مُفارقات التضامن مع السعودية


صحيفة الأخبار: بقلم
سعد الله مزرعاني

يتناول أديب إسماعيل محفوض في صحيفة «الأخبار» التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، واضعاً إياها في سياق ما يصفه بتآكل تدريجي لقواعد النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. ويناقش المقال تأثير تصاعد استخدام القوة والعقوبات والأدوات المالية والقانونية في إدارة الصراعات الدولية، وانعكاس ذلك على مبادئ السيادة وعدم التدخل وحظر استخدام القوة. وبين فنزويلا والشرق الأوسط والممرات البحرية والنظام المالي العالمي، يرسم الكاتب مساراً يربطه بتراجع الأحادية القطبية وصعود مؤشرات نظام دولي أكثر تعددية.

قراءة المقال:

ينطلق أديب إسماعيل محفوض من اعتبار أن الاضطرابات الدولية الراهنة لا تمثل مجرد أزمات متفرقة، بل تعكس، وفق قراءته، مرحلة انتقالية في بنية النظام العالمي. ويرى أن النظام الذي تأسس عام 1945 على قاعدة ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ السيادة والمساواة بين الدول يواجه اليوم اختباراً كبيراً نتيجة تصاعد استخدام القوة وأدوات الضغط السياسي والاقتصادي.

ويضع الكاتب السياسة الأميركية في صلب هذا التحول، معتبراً أن الولايات المتحدة انتقلت، بعد انتهاء الحرب الباردة، من موقع القيادة عبر المؤسسات والتحالفات إلى توظيف أدوات القوة والضغط بصورة أكثر مباشرة، وهو ما يراه محفوض عاملاً أساسياً في إضعاف القواعد التي قام عليها النظام الدولي.

وفي الحالة الفنزويلية، يستعرض المقال مجموعة من المحطات التي يعتبرها الكاتب نموذجاً على التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بدءاً من الاعتراف الأميركي بخوان غوايدو عام 2019، مروراً بقضية أليكس صعب، وصولاً إلى العملية العسكرية الأميركية التي يشير إليها المقال في عام 2026. ويستخدم الكاتب هذه الوقائع للقول إن التعامل مع سيادة الدول انتقل، في بعض الحالات، من أدوات الضغط السياسي والاقتصادي إلى التدخل المباشر.

خريطة الشرق الأوسط
خريطة الشرق الأوسط

أما في الشرق الأوسط، فيربط محفوض بين الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والدعم الأميركي لإسرائيل، والتصعيد في البحر الأحمر، والحرب على لبنان، ثم المواجهات الأميركية والإسرائيلية مع إيران. ويضع هذه التطورات ضمن مسار واحد يعتبره مؤشراً إلى تراجع الالتزام العملي بمبدأ حظر استخدام القوة، معتبراً أن اتساع رقعة المواجهات العسكرية يضع المؤسسات والقواعد الدولية أمام تحديات متزايدة.

ولا يكتفي المقال بالبعد العسكري، بل ينتقل إلى التداعيات الاقتصادية للتوترات الجيوسياسية، ولا سيما مع عسكرة الممرات البحرية الاستراتيجية. ويربط الكاتب اضطرابات الملاحة والتصعيد في مضيق هرمز بالتأثيرات التي يمكن أن تطال الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، مشيراً إلى أن الصراعات الجيوسياسية باتت تمتد بصورة مباشرة إلى حركة التجارة والاقتصاد العالمي.

وفي محور آخر، يناقش محفوض ما يصفه بـ«الحرب القانونية»، أي توظيف الأدوات القانونية والقضائية والمالية في الصراعات الدولية. ويرى أن العقوبات وتجميد الأصول والضغوط القانونية أصبحت جزءاً من أدوات الصراع بين الدول، وأن الانتقائية في تطبيق القواعد، بحسب رؤيته، تؤثر في الثقة بالمؤسسات الدولية وبمنظومة العدالة الدولية.

ويولي المقال أهمية خاصة للبعد المالي، من خلال تناول العقوبات واستخدام النظام المالي العالمي والدولار كأدوات للضغط السياسي. ويعتبر الكاتب أن توسيع نطاق العقوبات يدفع الدول المستهدفة والقوى الصاعدة إلى البحث عن بدائل مالية وتجارية، بما قد يساهم في تعزيز اتجاهات تقليص الاعتماد على النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

ومن هنا ينتقل المقال إلى الحديث عن التعددية القطبية، باعتبارها أحد المسارات التي يرى الكاتب أنها تتبلور نتيجة التحولات الحالية. ويستشهد في هذا السياق بمسار «بريكس» وتطوير آليات دفع بديلة وزيادة استخدام العملات المحلية، معتبراً أن الضغوط المالية والعقوبات يمكن أن تدفع القوى الصاعدة إلى بناء أدوات اقتصادية أكثر استقلالاً.

وفي الخلاصة، يقدّم محفوض رؤيته بأن العالم يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى الدولية، وأن استمرار استخدام القوة والعقوبات والضغط المالي قد يساهم، وفق تحليله، في تسريع التحول من نظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعددية. ويضع المقال في نهاية المطاف سؤالاً أساسياً حول مستقبل المؤسسات الدولية وقدرتها على استعادة دورها في تنظيم العلاقات بين الدول، وعلى أي أساس ستُبنى قواعد المرحلة المقبلة: القوة أم القانون، والهيمنة أم التوافق، والأحادية أم التعددية.

 

أطراف لبنانية متعدّدة إلى إعلان التضامن مع سلطات المملكة العربية السعودية
أطراف لبنانية متعدّدة إلى إعلان التضامن مع سلطات المملكة العربية السعودية

سارعت أطراف لبنانية متعدّدة إلى إعلان التضامن مع سلطات المملكة العربية السعودية في الجولة الحالية من صراعها مع فريق من اليمنيين: للسيطرة على كل اليمن كما كانت تطلعاتها دائماً. هذا التعدّد جعل التضامن وكأنه أمر بديهي. أي وكأن الفريق اليمني المذكور هو الذي بادر بالعدوان، أو كأنه هو الذي تدخّل ولا يزال في الشؤون الداخلية السعودية، أو كأن هذا الفريق هو طرف خارجي أجنبي ما يملي، مبدئياً، واجب الوقوف ضده تضامناً مع جهة شقيقة.

لا تتطابق كل هذه الحالات مع مشهد الصراع المتجدّد بين فريق من اليمنيين والقيادة السعودية. في بداية النزاع الداخلي بين الأطراف اليمنية (إثر تفريغ انتفاضة شباب اليمن عام 2011 من مضمونها الإصلاحي التغييري بدور سعودي نشيط)، كانت سلطات المملكة السعودية هي التي سارعت إلى التدخل في النزاع، بطبل وزمر، بذريعة «دعم الشرعية». الشرعية المذكورة كانت موضوع نزاع داخلي. كان الأحرى بالرياض أن تتدخل لتقريب وجهات النظر، أو لتجنب العنف والتصعيد. لم تفعل ذلك. شكّلت «تحالف دعم الشرعية» بقيادتها. نظّمت تدخلاً عسكرياً مباشراً. لعب ذلك «التحالف» دوراً بارزاً في استهداف فريق يمني لحساب فريق آخر موال. التدخل السعودي فاقم الأوضاع، وساهم في تأجيج وإدارة حرب أهلية بين اليمنيين. استمر الأمر على هذا النحو رغم انهيار «الشرعية» الشكلية القائمة واستبدال ممثليها الأساسيين بآخرين مُعيّنين من قبل الرياض، ومهجّرين إليها وإلى عدن مع عائلاتهم ومؤسساتهم.

الجهة اليمنية المُستهدفة
الجهة اليمنية المُستهدفة

أثبتت الجهة اليمنية المُستهدفة من قبل السعودية (أنصار الله) حيوية سياسية وعسكرية. تجلّى ذلك في السيطرة على العاصمة وأنحاء واسعة من البلاد. صمدت تلك الجهة في وجه هجمات «التحالف» وأتباعه في الداخل. تحوّلت في مرحلة لاحقة إلى الهجوم وتمكّنت من احتلال بعض النقاط الحدودية السعودية. تمكّنت أيضاً من قصف مواقع حيوية في المملكة. كانت الأمور تسير على هذا النحو حين اختارت قيادة المملكة سبيل التسوية بعد أن تزايدت خسائرها وتراجع عدد من المشاركين في «تحالفها»، وبعد أن عجزت واشنطن وممثلون دوليون منحازون عن تغيير معادلات راجحة باستمرار لمصلحة «أنصار الله» بقيادة السيد عبد الملك الحوثي.

بيد أن التسوية لم تتجاوز مسألة وقف إطلاق النار وبعض الأمور الإجرائية البسيطة الأخرى. التدخل السعودي استمر. وهو في مرحلة متأخرة، اصطدم بشريكه ومنافسه الإماراتي الذي كان يبحث عن نفوذ خاص به في الجنوب. حاول الفريق المدعوم من الإمارات التركيز على أولوية الانفصال. وقع تحت تأثير داعمه الإماراتي في ما يتعلق بموقع جنوب اليمن في الصراع الإقليمي، وخصوصاً مع العدو الصهيوني. قاد عيدروس الزبيدي ذلك الفريق، إلى التمدّد شمالاً على حساب النفوذ السعودي. دفع ذلك المملكة إلى التدخل العسكري وإلى هزيمة الزبيدي وهروبه إلى أبو ظبي.

منذ بدء الهجوم الإسرائيلي الهمجي على غزة برز موقف «أنصار الله» حازماً وشجاعاً وفاعلاً. حظروا السفن الإسرائيلية. اشتبكوا مع القطعات البحرية الأميركية. أطلقوا صواريخهم باتجاه تل أبيب وموانئ بحرية ومواقع عسكرية إسرائيلية أخرى… فرضوا على واشنطن تقليص تدخلها عبر اتفاق أعلنه الرئيس ترامب شخصياً…

لم تكن القيادة السعودية يوماً مرتاحة للدور اليمني وتحالفاته الإقليمية، ولا لتصليب وتعزيز مواقعه الداخلية، وهي لذلك قد سارعت إلى استغلال العدوان الأميركي/ الصهيوني على الجمهورية الإسلامية للضغط على صنعاء اعتقاداً منها بأن هذه الأخيرة قد باتت معزولة وضعيفة بعد الضربات المؤثرة التي أصابتها واستهدفت حلفاءها في إيران وسوريا ولبنان وفلسطين. باشرت الرياض التصعيد عبر استهداف مطار صنعاء لمنع عودة وفد قيادي يمني شارك في أربعين المرشد الشهيد السيد علي خامنئي. وشدّدت حصارها على الموانئ اليمنية المُدارة من قبل «أنصار الله»…

عموماً، لم تجر الرياح كما تشتهي السفن السعودية. واشنطن اضطرت إلى توقيع اتفاق مع إيران كان، في خلاصته، انتصاراً نسبياً لطهران، ما فرض على ترامب أن يتراجع عنه. صنعاء، من جهتها اعتمدت نفس النهج الإيراني حيال واشنطن وحلفائها. ردّت على الحصار السعودي بحصار على السعودية نفسها. تسارعت الأمور إثر ذلك. تمكّنت صنعاء من السيطرة الكاملة على الساحل الغربي اليمني على البحر الأحمر بما في ذلك مدينة «المخا» التاريخية ومضيق «باب المندب» الاستراتيجيان. الأخير ممر دولي يعبره نحو 10% من صادرات الطاقة العالمية ونحو 80% من النفط السعودي المُصدّر بعد أزمة «مضيق هرمز». في الأثناء، ردّت صنعاء على قصف الطيران السعودي بقصف مواقع سياسية واقتصادية مهمة في المملكة، وصولاً إلى جدّة… أمّا حلفاء وأتباع المملكة من اليمنيين، فقد قدّموا أداءً في غاية السوء والهشاشة: إلى درجة الاستسلام!

السعودية لم تكن يوماً طرفاً محايداً إزاء الأزمات اليمنية. هي الآن في ورطة تتزايد حدّتها بعد سيطرة صنعاء على مضيق باب المندب، ما حرمها من تصدير معظم نفطها بعد أن تفرّدت بتصديره عبر خط «شرق غرب»… هي الآن تبحث عن أطراف داعمة ولا تلقى الاستجابة المتوخاة من واشنطن وأطراف أخرى. الأحرى أن تعتمد الرياض سياسة حيادية وودّية، حيال كل الشعب اليمني، ما يجعلها حَكَماً لا طرفاً، وداعية سلام لا تصعيد.

في الشأن اللبناني، لن نناقش موقف القوى التي استمرت السعودية في تغذيتها من أجل الفتنة الداخلية. لن نتناول أيضاً موقف الفريق التنفيذي في السلطة والذي ساهمت، بتدخل سافر، في إيصاله إلى الحكم (أبو عمر الشهير!). السؤال هو للأطراف «الوسطية» التي أعلنت تضامنها دون تدقيق في المشهد وفي المسؤوليات. نستحضر، حكماً، استمرار التدخل السعودي في الشؤون الداخلية اللبنانية: في التعيينات والسياسات ومنع المساعدات… بما يعزّز الانقسام الداخلي اللبناني. نستحضر أيضاً التعسّف المتمادي في منع طرف لبناني وازن من ممارسة دوره السياسي الطبيعي في بلده، فيما يستمر حلفاؤه السابقون («السياديون» خصوصاً) في الصمت المريب حيال اضطهاده واستبعاده.

شاركها.