نحن اليوم أمام حالة انقسام حقيقية في لبنان حول مسألة السلاح ودوره وجدواه. فجزء من اللبنانيين لم يعد مقتنعًا بأن هذا السلاح يحقق فائدة فعلية، أو أنه قادر أصلًا على منع الاعتداءات المتكررة. والسؤال الجوهري المطروح:
هل هذا السلاح نجح في منع العدوان؟ أم أنه أدخل لبنان في عمق المواجهة ووسّع دائرة الاستهداف؟
لا يمكن إنكار أن هناك عدوانًا يوميًا، وأن إسرائيل هي عدو محتل، وهذه نقطة خلاف عليها شبه معدومة. لكن الإشكالية تكمن في النتائج: لو كان السلاح قادرًا فعلًا على منع العدوان أو وقفه، لكان الواقع مختلفًا اليوم. هذا هو جوهر النقاش، بعيدًا عن الشعارات.
التجربة التاريخية تُظهر أن المقاومة، منذ عام 2006 وحتى عام 2023، استطاعت أن تفرض معادلة ردع معينة، في ظل موازين قوى مختلفة عن اليوم. لكن هذا لا يعني أن أي جولة مواجهة لاحقة يجب أن تُقرأ بالمنطق نفسه. فعدم تحقيق انتصار حاسم في جولة معينة لا يعني الاستسلام، كما أن خوض المعارك لا يكون بمنطق العاطفة، بل بقراءة دقيقة للوقائع والمتغيرات.
اليوم، ما نشهده ليس “معركة أخيرة”، بل تحوّل في طبيعة الصراع. هناك مواجهات حصلت وحققت فيها أطراف معينة نجاحات تكتيكية، لكنها فشلت في تحويلها إلى إنجازات استراتيجية شاملة، لا في غزة، ولا في لبنان، ولا في اليمن، ولا حتى على مستوى الإقليم. في المقابل، تحاول الولايات المتحدة، بوصفها الداعم الأساسي لإسرائيل، استثمار هذه الوقائع عبر ضغط سياسي مكثف، موازيًا للعمل العسكري، لفرض مسارات سياسية تخدم مصالحها.
من هنا، الخطورة تكمن في عدم قراءة المشهد كما هو، والاستمرار في ترويج خطاب يوحي بأن كل شيء على ما يرام، وأن محور المقاومة يحقق انتصارات حاسمة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. المطلوب اليوم نقاش عقلاني ووطني، يعترف بالإنجازات حيث وجدت، ويقرّ بالإخفاقات حيث حصلت، ويضع مصلحة لبنان أولًا، بعيدًا عن الإنكار أو المبالغة.
