من الضاحية إلى حيفا.. هل تفرض إيران معادلة ردع جديدة على إسرائيل؟
في تطور يسلط الضوء على التحولات المتسارعة في قواعد الاشتباك الإقليمية، برز الهجوم الإيراني الأخير على “إسرائيل” بوصفه أكثر من مجرد رد عسكري على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت. فالمؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن طهران تسعى إلى ترسيخ معادلة ردع جديدة تربط أي استهداف إسرائيلي للضاحية بإمكانية تعرض العمق الإسرائيلي، ولا سيما منطقة حيفا والشمال، لرد مباشر من إيران.
لم يُنظر إلى الضربة الإيرانية الأخيرة باعتبارها خطوة انتقامية فحسب، أو رسالة دعم للمقاومة في لبنان، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم حدود المواجهة مع “إسرائيل”.
وتسعى طهران، وفق هذه المقاربة، إلى نقل المواجهة من إطارها اللبناني التقليدي إلى مستوى إقليمي أوسع، بحيث تصبح تكلفة أي عملية إسرائيلية ضد الضاحية الجنوبية أعلى وأكثر تعقيداً.
وتأتي هذه الرسالة في وقت كثفت فيه “إسرائيل” عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، خصوصاً في الجنوب والضاحية، مع الحرص على إبقاء التصعيد ضمن حدود مدروسة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
معادلة جديدة: الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي
معادلة جديدة: الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي
الرسالة الأبرز التي حملها الهجوم تتمثل في محاولة تثبيت مبدأ جديد مفاده أن استهداف الضاحية الجنوبية لم يعد شأناً لبنانياً محصوراً بردود فعل محلية، بل قد يستدعي رداً مباشراً من إيران نفسها.
وبذلك تسعى طهران إلى سحب جزء من قدرة “إسرائيل” على التحكم بإيقاع التصعيد، وإجبارها على احتساب تداعيات أي ضربة ضد الضاحية ضمن معادلة أوسع تشمل الأمن الإسرائيلي الداخلي.
ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تمثل تحولاً مهماً في مفهوم الردع، حيث تنتقل المعادلة من “الرد عبر الحلفاء” إلى احتمال “الرد المباشر”، ما يزيد من تعقيد الحسابات العسكرية والسياسية لدى جميع الأطراف.
لماذا حيفا؟
اختيار حيفا والشمال الإسرائيلي يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز البعد الجغرافي
يحمل اختيار حيفا والشمال الإسرائيلي دلالات استراتيجية تتجاوز البعد الجغرافي. فهذه المنطقة تضم بنى تحتية حيوية ومواقع عسكرية واقتصادية حساسة، كما أنها ترتبط بشكل مباشر بالجبهة اللبنانية.
لذلك، فإن إدخالها ضمن نطاق الرد الإيراني المحتمل يهدف إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن أي استهداف للضاحية الجنوبية قد ينعكس مباشرة على مناطق تعتبرها إسرائيل جزءاً من عمقها الاستراتيجي.
كما أن التركيز على الشمال الإسرائيلي يعزز الترابط بين الساحتين اللبنانية والإسرائيلية، ويجعل أي تصعيد على إحدى الجبهتين قابلاً للتمدد نحو مستويات إقليمية أوسع.
هل تنجح طهران في فرض قواعد اشتباك جديدة؟
يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بمدى قدرة إيران على تثبيت هذه المعادلة عملياً. فنجاح أي سياسة ردع لا يعتمد على إعلانها فقط، بل على اقتناع الطرف المقابل بجدية تنفيذها واستعداده لتحمل تبعاتها.
وفي حال تمكنت طهران من إقناع “إسرائيل” بأن استهداف الضاحية سيقود بالفعل إلى رد مباشر على مواقع حساسة داخل “إسرائيل”، فإن ذلك قد يفرض قيوداً جديدة على هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية.
أما إذا اعتبرت تل أبيب أن هذه الرسائل لا تشكل تغييراً جوهرياً في موازين الردع، فقد تستمر المواجهة ضمن وتيرتها الحالية مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة.
شهدت الأشهر الماضية تصاعداً ملحوظاً في التوتر بين إيران و”إسرائيل” على خلفية الحرب المستمرة في المنطقة، وتبادل الضربات والرسائل العسكرية المباشرة وغير المباشرة.
وفي ظل استمرار المواجهات على الجبهة اللبنانية، تزداد المخاوف من تحول الاشتباكات المحدودة إلى مواجهة إقليمية أوسع تشمل أطرافاً متعددة وساحات متشابكة مع اصرار نتنياهو على الحرب.