسكر الذي تقدم على الآخر. فالمعركة انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات الحزبية مع مستقبل المؤسسات، وملف المحاسبة عن إخفاقات السابع من أكتوبر، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ومصير الملفات الإقليمية.
نداف إيال في «يديعوت أحرونوت» يحذر من تحويل نتائج الانتخابات إلى معركة على شرعيتها وتفسيرها، فيما ترى آنا بارسكي في «معاريف» أن خطاب نتنياهو الأمني وحديثه عن الوحدة يكشفان محاولته الحفاظ على المبادرة السياسية. أما عاموس هرئيل في «هآرتس»، فيضع المأزق الحكومي في سياق أوسع يتصل بمستقبل المحاسبة عن إخفاقات السابع من أكتوبر، بينما يلفت عيدان كوفلر في «واللا» إلى أن الدعم الأميركي قد لا يكون بلا ثمن، وأن نتنياهو قد يجد نفسه أمام مطالب تتصل بمستقبل غزة ولبنان وسورية.
وعلى الرغم من اختلاف زوايا المعالجة، فإن القاسم المشترك بينها هو أن مستقبل نتنياهو لن يتحدد فقط بقدرته على الحفاظ على موقعه داخل الليكود أو معسكر اليمين، بل بقدرته على تشكيل حكومة، وإدارة علاقته بواشنطن، والتعامل مع الاستحقاقات الأمنية والسياسية التي لا تزال تطارد حكومته.
أما بالنسبة إلى المنطقة، فإن أي تحول في العلاقة بين ترامب ونتنياهو، أو في حسابات الحكومة الإسرائيلية المقبلة، قد ينعكس على ملفات لبنان وغزة وسورية، لكن طبيعة هذا الانعكاس ستظل مرتبطة بمضمون القرارات والتفاهمات الفعلية، لا بمجرد المؤشرات والتوقعات.
السؤال الذي تتركه هذه القراءات مفتوحاً: هل يستطيع نتنياهو تحويل المأزق الانتخابي إلى فرصة جديدة للبقاء في السلطة، أم أن الضغوط الداخلية والاستحقاقات الأمنية والحسابات الأميركية ستفرض عليه أثماناً سياسية لم يعد قادراً على تجنبها؟
