خاص مركز بيروت للأخبار

معركة الوعي: تفكيك السردية الإسرائيلية ودور النخب في مواجهتها

بقلم: د.فاطمة المقداد ، متخصصة بالشأن السياسي

تتجاوز الحرب في صورتها المعاصرة، حدود الميدان العسكري إلى المجال الذي تنتج فيه الجماعات السياسية معنى الأحداث، وتعرف فيه الضحية والجاني، وترسم فيه حدود الشرعية. وفي هذا المجال تحديدا تكتسب معركة الوعي التي يتحدث عنها نتنياهو باستمرار دلالتها السياسية. فالمعركة ليست مجرد مواجهة بين روايتين إعلاميتين، بل صراع على تفسير الوقائع وتحويلها إلى قبول سياسي وأخلاقي ومجتمعي.

حرص نتنياهو في خطاباته الأخيرة على الحديث عن “الحقيقة الإسرائيلية”، وعلى تقديم إسرائيل بوصفها الطرف الذي يخوض معركة دفاعية في مواجهة رواية مضللة فاستخدم منبر الأمم المتحدة للدفاع عن أفعال إسرائيل العسكرية ومواجهة ما وصفه بالمعلومات المضللة، في محاولة واضحة لإعادة تثبيت الإطار الذي تقرأ من خلاله الحرب.

في هذا السياق، لا يتعامل نتنياهو مع خطاباته بوصفها معارك إعلامية، بل يعتبرها جزءا من بنية الحرب الاستراتجية، فهو لا يكتفي بتبرير الأفعال العسكرية بعد وقوعها، وإنما يعمل على بناء إطار مسبق يجعل هذه الأفعال قابلة للفهم والقبول. ويمكن الرجوع هنا إلى أعمال ( روبرت إنتمن) التي تشير بأن القوة السياسية للخطاب والقدرة في إحداث تأثير لدى المتلقي لا تكمن فقط في المعلومات التي يقدمها وإنما في قدرته على إبراز عناصر معينة وتهميش عناصر أخرى، وهنا يمكن القول بأن إسرائيل لا تخوض حربا عسكرية منفصلة عن المجال السياسي والإعلامي وحتى النفسي، بل تحاول أن تجعل روايتها للحرب إطارا تقرأ داخله الوقائع كلها، فعندما تعرض العمليات العسكرية باعتبارها دفاعا، والإحتلال باعتباره ضرورة أمنية، والقصف باعتباره إستجابة للتهديد، فإن الهدف يكون بناء بيئة إدراكية تحمل المقاومة مسؤولية الحرب، ومن هنا تتجلى خطرة هذه الحرب الإدراكية.

 

ماذا عن لبنان

في لبنان، الذي لاطالما تميز بتنوعه الثقافي والسياسي، يتعرض اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى هجمات ممنهجة تهدف إلى بث الإحباط، وتثبيت الشعور بالعجز، وفصل الحواضن الشعبية عن قضاياها الوطنية، أمام هذا الخطر الوجودي، يبرز دور النخب اللبنانية من أكاديميين، وإعلاميين، وحقوقيين وغيرهم في خوض معركة الوعي لتفكيك أوهام التضليل، وإعادة ضبط البوصلة الجماعية.

تبدأ معركة الوعي باللغة، يستخدم الكيان اليوم قاموسا لغويا يحمل دلالات التفوق العسكري، ويخاطب بيئة المقاومة بعبارات الهزيمة ويضع الشروط ويلوم الضحية، وذلك لفصل المجتمع عن حقوقه المشروعة، هنا يأتي الدور المحوري للنخب في إعادة صياغة المصطلحات والمفاهيم، وتفكيك البروباغندا الغربية والإسرائيلية بصورة علمية، من خلال توضيح خلفية كل مفهوم ودلالته السياسية والقانونية، وتمنع تمرير المفردات الإسرائيلية باعتبارها أوصافا محايدة للواقع، فحين يسمى الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي المحتلة “وجودا أمنيا”، أو “سيطرة على مناطق متنازع عليها”، أو حين يوصف المستوطن بأنه ” مدني إسرائيلي”، بينما يقدم المقاوم بوصفه “إرهابيا”، فإن اللغة تكون قد رتبت المشهد قبل أن يبدأ النقاش حول الوقائع، وكذلك حين يقدم القصف الإسرائيلي باعتباره ” عملية عسكرية دفاعا عن النفس”، بينما يختزل الفعل المقاوم في مفهوم ” العنف”، فإننا لا نكون أمام اختلاف في المفردات، بل أمام إختلال في الحقائق نفسها.
لكن المعركة ليست في استبدال المصطلح بمصطلح آخر كما نحاول فعله اليوم، إنما المطلوب هو تحرير اللغة من الهيمنة السياسية وإعادتها إلى الوقائع، فعندما نقول “إحتلالا” يجب أن نملك المرجعية القانونية والتاريخية والسياسية، ونربط المصطلح بالقرارات والقواعد القانونية ذات الصلة، بهذه الطريقة يتحول المصطلح من شعار إلى مفهوم قابل لترسيخه أكاديميا وقانونيا وإعلاميا.

حروب الاصطلاحات

من هنا، فإن معركة المصطلح تحتاج إلى مؤسسات لا إلى ردود فعل فردية، معاجم سياسية وإعلامية، أدلة إصطلاحية للصحفيين والباحثين، قواعد بيانات لتحليل الخطاب الإسرائيلي، ومراكز تتابع انتقال المصطلحات من الخطاب السياسي إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، فالهدف ليس التركيز على المصطلح نفسه، إنما اكتشاف اللحظة التي ينتقل فيها المصطلح من كونه جزءا من الرواية الإسرائيلية إلى كونه مفردة تستخدم باعتبارها وصفا طبيعيا للواقع. عند تلك النقطة تحديدا، تكون معركة الوعي قد انتقلت من الميدان السياسي إلى بنية الإدراك نفسها. إن استعادة السيطرة على المصطلح ليست تفصيلا في المشروع الإعلامي للمقاومة، إنما هي أحد شروط بناء وعي سياسي قادر على إعادة تعريف الإحتلال، وتطبيع مفرداته، وهذا الفرز المعرفي يحرم العدو من إحتكار روايته وفرض مبرراته.
وهنا تبرز ضرورة إمتلاك البيانات لا الإكتفاء بالتعليق عليها، فالجهة المقابلة تنتج كما هائلا من البيانات والدراسات والخرائط المتعلقة بالمنطقة والعالم، فالإكتفاء بما ينتجه الطرف الآخر ثم تفنيده، يبقيه في موقع تحديد جدول المعرفة، لذلك ينبغي على الباحثين والمتخصصين إنشاء قواعد بيانات متخصصة بحيث يصبح الباحث قادرا على إنتاج المؤشرات والخرائط والدراسات بدلا من أن يستمد مادته الأساسية دائما من المؤسسات الخارجية.

تحتاج الرواية المعرفية كذلك إلى التفسير الصارم بين الحقيقة والموقف، وهذه نقطة شديدة الاهمية في معركة الوعي، فبعض التحليلات السياسية تفتقر إلى الحجة والحقائق والأدلة، فتعرض الإستنتاجات باعتبارها حقائق قطعية، فهناك فرق كبير بين تحليل الحدث من موقع معين وبين تفسير دوافعه، والحكم على نتائجه. فعندما تحافظ النخب على هذا الفصل تصبح أكثر قدرة على مخاطبة جمهور أوسع وإقناعه.
لمواجهة هذه المعركة أهمية كبرى، وثمة خطوات أخرى يجب التطرق إليها أيضا تتصل بالأمن المعرفي، والإختراق الرقمي، وكذلك الحرب النفسية، وبناء الذاكرة الجماعية، وحماية الأجيال الجديدة من عمليات التضليل وإعادة تشكيل الإدراك، وهي قضايا تحتاج كل واحدة منها إلى دراسة مستقلة تتجاوز ما تسمح به هذه السطور. لكن الثابت بأن مواجهة المشروع الإسرائيلي تحتاج إلى مشروع تتكامل فيه الجهود السياسية والأكاديمية والإعلامية والثقافية، بحيث يصبح الوعي جزءا من منظومة الحماية الإستراتجية للمجتمع، ومن يترك هذه المساحة فارغة، يترك للعدو مهمة السيطرة عليها.

 

شاركها.