مبارك بيضون: صمود بيئة المقاومة أفشل الرهان الأمريكي والإسرائيلي
أكد مبارك بيضون، مدير مركز بيروت للأخبار، أن صمود البيئة الحاضنة للمقاومة في لبنان وإيران شكّل عاملاً أساسياً في إفشال الرهانات الأمريكية والإسرائيلية، مشدداً على أن المواجهة الحالية لا يمكن فهمها من خلال العامل العسكري وحده، بل من خلال البيئة الشعبية والسياسية والاجتماعية التي تشكل عنصراً أساسياً في قدرة المقاومة على الاستمرار والصمود.
وقال بيضون، خلال حديث تلفزيوني، إن المقاومة استعادت حضورها، معتبراً أن جزءاً أساسياً من هذا الحضور يتمثل في الصمود، إلى جانب قدرة البيئة المحيطة بها على الاستمرار في دعمها رغم الضغوط والتضحيات.
وأشار إلى أن حالة الصمت التي تتخذها المقاومة في بعض المراحل تثير قلقاً لدى الجانب الإسرائيلي، الذي يطرح أسئلة حول أسباب عدم الرد، وما الذي يمكن أن تقوم به المقاومة، معتبراً أن هذا الأمر قد يكون جزءاً من تكتيك تستخدمه المقاومة في إدارة المواجهة.
وأوضح أن صلابة المقاومة لا تنفصل عن بيئتها الشعبية، قائلًا إن هذه البيئة المتضامنة والحاشدة تشكل عاملاً أساسياً في قدرة المقاومة على الصبر والوصول إلى ما تريد، وعلى الأقل تحقيق الصمود والتصدي في المراحل المتكررة من المواجهة.
وفي معرض حديثه عن سبب تركيز الولايات المتحدة على البيئة الشيعية وبيئة المقاومة في لبنان، قال بيضون إن هذه البيئة هي جزء أساسي من المجتمع اللبناني، وتشكل حاضنة اجتماعية وسياسية للمقاومة.
وتوقف عند التحركات الأمريكية في لبنان، مشيراً إلى تنقل السفير الأمريكي بين مواقع وشخصيات سياسية ودينية، ومن بينها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وقبل ذلك لقاؤه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.
وبحسب بيضون، فإن موقف الرئيس بري واضح، ويتمثل في المطالبة بوقف إطلاق النار والانسحابات، ولا توجد لديه، وفق توصيفه، أمور يمكن أن يقدمها للجانب الأمريكي خارج هذا الإطار.
وأضاف أن الأمريكي يحاول، عبر الاتصالات والرسائل التي ينقلها إلى الصحفيين، تقديم رواية مفادها أن المشكلة الأساسية تكمن في حزب الله، وأن هناك استعدادًا للتفاهم في حال تقديم صيغة أو بيان يمكن البناء عليه.
ورأى بيضون أن هذا المسار يمثل محاولة لدفع لبنان نحو نوع من التراجع أو التنازل في اتجاهات مختلفة، معتبرًا أن إدخال السلطة اللبنانية في مفاوضات مباشرة أمر مرفوض، بحسب تقديره، من جزء كبير من المجتمع اللبناني سياسيًا واجتماعيًا.
محاولة فصل المقاومة عن السلطة السياسية
وقال مدير مركز بيروت للأخبار إن إسرائيل تسعى، إلى إحداث انشقاق داخلي، وخلق حالة من التفرقة بين السلطة السياسية والمقاومة، وصولًا إلى عزل المقاومة عن الحركة السياسية اللبنانية.
وربط بيضون ذلك بما وصفه محاولات دفع الحكومة اللبنانية إلى تحييد المقاومة ورفع الغطاء السياسي عنها، معتبراً أن هذه المحاولات لم تحقق الهدف الإسرائيلي المطلوب.
وأضاف أن محاولات متعددة جرت لتوريط الحكومة اللبنانية والداخل اللبناني من خلال وعود وضغوط سياسية، وصولاً إلى طرح ملفات مرتبطة بعمل المقاومة وانتشار الجيش اللبناني.
وأوضح أن بعض الخطط التي طُرحت لم تلقَ، بحسب تعبيره، تجاوباً من الجانب الإسرائيلي، مشيراً إلى أن الجيش اللبناني دخل بعض المواقع ثم اضطر إلى التراجع بعد تعرضه لضربات وسقوط شهداء.
كما أشار إلى وجود محاولات لدخول منشآت، وإلى طلب تفجير أسلحة داخل بعض المواقع، موضحاً أنه يتحدث عن المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وليس شماله.
القرار 1701 والجنوب اللبناني
وأوضح بيضون أن حزب الله، وفق قراءته، لا يريد إظهار طبيعة عمله أو الدخول في نقاش حول وجوده شمال النهر، لأن هذا الملف، بحسب ما قال، خارج أي اتفاق أُبرم في الجنوب.
وفي المقابل، أشار إلى أن الاتفاق المرتبط بجنوب النهر جرى ضمن آلية دولية وبمشاركة لجنة الميكانيزم، وتحت مظلة الأمم المتحدة من خلال القرار 1701، معتبراً أن إسرائيل لم تلتزم بهذا الاتفاق، وأن الوضع بقي على حاله حتى اليوم.
إيران.. الرهان على انهيار النظام يصطدم بالصمود الشعبي
إيران.. الرهان على انهيار النظام يصطدم بالصمود الشعبي
وانتقل مبارك بيضون إلى الحديث عن إيران، مشيراً إلى أن التطورات وصلت إلى نقاط النفوذ الاستراتيجية والعسكرية داخل الجمهورية الإسلامية.
وقال إن كثيرين اعتقدوا أن إيران انتهت، وأن النظام سيتغير نتيجة الضربات التي تعرضت لها واستهداف عدد من القيادات، إلا أن ما ظهر على الأرض كان مختلفاً، بحسب وصفه.
ولفت إلى التحشيد الشعبي الكبير الذي شهدته إيران، والذي ظهر، وفق حديثه، بالملايين في المدن والقرى، معتبراً أن شد العصب القومي كان حاضراً بقوة في تلك المرحلة الصعبة.
وأوضح أن القادة الذين تولوا المسؤوليات بعد استشهاد عدد من القيادات استطاعوا احتواء المرحلة من خلال صمود الشعب، مؤكداً أن هذا الصمود كان من العوامل الأساسية التي حالت دون انهيار النظام وفق الرهان الأمريكي والإسرائيلي.
وقال بيضون إن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تراهنان على أن الشعب الإيراني سينتفض ضد النظام بعد سنوات طويلة من الحصار الاقتصادي والضغط، ولا سيما بعد الضربات واستشهاد القيادة العليا.
لكنه أشار إلى أن هذه الحسابات لم تتحقق، وأن الولايات المتحدة لم تستطع تغيير النظام، كما لم تنجح، بحسب قوله، في الاعتماد على مجموعات صغيرة أو أقليات داخل إيران.
وأضاف أن حالة التضامن الشعبي الواسعة حالت دون إخراج المجتمع الإيراني من هذا الإطار، معتبراً أن صمود الشعب الإيراني كان عاملاً أساسياً في احتواء المرحلة.
التحشيد الشعبي في إيران وتماسك المجتمع
وأشار بيضون إلى مشاهد التحشيد الشعبي التي ظهرت خلال فترات التهديد بالقصف، موضحاً أن الناس كانت تخرج إلى الشوارع وتتجمع في بعض المناطق والجسور في تحدٍّ للتهديدات.
واعتبر أن الولايات المتحدة لم تستطع الوصول إلى هدفها المتمثل في تقليب المزاج الإيراني الداخلي ضد الحكم والنظام.
وربط بيضون هذه الحالة بما وصفه بالقومية، معتبراً أن الاجتماع الشعبي الواسع لا يرتبط بالدول وحدها، بل يمكن أن يتجاوز حدود الدول والأسماء، ويتحول إلى عامل جامع بين الشعوب.
وأشار في هذا السياق إلى مفهوم القومية العربية وتجارب تاريخية مثل تجربة جمال عبد الناصر، معتبراً أن مفهوم القومية بهذا المعنى أوسع من الحدود السياسية، ويمكن أن يؤدي إلى مزيد من التقارب بين الشعوب العربية والإسلامية في المنطقة.
مبارك بيضون: المفاوضات مع إيران تواجه استعصاءً سياسيًا
مبارك بيضون: المفاوضات مع إيران تواجه استعصاءً سياسيًا
وفي الملف الاقتصادي والسياسي، قال بيضون إن الجمهورية الإسلامية تواجه تضييقاً اقتصادياً تحاول الولايات المتحدة استخدامه للضغط على النظام الإيراني ودفعه نحو التراجع أو الاستسلام وفق شروط مختلفة.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود استعصاء سياسي على مستوى المفاوضات، معتبراً أن مسار التفاوض أصبح، وفق تعبيره، قريباً من التوقف.
وتحدث عن أدوار الوساطة التي قامت بها باكستان وسلطنة عمان وقطر، مشيراً إلى أن هذه الأطراف حاولت الوصول إلى ترتيبات تسمح بالعودة إلى طاولة المفاوضات.
إلا أن بيضون رأى أن إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على زيادة الضغط على إيران وخنقها اقتصادياً وسياسياً أدى إلى فشل محاولات متعددة للوصول إلى تسوية.
وأضاف أن من أبرز الملفات المرتبطة بهذه المواجهة مضيق هرمز، لافتاً إلى محاولات أمريكية لإيجاد ممرات خاصة لمرور السفن الأمريكية التي تحمل النفط.
وأكد بيضون، أن تطورات الممر البحري جعلت إيران قادرة على ممارسة ضغط كبير على المدخل الأساسي للمضيق، موضحاً أن هذا الأمر دخل في صلب المعادلة العسكرية والاقتصادية للمواجهة.
مضيق هرمز.. من المعركة العسكرية إلى الاقتصاد العالمي
ورأى بيضون أن المواجهة لم تعد محصورة في تبادل الصواريخ، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالمنشآت الحيوية وحركة السفن والطاقة والتجارة العالمية.
وأشار إلى أن هناك فارقًا، بين طبيعة الأهداف التي تقول إيران إنها تستهدفها وبين الأهداف التي يتحدث عنها في الجانب الأمريكي.
كما أشار إلى ما وصفه باستهداف سفينة حاملة طائرات بصاروخ كروز يبلغ مداه 450 كيلومترًا، معتبرًا أن استخدام هذا النوع من الصواريخ شكّل، بحسب تقديره، عنصر مفاجأة للولايات المتحدة.
وشدد على أن استهداف المدنيين يمثل تجاوزًا للخطوط الحمر، رابطًا ذلك أيضًا بما وصفه باستهداف المدارس والقرى والبلدات داخل إيران.
وفي المقابل، قال إن إيران، بحسب ما يراه، اقتصرت عملياتها حتى تلك المرحلة على القواعد العسكرية والبوارج التي تمر في مضيق هرمز.
هل أصبحت الحرب إعلان انتصار لإيران؟
وفي سياق الحديث عن تصريح المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني حول انتهاء الحرب المفروضة مع القوى الكبرى، واعتبار أن الحرب نقلت الأضرار الاستراتيجية مباشرة إلى الولايات المتحدة وأثرت في معادلاتها الأمنية والاقتصادية، أكد بيضون بأن الاعتراف بالعجز عن تحقيق الأهداف الأساسية الأمريكية ضد إيران سيكون مؤشراً بالغ الأهمية، مشيراً إلى أن الأهداف التي تحدث عنها تشمل الإطباق على إيران وإنهاء قدرتها والسيطرة على مضيق هرمز.
واعتبر أن عدم قدرة الولايات المتحدة على تحقيق هذه الأهداف، مقابل ارتفاع المخاطر التي تطال التجارة العالمية والاقتصاد الأمريكي، يمكن أن يعكس تغيراً في طبيعة المعادلة.
وأشار كذلك إلى أن أصواتاً بدأت، تتعالى داخل الولايات المتحدة نفسها، وليس فقط من جانب المعارضين، بل أيضاً داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب.
وتحدث عن خلافات داخل الكونغرس ومجلس الشيوخ بشأن كلفة الحرب والتمويل المطلوب لها، معتبراً أن ظهور هذه الخلافات إلى العلن يعكس، من وجهة نظره، وجود أزمة داخل الإدارة الأمريكية.
النفط والمحروقات.. تداعيات الحرب تتجاوز الجبهات
وتطرق بيضون إلى ملف الطاقة، معتبراً أن الحرب لا تؤثر في الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى النفط والبنزين والأسعار وحركة الأسواق.
وأشار إلى الضغوط التي يمكن أن يفرضها مضيق هرمز على حركة التجارة العالمية، مشيراً إلى أن استمرار الضغط على هذا الممر الاستراتيجي ينعكس بصورة مباشرة على مختلف الدول.
ورأى أن التداعيات الاقتصادية قد تتحول إلى عامل ضغط على الولايات المتحدة نفسها، خصوصًا في ظل تراجع الاحتياطيات النفطية وارتفاع أسعار المحروقات، وفق الأرقام التي أوردها خلال المقابلة.
وأضاف أن تأثير مضيق هرمز لم يعد مسألة إيرانية أو خليجية فقط، بل أصبح قضية مرتبطة بحركة التجارة العالمية والطاقة والاقتصاد الدولي.
اصطفافات إقليمية جديدة وممرات بحرية استراتيجية
ورأى بيضون أن الحرب أدت أيضاً إلى خلق خلافات داخلية في المنطقة وظهور اصطفافات جديدة، متحدثاً عن تكتلات تضم تركيا وباكستان والسعودية، إلى جانب تكتلات أوروبية.
وأشار إلى أن إيران تمتلك، وفق رؤيته، خيارات متعددة عبر الممرات البحرية، وأن العلاقة مع الصين تشكل أحد عناصر هذه المعادلة.
كما تحدث عن التطورات في البحر الأحمر وباب المندب، مشيراً إلى ما وصفه بسيطرة أنصار الله على نقاط استراتيجية تطل على البحر وباب المندب.
واعتبر أن هذه النقاط تكتسب أهمية كبيرة بسبب موقعها الاستراتيجي، وربطها بالتطورات التي يشهدها الإقليم وبالمواجهة بين السعودية واليمن.
وقال إن الولايات المتحدة لم تعد، قادرة على التصرف بأحادية كما كانت تفعل في السابق.
مبارك بيضون: محاولة إنهاء المقاومة مستمرة منذ سنوات
وأكد مدير مركز بيروت للأخبار أن محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل لإنهاء المقاومة في المنطقة ليست جديدة، بل تمتد، بحسب وصفه، على مدى سنوات.
وعاد إلى التأكيد على أن العامل الأهم في استمرار المقاومة هو البيئة الحاضنة، مشددًا على أن هذه البيئة تمثل «شد العصب الأساسي» للمقاومة.
ورأى أن التجربة الإيرانية تقدم نموذجًا على قدرة البيئة الشعبية على الاستمرار رغم المعاناة والتضحيات، معتبرًا أن التجربة اللبنانية تحمل عناصر مشابهة.
وقال إن التضحيات في لبنان كبيرة، لكن البيئة الشعبية، لم تقبل بالاستسلام أو الخضوع، معتبرًا أن هذا الأمر ينعكس أيضًا على النقاش السياسي الداخلي اللبناني.
المفاوضات اللبنانية وتجربة عام 2006
وفي حديثه عن المفاوضات داخل لبنان، أشار بيضون إلى وجود نقاشات وتباينات داخل الحكومة اللبنانية حول ملف المفاوضات وما نتج عنها.
وتطرق إلى وزير الثقافة طارق متري، مستعيدًا تجربة عام 2006، عندما شارك متري في مفاوضات مرتبطة بوقف إطلاق النار.
وقال بيضون إنه التقى متري في مكتبه خلال تلك المرحلة، وإن متري كان يجمع صورًا ووثائق لعرضها أمام الأمم المتحدة وتوثيق ما وصفه بجرائم الحرب الإسرائيلية.
وأكد أن مسألة الداخل اللبناني مهمة جدًا في أي مواجهة، معتبرًا أن التجربة السابقة يجب أن تكون حاضرة في قراءة المفاوضات الحالية.
مبارك بيضون: ماذا يأخذ لبنان من المفاوضات؟
وانتقد بيضون الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من دون وجود مكاسب مقابلة، متسائلًا عن الهدف من التفاوض إذا كان طرف واحد يقدم التنازلات بينما يحصل الطرف الآخر على ما يريد.
وقال إن التفاوض، في مفهومه، يفترض أن يقوم على الأخذ والعطاء، معتبرًا أن تقديم تنازلات من دون الحصول على مقابل يحول المفاوضات إلى مسار أحادي الجانب.
كما رأى أن إسرائيل تسعى من خلال المفاوضات، بحسب تقديره، إلى استخدام لبنان والسلطة السياسية كواجهة أمام المجتمع الدولي، وليس بالضرورة إلى الوصول إلى تسوية تحقق مصلحة لبنان.
وشدد على أن التجربة التاريخية مع إسرائيل في لبنان يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم أي مسار تفاوضي جديد.
تجربة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982
واستعاد بيضون أحداث الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، معتبرًا أن التجربة التاريخية أظهرت، بحسب رأيه، أن إسرائيل لم تميز بين الطوائف اللبنانية عندما اتخذت قرار الحرب والاعتداء.
وأشار إلى مجازر وأحداث وقعت في مناطق متعددة من لبنان، من الجنوب إلى الجبل والمتن، معتبرًا أن التاريخ اللبناني يقدم تجارب يجب عدم تجاهلها عند الحديث عن طبيعة العلاقة مع إسرائيل.
ورفض بيضون الصورة التي يمكن أن تقدم إسرائيل باعتبارها طرفًا يسعى إلى السلام، مشيرًا إلى أن التجارب السابقة، من وجهة نظره، تناقض هذه الصورة.