ما إن أُسدل الستار على معارك حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، عقب انسحاب قوات «الأسايش» الكردية منهما تحت وطأة ضغوط ومواجهات عنيفة شابتها انتهاكات جسيمة، حتى بدأت مؤشرات تصعيد جديدة تلوح في الأفق، وهذه المرّة في ريف حلب الشرقي، وتحديداً في منطقة دير حافر. هذا التعاقب السريع للأحداث يعكس إصرار أنقرة على المضي في مسار عسكري طويل الأمد يهدف إلى دفع «قوات سوريا الديمقراطية» شرقاً، ضمن مخطط قديم يتجدّد تنفيذه اليوم.
الهجوم على الحيَّين الكرديين سبقه حصار خانق استمر أشهراً، شمل منع إدخال المواد الأساسية، قبل أن تتدحرج الأوضاع إلى مواجهة عسكرية انتهت بخروج الأكراد نحو دير حافر، بوساطة وضغوط أميركية. وخلال تلك المعارك، تابعت تركيا التفاصيل عن كثب، ولا سيما أن قسماً أساسياً من القوات المهاجمة ينتمي إلى «الجيش الوطني» المدعوم منها، والذي بات شكلياً ضمن بنية وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية.
في المقابل، بدا الموقف الأميركي أقرب إلى دعم السلطات الانتقالية، رغم تأكيد واشنطن استمرار شراكتها مع «قسد». فقد شدّد المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس برّاك، على دعم بلاده لحكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، معتبراً المرحلة الراهنة «فرصة محورية» لبناء دولة سورية موحّدة، ومذكّراً بالتزام دمشق باتفاق دمج «قسد» ضمن المؤسسات الوطنية، بما يحفظ الحقوق الكردية. غير أن تحذيراته من أن أحداث حلب قد تمسّ جوهر هذا الاتفاق لم تُبدّد الغضب الكردي، الذي رأى في الموقف الأميركي انحيازاً غير مباشر ضده.
وبالتوازي مع هذا التوتر السياسي، أعلنت «هيئة العمليات» في الجيش الناشئ رفع حالة الاستنفار، بعد رصد تحركات عسكرية لـ«قسد» في محيط دير حافر، شملت نقل مقاتلين وعتاد متوسط وثقيل، وفق ما نقلته وكالة «سانا». وأكدت القوات الحكومية استعدادها لجميع السيناريوهات، في ظل ما وصفته بتحركات «غير معتادة» في المنطقة.
يتكامل هذا التصعيد الجديد مع ما سبقه في الشيخ مقصود والأشرفية، ليعكس نهجاً تركياً ثابتاً يهدف إلى تقويض «الإدارة الذاتية» الكردية. ورغم التراجعات الميدانية الأخيرة، لا يبدو هذا الهدف قريب التحقق، في ظل تصاعد النقاشات حول فدرلة سوريا، واستمرار عمليات الفرز الطائفي والعرقي التي تشهدها البلاد، حيث جرى دفع الدروز جنوباً، والعلويين غرباً، فيما يتعرّض الأكراد اليوم لضغوط متزايدة لدفعهم نحو الشرق.
