في تحول سياسي قد يعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، كشفت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية أن السعودية ناقشت مع حلفائها فكرة إبرام “ميثاق عدم اعتداء” بين دول المنطقة وإيران، في خطوة تعكس تغيراً عميقاً في مقاربة العواصم العربية والإسلامية تجاه مستقبل الصراع الإقليمي بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الأخيرة مع طهران.
وبحسب الصحيفة، فإن النقاشات السعودية لم تعد تقتصر على احتواء التصعيد العسكري فحسب، بل انتقلت إلى البحث عن صيغة استراتيجية طويلة الأمد لإدارة التوترات ومنع انفجار المنطقة مجدداً، وسط قناعة متزايدة بأن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة إعادة تشكيل شاملة لمنظومة الأمن والتحالفات.
المثير في الطرح السعودي، وفق “فاينانشال تايمز“، هو استلهامه نموذج “عملية هلسنكي” التي ساهمت خلال الحرب الباردة في تخفيف التوترات بين المعسكرين الشرقي والغربي في أوروبا، ما يوحي بأن الرياض تحاول الدفع نحو نموذج إقليمي جديد يقوم على “الردع المتبادل وضمانات عدم الانفجار” بدلاً من سياسة المحاور المفتوحة.
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسيين غربيين أن فكرة “ميثاق عدم الاعتداء” ستكون موضع ترحيب من معظم الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى إيران، خصوصاً بعد الأشهر الأخيرة التي شهدت تصعيداً غير مسبوق هزّ الاستقرار الإقليمي وأثار مخاوف واسعة من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
كما أشارت “فاينانشال تايمز” إلى أن الحرب الأخيرة خلقت شعوراً جديداً بالإلحاح لدى العواصم العربية والإسلامية لإعادة تقييم تحالفاتها التقليدية وبناء مقاربة أمنية أكثر استقلالية، بعيداً عن منطق المواجهات المفتوحة التي استنزفت المنطقة لعقود.
وفي السياق نفسه، أوضحت الصحيفة أن عدداً من العواصم الأوروبية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي أبدوا دعماً واضحاً للمبادرة السعودية، بل شجعوا بقية دول الخليج على الانخراط فيها، باعتبارها “أفضل فرصة لتجنب صراع مستقبلي” ومنح إيران ضمانات سياسية وأمنية بعدم تعرضها لهجمات جديدة.
ويرى مراقبون أن هذا الحراك يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الإقليمية والدولية بأن الشرق الأوسط دخل مرحلة مختلفة، عنوانها البحث عن “توازن ردع مستقر” بدلاً من المغامرات العسكرية المفتوحة، خاصة مع تصاعد المخاوف من انهيار شامل قد يهدد الاقتصاد العالمي والطاقة والممرات الاستراتيجية.
وبينما لم تصدر مواقف رسمية تفصيلية حتى الآن من الرياض أو طهران حول طبيعة هذا الطرح، فإن مجرد تداول فكرة “ميثاق عدم اعتداء” بهذا المستوى من الجدية يكشف أن المنطقة قد تكون أمام بداية مسار سياسي غير مسبوق، قد ينقل الشرق الأوسط من حافة الانفجار إلى مرحلة إعادة هندسة التوازنات الكبرى.
