موسكو ترفع سقف الموقف: لا لتقسيم سوريا… ورسائل سياسية مقابل تفاهمات عميقة
يارا حميرة
خاص مركز بيروت للأخبار
حملت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الدفاع إلى موسكو دلالات سياسية تتجاوز إطار المجاملات الدبلوماسية لتؤشر إلى مرحلة إعادة تثبيت الشراكة السورية – الروسية على أسس جديدة في ظل اشتداد الصراع على شكل الدولة السورية ومستقبل نفوذ القوى الدولية فيها.
موقف روسي حاسم: وحدة سوريا خط أحمر
إعلان موسكو الصريح رفض أي شكل من أشكال تقسيم سوريا لم يكن موقفاً إنشائياً أو تكراراً لثوابت قديمة بل جاء في توقيت بالغ الحساسية مع تصاعد الطروحات الغربية غير المعلنة حول اللامركزية الموسّعة، أو تكريس وقائع انفصالية بحكم الأمر الواقع في الشمال والشرق.
رسالة موسكو هنا مزدوجة:
أولاً: توجيه إنذار سياسي واضح للولايات المتحدة وحلفائها بأن روسيا لن تسمح بإعادة رسم الجغرافيا السورية.
ثانياً: طمأنة دمشق بأن الدعم الروسي لا يزال قائمًا في جوهره، رغم كل المتغيرات الإقليمية والدولية.
تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف حول وحدة الأراضي السورية تعكس إدراكاً روسياً بأن أي تفكك سوري سيعني ضربة مباشرة لمصالح موسكو الاستراتيجية في شرق المتوسط، ويقوّض صورة روسيا كضامن للدول الحليفة.
ما الذي قدّمته سوريا لروسيا؟
في المقابل يصعب فصل هذا الموقف الروسي المتقدم عن تفاهمات عملية يُرجح أن الوفد السوري حملها إلى موسكو ويمكن تلخيصها في ثلاثة مسارات رئيسية:
ضمان المصالح العسكرية الروسية
من المرجح أن دمشق جدّدت التزامها الكامل باستمرار الوجود العسكري الروسي وتأمين قواعده ومجاله الحيوي مع مرونة أكبر في الترتيبات الميدانية بما يراعي التوازنات الإقليمية الجديدة.
انفتاح اقتصادي منظّم
تشير المعطيات إلى أن سوريا عرضت توسيع الحضور الروسي في ملفات الطاقة، المرافئ والبنية التحتية ضمن صيغة شراكة طويلة الأمد تعوّض موسكو جزئياً عن خسائرها الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الغربية.
تنسيق سياسي أوسع
من المحتمل أن دمشق قدّمت التزامات بتنسيق أعمق في المسار السياسي، بما يسمح لموسكو بلعب دور أكبر في إدارة التوازنات مع الأطراف الإقليمية، خصوصاً في ملفات الشمال السوري والوجود الأميركي.
تصريحات الشيباني: خطاب محسوب ورسائل سيادية
تصريحات وزير الخارجية أسعد الشيباني من موسكو عكست نقلة في الخطاب السياسي السوري فهو لم يتحدث بلغة الاصطفاف الحاد بل بلغة “العلاقات المتوازنة”، في إشارة واضحة إلى أن دمشق تسعى لتوسيع هامش حركتها الدولية دون فك الارتباط مع حلفائها التقليديين.
لكن هذا الانفتاح، كما بدا من سياق الزيارة، لا يأتي على حساب الثوابت السيادية، بل ضمن معادلة تقول إن وحدة سوريا غير قابلة للتفاوض، وإن أي تعاون دولي يجب أن يمر عبر الدولة المركزية.
خلاصة المشهد
ما بعد زيارة موسكو ليس كما قبلها. فروسيا أعادت تثبيت خطوطها الحمراء في سوريا ودمشق في المقابل بعثت برسالة استعداد لتفاهمات أعمق شرط ألا تمس جوهر الدولة ووحدتها.
المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد إعادة تموضع سياسية لا تعني انقلاباً في التحالفات بل إعادة ضبطها في ظل سباق دولي محموم على سوريا ما بعد الحرب.
