من يحكم إسرائيل؟ سؤال يتصدر المشهد السياسي بعد انتخابات الكنيستالتي أفرزت توازنات معقدة، من دون أن تمنح أي معسكر طريقا واضحا لتشكيل الحكومة المقبلة. وبين تصدّر حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو، ومساعي خصومه لإبعاده عن السلطة، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية: تشكيل حكومة وحدة، أو التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة بديلة ولو انتقالية، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.
وتضع النتائج الأولية للعينات الانتخابية، رغم تحديثاتها الليلية، الأحزاب الإسرائيلية أمام اختبار صعب، يتمثل في تأمين أغلبية برلمانية من 61 عضو كنيست، من دون التنصل من التعهدات التي أطلقها قادتها خلال الحملة الانتخابية، خصوصًا بشأن التحالفات السياسية ومشاركة الأحزاب العربية في دعم الحكومة المقبلة.
أفرزت انتخابات الكنيست مشهدا سياسيا معقدا، إذ لم تُظهر العينات الانتخابية طريقا واضحا لتشكيل حكومة جديدة. ورغم تصدّر الليكود الأحزاب، فإن تقارب المعسكرين السياسيين وحجم التمثيل العربي يجعلان بنيامين نتنياهو وخصومه أمام معضلة مشتركة: كيفية بناء ائتلاف يحظى بالأغلبية البرلمانية اللازمة للحكم.
وتشير القراءات السياسية للنتائج الأولية إلى مسارين رئيسيين؛ أولهما محاولة نتنياهو استقطاب أحزاب أو نواب من المعسكر المناوئ له، وثانيهما سعي خصومه إلى التوصل إلى تفاهمات تسمح باستبداله، ولو من خلال حكومة انتقالية محدودة الأهداف.
وفي حال تعذر تحقيق أي من الخيارين، يبقى احتمال إجراء انتخابات جديدة قائما، بالتزامن مع استمرار الحكومة الانتقالية في إدارة شؤون البلاد.
السيناريو الأول: نتنياهو يسعى إلى استقطاب خصومه
السيناريو الأول: نتنياهو يسعى إلى استقطاب خصومه
يستند نتنياهو إلى تصدّر الليكود نتائج العينات الانتخابية، وإلى تفوق معسكر اليمين في بعض التقديرات، لتأكيد أحقيته بتشكيل الحكومة المقبلة. لكنه يواجه عقبة أساسية تتمثل في عدم ضمان أغلبية مستقرة من 61 عضو كنيست، ما قد يدفعه إلى محاولة استمالة أحزاب أو نواب من المعسكر المناوئ له.
ويفتح هذا المسار الباب أمام احتمال تشكيل حكومة وحدة أو ائتلاف موسّع برئاسة نتنياهو، إلا أن هذا الخيار يصطدم بتعهدات عدد من قادة الأحزاب بعدم المشاركة في حكومة يقودها.
فقد أكد غادي آيزنكوت أنه لن يجلس مع نتنياهو في الحكومة نفسها، واتخذ كل من نفتالي بينيت و أفيغدور ليبرمان موقفا مماثلًا، الأمر الذي يضيّق هامش المناورة أمام رئيس الحكومة.
وفي خطابه عقب صدور العينات، لم يوجّه نتنياهو دعوة صريحة إلى تشكيل حكومة وحدة، بل دعا «الأغلبية اليهودية والصهيونية» إلى الاستفاقة والتوحد، متحدثًا عن ضرورة تشكيل «حكومة يمين قومية وقوية»، من دون تقديم عرض واضح لشركائه المحتملين أو الإشارة إلى استعداده للتنازل عن رئاسة الحكومة.
أما استقطاب نواب منفردين من المعسكر المقابل، فيبقى مرتبطًا بالحجم النهائي للفجوة بين المعسكرين. فإذا احتاج نتنياهو إلى عدد كبير من النواب لتأمين الأغلبية، فلن يكون انتقال عضو أو اثنين كافيًا لتشكيل حكومة مستقرة.
وفي المقابل، فإن موافقة بعض خصومه على المشاركة في حكومة برئاسته قد تمنحه فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى السياسية، قبل التوجه إلى انتخابات جديدة يأمل من خلالها تحقيق أغلبية مستقلة عن شركائه الجدد.
السيناريو الثاني: حكومة بديلة لإبعاد نتنياهو
السيناريو الثاني: حكومة بديلة لإبعاد نتنياهو
في المقابل، يواجه غادي آيزنكوت وحلفاؤه اختبارا لا يقل تعقيدا، إذ يتطلب تحويل النتائج الانتخابية إلى تغيير حكومي التوصل إلى تفاهمات سياسية تتجاوز الاتفاق على معارضة نتنياهو.
وكان تشكيل حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت، تعتمد على دعم خارجي من الأحزاب العربية، أحد الخيارات التي طُرحت في ضوء العينات الأولى. غير أن التحديثات الليلية، التي أظهرت تحسن موقع معسكر نتنياهو في بعض التقديرات، جعلت هذا الاحتمال أكثر صعوبة.
وتزداد العقبات مع رفض ليبرمان تشكيل حكومة تعتمد على شبكة أمان توفرها الأحزاب العربية، إلى جانب الشروط التي وضعها آيزنكوت للمشاركة في الحكومة المقبلة، وفي مقدمتها إقرار قانون للخدمة العسكرية يسري على الجميع والاعتراف بيهودية الدولة.
وأمام هذه الخلافات، قد تتجه الأحزاب المناوئة لنتنياهو إلى البحث عن صيغة حكومية محدودة، يكون هدفها الأساسي استبداله في رئاسة الحكومة خلال مرحلة انتقالية، بدل الاتفاق منذ البداية على برنامج حكومي شامل وطويل الأمد.
وتبرز في هذا السياق أهمية السيطرة على الكنيست وموقع رئيسه، الذي يشغله حاليًا أمير أوحانا عن الليكود. فقد يسعى المعسكر المناوئ لنتنياهو إلى استبداله، والدفع نحو تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، باعتبار ذلك من الملفات التي قد تتيح التوصل إلى تفاهمات مشتركة، حتى في ظل استمرار الخلافات بشأن قضايا أخرى.
لكن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بنتائج الفرز النهائية، وقدرة قادة الأحزاب على الحفاظ على تماسك معسكرهم. فالاتفاق على منع استمرار نتنياهو في الحكم لا يعني بالضرورة وجود توافق على هوية رئيس الحكومة البديل أو تركيبة الائتلاف الذي سيقوده.
السيناريو الثالث: انتخابات جديدة وحسابات أمنية معقدة
إذا أخفق نتنياهو في استقطاب شركاء جدد، وفشل خصومه في تشكيل حكومة بديلة، فقد تعود إسرائيل إلى صناديق الاقتراع في انتخابات جديدة.
وكان آيزنكوت قد حذّر صراحة من هذا الاحتمال، معتبرا أن العودة إلى الانتخابات بعد مشاركة مرتفعة ستكون خطأ. وفي المقابل، قد يسعى الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ إلى دفع الأحزاب نحو تسوية تحول دون تكرار الانتخابات، لكن نجاح هذه الجهود سيعتمد على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات، وعلى وجود مرشح قادر على حشد الدعم البرلماني اللازم.
ولا تنفصل هذه الحسابات عن التطورات الأمنية والإقليمية، ولا سيما احتمالات تجدد الحرب على إيران. إذ تبرز مخاوف داخل المعسكر المناوئ لنتنياهو من أن يؤدي أي تطور أمني واسع إلى تعقيد محاولات استبداله، أو توفير مبرر للدعوة إلى تشكيل حكومة طوارئ.
وبذلك، لا يتوقف مستقبل الحكومة الإسرائيلية على عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب فحسب، بل يرتبط أيضًا بقدرة المعسكرات السياسية على تحويل نتائج الانتخابات إلى تحالفات قابلة للاستمرار، في ظل خلافات تتعلق بالأمن والهوية الوطنية ومشاركة الأحزاب العربية.
من يملك مفاتيح الحكومة الإسرائيلية؟
تكشف نتائج الانتخابات عن معادلة سياسية مفتوحة، لا يكفي فيها تصدّر الليكود لحسم هوية رئيس الحكومة المقبل. فنتنياهو يحتاج إلى شركاء يضمنون له الأغلبية، بينما يحتاج خصومه إلى تجاوز خلافاتهم بشأن شكل الحكومة البديلة وشروط تشكيلها.
وبين احتمال تشكيل حكومة وحدة، ومحاولة إقامة ائتلاف انتقالي لإبعاد نتنياهو، والعودة إلى الانتخابات، تبقى الكلمة الفصل لنتائج الفرز النهائية ومفاوضات تشكيل الحكومة.
وفي انتظار اتضاح موازين القوى داخل الكنيست، يظل السؤال الأساسي: هل يتمكن نتنياهو من تحويل تقدّم الليكود إلى أغلبية حاكمة، أم ينجح خصومه في بناء تحالف يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في إسرائيل؟