تحليل سياسي – خاص مركز بيروت للأخبار
بقلم: مبارك بيضون

في الشرق الأوسط، لا تكفي قراءة الأحداث من زاوية الحرب والسلاح والتحالفات السياسية. فخلف المشهد العسكري تقف الجغرافيا، والطاقة، وممرات النفط والغاز، وحسابات الدول الكبرى، لكن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية عن كل ذلك: الرأي العام.

فالدول تستطيع أن تخوض الحروب، والقيادات تستطيع أن تتخذ القرارات، لكن قدرتها على الاستمرار في أي مواجهة تبقى مرتبطة بقدرة المجتمع على تقبّل كلفتها، وبمدى اقتناعه بأن المعركة تخدم مصلحته أو قضية يؤمن بها.

وهنا تبرز أهمية ما ورد في عهد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى مالك الأشتر عندما ولاّه مصر، وهو من أبرز النصوص السياسية في التراث الإسلامي. يقول الإمام علي:

«وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمّها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة».

هذه العبارة ليست مجرد نص تاريخي، بل تحمل قاعدة سياسية شديدة الدلالة: الحاكم لا يستطيع أن يبني استقراراً دائماً على رضا الدائرة الضيقة المحيطة به إذا كان يخسر رضا المجتمع الأوسع.

ومن هنا يمكن قراءة جانب كبير من أزمات المنطقة.

إيران والسعودية… تفاهمات فوق أرض شديدة التعقيد

إيران والسعودية… تفاهمات فوق أرض شديدة التعقيد
إيران والسعودية… تفاهمات فوق أرض شديدة التعقيد

شهدت العلاقات الإيرانية ـ السعودية خلال السنوات الماضية محاولات لإعادة ترتيب العلاقة وتخفيف مستوى التوتر، في إطار تفاهمات إقليمية أوسع.

لكن المشكلة أن التفاهم بين الدول لا يعني بالضرورة أن كل الملفات الميدانية يمكن إغلاقها بالسرعة نفسها.

ويبرز اليمن هنا كأحد أكثر الملفات تعقيداً.

فالحوثيون، رغم الدعم الإيراني المعروف لهم، يملكون حساباتهم الداخلية الخاصة، ولديهم جمهور يقرأ الحرب من منظار يمني وفلسطيني في آن واحد.

وهذا يعني أن أي قرار بالحرب أو التصعيد لا يمكن تفسيره فقط باعتباره قراراً إيرانياً. فهناك بيئة شعبية يمنية، وهناك ذاكرة حرب طويلة مع السعودية، وهناك قضية فلسطين التي تحتل موقعاً مركزياً في الوجدان الشعبي.

وبالتالي، فإن قدرة القيادة اليمنية على اتخاذ قرار كبير تبقى مرتبطة أيضاً بالسؤال الأهم: هل يستطيع الشارع تحمّل هذا القرار؟

اليمن… ليست كل حرب حرباً إيرانية

اليمن… ليست كل حرب حرباً إيرانية
اليمن… ليست كل حرب حرباً إيرانية

من الخطأ اختزال الموقف اليمني في كونه مجرد انعكاس للموقف الإيراني.

إيران تقدم دعماً سياسياً وعسكرياً للحوثيين، وهذا جزء معروف من المعادلة الإقليمية، لكن الدعم شيء، واتخاذ القرار الداخلي شيء آخر.

فـ اليمني الذي عاش سنوات الحرب والحصار ينظر إلى الصراع من زاوية مختلفة. وعندما تكون القضية مرتبطة بفلسطين أو بالدفاع عن اليمن ورفع الحصار، يمكن أن يجد القرار العسكري قبولاً شعبياً أوسع.

أما عندما تصبح الحرب مرتبطة بحسابات لا يراها المجتمع اليمني مرتبطة مباشرة بمصلحته، فإن القيادة تصبح أمام امتحان أصعب.

وهنا تحديداً تظهر قيمة كلام الإمام علي: رضا العامة ليس تفصيلاً ثانوياً في الحكم، بل عنصر من عناصر القوة السياسية.

هرمز والنفط والغاز… الجغرافيا تفرض نفسها

هرمز والنفط والغاز… الجغرافيا تفرض نفسها
هرمز والنفط والغاز… الجغرافيا تفرض نفسها

من جهة أخرى، فإن الحديث عن الصراع الإقليمي لا يكتمل من دون التوقف عند الطاقة.

فـ مضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي، بل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وأي حديث عن فتح طرق بديلة لتصدير النفط بعيداً عن الخليج وهرمز يصطدم بعوامل كبيرة: البنية التحتية، خطوط الأنابيب، محطات التصدير، الزمن المطلوب لإنجاز المشاريع، والكلفة الاقتصادية.

لذلك، فإن إيجاد طريق بديل لا يعني بالضرورة أنه سيكون أكثر ربحية من الطرق الحالية.

أما الغاز، فقصته أكثر تعقيداً. فإنتاجه ونقله يحتاجان إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية مستقرة، كما أن خطوط الغاز تحتاج إلى بيئة أمنية وسياسية طويلة الأمد.

وهنا تدخل سوريا في الحسابات.

سوريا… الموقع الذي يتجاوز حدود الحرب

سوريا… الموقع الذي يتجاوز حدود الحرب
سوريا… الموقع الذي يتجاوز حدود الحرب

سوريا بحكم موقعها الجغرافي تقع عند تقاطع طرق مهمة بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا.

ولهذا السبب، أصبحت مشاريع الطاقة وممرات نقل الغاز جزءاً من النقاش حول أهمية سوريا الاستراتيجية.

لكن اختزال الحرب السورية في موضوع خطوط الغاز وحده سيكون تبسيطاً غير دقيق. فالأزمة السورية كانت نتيجة مجموعة واسعة من العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، بدأت باحتجاجات داخلية ثم تحولت إلى حرب مفتوحة دخلت إليها قوى إقليمية ودولية متعددة.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الطاقة والجغرافيا الاقتصادية كانتا جزءاً من البيئة الاستراتيجية التي جعلت سوريا ذات أهمية استثنائية للقوى المتصارعة.

فروسيا وإيران دولتان أساسيتان في سوق الطاقة، وأوروبا تمثل سوقاً ضخمة للغاز، وممرات التصدير يمكن أن تتحول إلى عنصر من عناصر القوة والنفوذ.

وهكذا يصبح الصراع على سوريا أكبر من حدودها.

لبنان… عندما تختلف القضية عن كلفتها

لبنان… عندما تختلف القضية عن كلفتها
لبنان… عندما تختلف القضية عن كلفتها

في لبنان، تظهر المسألة بصورة أكثر حساسية.

فالشارع لا ينظر إلى كل أشكال التدخل العسكري والسياسي بالطريقة نفسها.

هناك قضايا يمكن أن تحظى بتأييد واسع عندما يشعر الناس بأنها مرتبطة مباشرة بتحرير الأرض أو الدفاع عن الوطن.

لكن عندما ينتقل القرار إلى ساحات أخرى، أو تصبح كلفته البشرية والسياسية والاقتصادية مرتفعة، يبدأ السؤال داخل المجتمع: هل هذه الحرب تخدم قضيتنا المباشرة؟ وهل نحن مستعدون لتحمّل أثمانها؟

وهذا لا يعني أن موقف الشارع واحد أو أن المجتمع اللبناني متفق على رؤية واحدة. على العكس، لبنان مجتمع منقسم سياسياً، ولذلك فإن أي قرار استراتيجي كبير يحتاج إلى حساب دقيق لمواقف جمهوره وخصومه وحلفائه في آن واحد.

من سوريا إلى اليمن… الدرس واحد

من سوريا إلى اليمن… الدرس واحد
من سوريا إلى اليمن… الدرس واحد

ما يجمع بين سوريا واليمن ولبنان، رغم اختلاف الظروف جذرياً، هو أن القيادة لا تستطيع أن تفصل نفسها إلى ما لا نهاية عن البيئة الشعبية التي تحكمها أو تقودها.

قد تكون لدى القيادة حسابات استراتيجية بعيدة المدى.

وقد تكون لديها معلومات لا يملكها الجمهور.

وقد ترى أن قراراً معيناً ضروري لأمن الدولة أو لبقائها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح المسافة بين قرار القيادة وقناعة المجتمع واسعة جداً.

عندها تتحول القوة السياسية نفسها إلى عبء.

وهنا تعود أهمية عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر:

“فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة”.

إنها قاعدة سياسية تختصر تجربة طويلة في الحكم: لا يستطيع الحاكم أن يبني شرعية مستقرة على رضا الخاصة إذا كان يخسر رضا العامة.

الرأي العام قوة استراتيجية

الرأي العام قوة استراتيجية
الرأي العام قوة استراتيجية

الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد صراع بين إيران والولايات المتحدة، ولا مجرد منافسة إيرانية ـ سعودية، ولا مجرد حرب إسرائيلية ـ فلسطينية.

إنه شبكة متداخلة من الطاقة والجغرافيا والممرات البحرية والغاز والنفط والتحالفات والجيوش، وفوق كل ذلك المجتمعات التي تتحمل كلفة هذه الصراعات.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم أمام أي قيادة ليس فقط:

ماذا نستطيع أن نفعل؟

بل أيضاً:

ماذا يستطيع شعبنا أن يتحمل؟ وماذا يرى شعبنا أنه يستحق أن نحارب من أجله؟

فالقرار الذي لا يحظى بأي قبول شعبي قد ينجح عسكرياً في لحظة، لكنه يصبح أكثر هشاشة مع مرور الوقت.

أما القرار الذي يلتقي مع قناعة العامة ومصلحتهم، فإنه يمتلك قوة تتجاوز السلاح والمال والتحالفات.

وهذا ربما يكون أحد أكثر الدروس السياسية عمقاً في عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر: أن قوة الحاكم لا تُقاس فقط بما يملكه من أدوات، بل أيضاً بقدرته على كسب رضا الناس، لأن العامة في نهاية المطاف هم الذين يدفعون ثمن الحروب ويصنعون استمرارية الدول.

شاركها.