بيان من عائلة آل سعدو يجدد قضية إشكال قديم بين الأحباش وتيار المستقبل
ما الذي تبدّل: المقاومة أم معنى السيادة؟
صحيفة الأخبار
في مقال من أسرة «الأخبار»، تفتح المقالة نقاشاً يتجاوز السجال اللبناني التقليدي حول سلاح المقاومة، لتضع مفهوم السيادة نفسه تحت المجهر: هل تغيّر موقع المقاومة من الصراع، أم أن تعريف السيادة في لبنان والمنطقة هو الذي تبدّل تبعاً لتحولات الاصطفافات السياسية والإقليمية؟ وتنطلق المقالة من مفارقة أساسية تتمثل في اختزال السيادة اليوم بحصرية السلاح وإنهاء المقاومة وإخراج لبنان من المحور الإيراني، فيما يجري التعامل مع العلاقة بالولايات المتحدة والشرعية الدولية باعتبارهما جزءاً من استعادة السيادة.
وتحاول المقالة استعادة محطات من التاريخ اللبناني والعربي لإثبات أن الربط بين المقاومة وإيران ليس حقيقة ثابتة أو أزلية، مشيرة إلى أن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي سبقت قيام حزب الله والثورة الإسلامية في إيران، وأن قوى لبنانية وعربية مختلفة شاركت في مواجهة الاحتلال، كما أن دولاً عربية كانت في مراحل معينة على خصومة شديدة مع إيران، لكنها في الوقت نفسه دعمت المقاومة اللبنانية واعتبرتها حقاً مشروعاً في مواجهة الاحتلال.
هل السيادة تعني فقط احتكار الدولة للسلاح
الفكرة المركزية في المقالة تقوم على إعادة طرح السؤال من أساسه: هل السيادة تعني فقط احتكار الدولة للسلاح، أم أنها تعني قبل ذلك قدرة الدولة على حماية أرضها ومنع العدو من فرض إرادته عليها؟ ومن هنا تنتقل المقالة من النقاش حول السلاح إلى النقاش حول تعريف السيادة نفسها، معتبرة أن حصرها في مسألة نزع سلاح المقاومة يؤدي إلى إغفال العامل الأساسي الذي حكم تاريخ لبنان الحديث، أي الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
وبرز ذلك بوضوح في أزمة عام 1958 والتدخل العسكري الأميركي في بيروت.
وتستخدم المقالة التاريخ كدليل على أن معادلة «المقاومة = إيران» لم تكن دائماً قائمة. فقبل وجود حزب الله أو الجمهورية الإسلامية، كان لبنان يعيش انقسامات عميقة حول علاقته بالغرب وبالمشروع العربي، وبرز ذلك بوضوح في أزمة عام 1958 والتدخل العسكري الأميركي في بيروت. وبالتالي، فإن الخلاف حول موقع لبنان الاستراتيجي ليس وليد العلاقة الحالية بين حزب الله وطهران، بل يعود إلى عقود سابقة.
وتتوقف المقالة عند محطة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 لتؤكد أن المقاومة اللبنانية لم تولد كنتاج مباشر لقرار إيراني، بل نشأت من واقع الاحتلال نفسه، وشاركت فيها قوى سياسية وفكرية متعددة. أما إيران، فكان دورها لاحقاً في دعم مقاومة قائمة أصلاً. وهذه النقطة تشكل إحدى ركائز المقالة في مواجهة الخطاب الذي يختزل تاريخ المقاومة اللبنانية بعلاقتها بإيران.
إسرائيل ترفض أي تسوية قبل السلاح… روما بلا موعد والاتصالات تستمر للخرق
ومن أبرز الحجج التي تسوقها المقالة الاستناد إلى الموقف العربي في ثمانينيات القرن الماضي. ففي الوقت الذي كانت فيه غالبية الدول العربية تقف سياسياً في مواجهة إيران خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، كانت في الوقت نفسه تعلن دعمها للمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي. وهذا، وفق المقالة، يكشف أن تأييد المقاومة لم يكن بالضرورة مرادفاً للتحالف مع إيران، وأن المعادلات الإقليمية الحالية أعادت صياغة هذه العلاقة بطريقة مختلفة.
كما تستعيد المقالة مواقف القمم العربية عامي 2000 و2002، لتشير إلى أن المقاومة اللبنانية حظيت آنذاك بتأييد عربي واضح، بالتزامن مع إدانة الاحتلال الإسرائيلي ودعم حق لبنان في مقاومته. ومن هنا تحاول المقالة القول إن ما تبدّل لم يكن بالضرورة جوهر قضية الاحتلال، بل البيئة السياسية التي أصبحت تنظر إلى المقاومة من زاوية الصراع السعودي ـ الإيراني والتنافس الإقليمي، بعدما كانت تُقرأ في مرحلة سابقة ضمن عنوان إيران خلال الحرب
إسرائيل ترفض أي تسوية قبل السلاح… روما بلا موعد والاتصالات تستمر للخرق
.
وتتوسع المقالة في تحليل مفهوم «العروبة» نفسه، معتبرة أن هذا المفهوم لم يبقَ ثابت الوظيفة السياسية. فالعروبة التي كانت في مرحلة ما عنواناً لمشروع قومي وثوري ومناهضاً للنفوذ الغربي، أصبحت تُستعمل في مراحل لاحقة ضمن خطاب سياسي لمواجهة النفوذ الإيراني. وبذلك، فإن المفاهيم السياسية، بحسب المقالة، لا تعمل بمعزل عن موازين القوى، بل تتغير دلالاتها تبعاً للتحولات الإقليمية والدولية.
وفي السياق نفسه، تُسقط المقالة هذا التحول على مفهوم السيادة. فبعد الاجتياح الإسرائيلي، كانت مقاومة الاحتلال تُقدَّم باعتبارها وسيلة لاستعادة السيادة، بينما أصبحت اليوم حصرية السلاح تُقدَّم باعتبارها المدخل الأساسي إلى السيادة. وهنا تستحضر المقالة اتفاق 17 أيار، لتذكّر بأن واشنطن نفسها قدّمت آنذاك ترتيباتها مع إسرائيل باعتبارها خطوة نحو استعادة سيادة الدولة اللبنانية، في حين اعتبرتها قوى لبنانية وسورية تكريساً لنفوذ إسرائيل السياسي والأمني داخل لبنان.
ومن هذه المقارنة التاريخية تصل المقالة إلى جوهر السجال الحالي: لا يمكن إنكار أن الدولة الطبيعية تحتاج إلى احتكار القرار العسكري والأمني، وأن وجود قوة مسلحة خارج الدولة يطرح إشكالية سيادية حقيقية. لكن في المقابل، فإن حصر مفهوم السيادة بهذه المسألة وحدها يتجاهل السؤال الآخر: ماذا يحدث إذا نُزع سلاح القوة التي تواجه الاحتلال قبل أن تصبح الدولة قادرة على حماية حدودها ومنع الاعتداءات الإسرائيلية؟
وهنا تطرح المقالة معادلة أكثر تعقيداً من ثنائية «الدولة في مقابل المقاومة». فالمطلوب، وفق منطقها، ليس اختيار أحد الطرفين بصورة آلية، بل البحث في كيفية تنظيم العلاقة بين الدولة والمقاومة، وربط مسألة السلاح بمسألة التحرير والردع وقدرة الدولة على حماية الأرض. فالسيادة، في هذا المنظور، لا تكتمل بمجرد نقل السلاح إلى مؤسسات الدولة، بل تحتاج أيضاً إلى قدرة فعلية على منع العدو من احتلال الأرض أو فرض شروطه بالقوة.
وفي الجزء الأخير، تعترف المقالة بأن حزب الله نفسه تغيّر سياسياً، بعدما انتقل من تنظيم مقاوم إلى لاعب أساسي في البرلمان والحكومة والحياة السياسية اللبنانية، وبات جزءاً من شبكة إقليمية أوسع. لكنها ترى أن هذا التحول لم يصل إلى حد تغيير موقفه من إسرائيل أو تبني التسوية معها تحت الاحتلال، بينما تغيّرت مواقف أطراف إقليمية ولبنانية أخرى، وانتقلت الأولويات لدى كثيرين من مواجهة إسرائيل إلى مواجهة إيران، ومن التحرير إلى الاستقرار، ومن دعم المقاومة إلى اعتبار سلاحها المشكلة الأساسية.
وبذلك تعيد المقالة صياغة السؤال التاريخي بطريقة معاكسة للسؤال المتداول اليوم. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال: «لماذا لم تنزع المقاومة سلاحها؟»، تدعو إلى طرح سؤال آخر: «مَن الذي غيّر موقعه من الصراع، ومتى، ولماذا؟». ومن خلال هذا السؤال تحاول نقل النقاش من مستوى المواقف السياسية الآنية إلى مستوى التحولات التي طرأت على تعريف العدو وعلى معنى السيادة وعلى طبيعة التحالفات اللبنانية والعربية.
المقالة لا تنكر إشكالية السلاح خارج الدولة، لكنها ترفض أن يتحول هذا الملف إلى التعريف الوحيد للسيادة اللبنانية. وهي تضع أمام النقاش معادلة مزدوجة: دولة تحتكر قرار الحرب والسلم وتمتلك القدرة على حماية حدودها، وسيادة لا تبقى شعاراً إذا كانت إسرائيل قادرة على احتلال الأرض أو الاعتداء عليها وفرض شروطها بالقوة.
وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه المقالة ليس فقط «ماذا يجب أن تفعل المقاومة؟»، بل أيضاً «ماذا تستطيع الدولة أن تفعل؟». وبين السؤالين يبقى جوهر المأزق اللبناني: كيف يمكن الانتقال من واقع المقاومة خارج الدولة إلى دولة قادرة فعلاً على حماية سيادتها، من دون أن يتحول نزع السلاح إلى فراغ ردعي تستفيد منه إسرائيل؟
لا ينحصر الخلاف اللبناني اليوم على السلاح وحده، بل يمتدّ إلى تعريف السيادة وتحديد العدو، وعلى أي نوع من التدخل الخارجي يُعدّ انتهاكاً للاستقلال وأي نوع يُقدَّم باعتباره حماية له. ففي الخطاب السياسي السائد لدى جزء واسع من خصوم المقاومة، تكاد «السيادة» تُختصر بحصرية السلاح وإنهاء المقاومة و«إخراج لبنان من محور إيران» والعودة إلى الشرعية الدولية والعلاقة الوثيقة بالولايات المتحدة بوصفهما الطريق إلى حماية البلد وتسوية الصراع مع العدو الإسرائيلي.
من حيث المبدأ، لا مشكلة في القول إن الدولة يجب أن تحتكر السلاح. هذه قاعدة طبيعية في أي دولة مكتملة السيادة. لكنّ المشكلة تبدأ حين يتحوّل هذا التعريف إلى التعريف الوحيد للسيادة، حتى في بلد تحتل إسرائيل أجزاء من أرضه وتهاجمه بصورة متكررة وتربط انسحابها بنزع سلاح القوة الذي قاتلها، لكن مَن قرّر أن السيادة تبدأ من نزع السلاح ولا تبدأ من إنهاء الاحتلال؟ وهل كان هذا دائماً هو تعريف اللبنانيين والعرب للسيادة؟
أكبر عملية اختزال تعرّض لها تاريخ الصراع في لبنان هي مساواة ثلاثة أشياء ببعضها: المقاومة، حزب الله وإيران. فالصراع اللبناني حول موقع البلد من الغرب ومن الصراع العربي-الإسرائيلي أقدم من الثورة الإيرانية بعقود. في أزمة 1958، كان لبنان منقسماً بالفعل بين اتجاه ارتبط بسياسة كميل شمعون وعلاقته بالولايات المتحدة ومبدأ أيزنهاور، واتجاه قومي وعروبي رأى في عبد الناصر وحركة التحرر العربي موقعه الطبيعي. انتهت تلك الأزمة بطلب شمعون تدخلاً أميركياً، فنزلت القوات الأميركية في بيروت في 15 تموز 1958. الوثائق الأميركية نفسها تضع أزمة لبنان تلك في سياق «مبدأ أيزنهاور»، والتزام واشنطن تجاه الحكومة اللبنانية، وقرار التدخل العسكري.
عبد الناصر وحركة التحرر العربي موقعه
آنذاك، لم تكن إيران الإسلامية ولا حزب الله موجودَيْن، ولم يكن الشيعة هم محور الانقسام. لكنّ إشكالية السؤال عمّا إذا كانت سيادة لبنان واستقلاله يُحميان بالارتباط بالغرب أم بالوقوف في الجبهة العربية المناهضة للهيمنة الغربية وإسرائيل، كانت موجودة.
وعندما وقع الاجتياح الإسرائيلي الكبير عام 1982، لم تنشأ مقاومة الاحتلال بقرار إيراني. بل شاركت في المقاومة قوى لبنانية متعددة، بينها اليسار والقوميون والحركة الوطنية، وبالطبع حركة أمل، قبل أن تنمو مجموعات إسلامية شيعية ستتبلور لاحقاً في حزب الله.
الحقيقة هي أن إيران دعمت مقاومة موجودة في بلد واقع تحت الاحتلال، ولم تخترع فكرة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، وهذا الفارق هو ما أسقطه الخطاب السياسي اللاحق.
بغداد تؤكد تسلّم قاعدة عين الأسد بعد انسحاب الأميركيين
لقد كان العرب ضد إيران ومع المقاومة في الوقت نفسه، ربما لا توجد وثيقة أكثر قدرة على تفكيك معادلة أن «المقاومة إيرانية» من البيان الختامي للقمة العربية في الجزائر سنة 1988. حينها، كانت الحرب العراقية-الإيرانية لا تزال قائمة، وكانت غالبية الدول العربية، وفي مقدّمها دول الخليج والسعودية، تقف سياسياً إلى جانب العراقضد إيران. فقد أدان القادة العرب إيران وأعلنوا تضامنهم مع العراق، واتهموا طهران بتهديد دول الخليج والتدخل في شؤونها، ثم انتقلوا إلى لبنان فأشادوا بـ«المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد الاحتلا الإسرائيلي وأكّدوا استمرار دعمها ومساندتها.
النظام العربي عام 1988 كان يستطيع أن يكون خصماً لإيران ومؤيّداً للمقاومة اللبنانية في الوقت نفسه. وهذا يعني أن الربط الذي يبدو اليوم بديهياً بين مقاومة إسرائيل والتبعية لإيران لم يكن بديهياً على الإطلاق في حينه. بل إن العرب كانوا يقولون عملياً نحن ضد السياسة الإيرانية، لكننا مع مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. ما تغيّر، إذاً، ليست جغرافية لبنان ولا حقيقة الاحتلال، بل بنية الصراع الإقليمي، ثم اللغة المُستخدمة لتفسيره.
في القمة العربية عام 2000، بعد الاندحار الإسرائيلي من معظم جنوب لبنان، أشاد القادة العرب صراحة بـ«المقاومة اللبنانية» ودورها في دفع إسرائيل إلى الانسحاب، وأكدوا حق لبنان ومقاومته في تحرير ما اعتبروه أراضيَ لبنانية محتلة واستعادة الأسرى «بكل الوسائل المشروعة». ثم جاءت قمة بيروت سنة 2002، إذ تبنّى النظام العربي «مبادرة السلام» التي اقترحها ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله والتي تنص على انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة وتسوية القضية الفلسطينية مقابل إنهاء الصراع وإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، والقمة نفسها أدانت استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، وأكّدت دعم حق لبنان في مقاومته.
حتى «العروبة» غيّرت وظيفتها؛ لا تقتصر المسألة على لبنان، السعودية نفسها مثال بالغ الدلالة على تغيّر الاصطفافات والمفردات. ففي الخمسينيات والستينيات كانت المملكة من أبرز خصوم جمال عبد الناصر. ورأت في القومية العربية الجمهورية والناصرية تهديداً مباشراً، وكانت في المعسكر العربي المحافظ الذي حافظ على علاقات وثيقة بالولايات المتحدة وبريطانيا، مقابل المعسكر الجمهوري القومي الأكثر عداءً للغرب. وكانت السعودية والأردن آنذاك ضمن الكتلة المحافظة، مقابل مصر وسوريا والقوى الجمهورية، فيما كان الملك فيصل يرى عروبة عبد الناصر مشروعاً يهدّد المملكة.
أمّا إيران الشاه فكانت، رغم التنافس مع السعودية، جزءاً من النظام الإقليمي الموالي للغرب، بل إن واشنطن تعاملت مع السعودية وإيران قبل 1979 باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لترتيبها الأمني في الخليج.
ثم جاءت الثورة الإسلامية عام 1979، فانتقلت إيران من حليف للولايات المتحدة إلى خصم لها، ورفعت مواجهة إسرائيل والوجود الأميركي جزءاً من عقيدتها الإقليمية. ومنذ ذلك الحين تصاعد «التنافس» السعودي-الإيراني وأصبح بعد سنوات أحد أهم خطوط الانقسام في المنطقة، مع توظيف متزايد للهويات المذهبية والقومية في هذا الصراع.
هنا، سُجّلت مفارقة سياسية على الطريقة السعودية. فالمملكة التي واجهت العروبة الناصرية حين كانت العروبة مشروعاً ثورياً مناهضاً للغرب، أصبحت لاحقاً جزءاً من بيئة سياسية تُستدعى فيها «العروبة» لمواجهة إيران ونفوذها.
ما ينطبق على «العروبة» ينطبق أيضاً على مفهوم «السيادة». فبعد عام 1982 كان يُنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي باعتباره انتهاكاً للسيادة، والمقاومة أداة لاستعادتها. فعندما حاولت إدارة رونالد ريغان بعد الاجتياح تثبيت اتفاق 17 أيار 1983 بين سلطة أمين الجميل وإسرائيل، ولعب وزير الخارجية جورج شولتز دوراً مباشراً في التفاوض عليه، كان الاتفاق يهدف إلى إنهاء حالة الحرب ووضع ترتيبات أمنية وعلاقات بين البلدين بعد الانسحاب. وقد رأت سوريا والقوى اللبنانية المناهضة له أنه يكرّس تفوّق إسرائيل السياسي والأمني داخل لبنان، فسقط الاتفاق لاحقاً بالمقاومة.
يومها، كان الصراع يُخاض باسم «السيادة»، وسوّقت له واشنطن على أنه يعيد سيادة الدولة اللبنانية. اليوم، وبعد أكثر من أربعين عاماً، يعود السؤال نفسه بصورة مختلفة، إذ يسوّق الرئيس جوزف عون وفريقه السياسي والإعلامي، ومعهما العرب والأميركيون، لاستعادة السيادة بشرط وحيد هو نزع سلاح المقاومة، بينما تقول المقاومة ومن معها: «لا سيادة ما دامت إسرائيل تستطيع احتلال الأرض وقصف البلد وفرض شروطها بالقوة».
صحيح أن لا «دولة طبيعية» تعيش بجيشين وقرارين عسكريين. لكن الصحيح أيضاً أن لا سيادة مكتملة لدولة لا تستطيع منع احتلال أرضها أو ردع الاعتداء عليها. لذلك، فإن المسألة الحقيقية ليست أن نختار بين «الدولة» و«المقاومة» كما لو أنهما مفهومان متناقضان بالفطرة. المسألة هي ترتيب العلاقة بين التحرير والردع والدولة، ومن يضمن ألّا يؤدي إنهاء قوة الردع إلى إعادة لبنان إلى زمن تُفرض فيه الشروط الإسرائيلية عليه بالقوة.
صحيح أن حزب الله تغيّر كثيراً. فقد دخل البرلمان والحكومة، وأصبح لاعباً داخلياً ضخماً. ويقول البعض من زاوية اتهامية إن علاقته بإيران تحوّلت من دعم مقاومة الاحتلال إلى جزء من شبكة إقليمية أوسع، لكنّ الحزب لم ينتقل من المقاومة بمواجهة إسرائيل إلى التحالف معها، ولم يتبنَّ التسوية معها تحت الاحتلال، ولم تصبح واشنطن بالنسبة إليه المرجعية التي ينبغي أن تحدد أمن لبنان. بقي حزب الله ثابتاً ومستمراً على ثوابته، فيما تغيّر كثيرون من أحزاب وقيادات ودول. وانتقلت الأولويات من إسرائيل إلى إيران، ومن «التحرير» إلى «الاستقرار»، ومن دعم المقاومة إلى الشك فيها، ومن اعتبار السلاح الذي يواجه الاحتلال جزءاً من استعادة السيادة إلى اعتباره المشكلة الأولى لها.
ولهذا ربّما يكون السؤال الأكثر عدلاً للتاريخ اللبناني هو: «مَن الذي غيّر موقعه من الصراع، ومتى، ولماذا؟». فيما بقيت القضية الأصلية بالنسبة إلى لبنان منذ أن دخل الاحتلال الإسرائيلي أرضه تتعلق بالإجابة على سؤال مركزي حول: «مَن يمنع إسرائيل من فرض إرادتها على لبنان؟».
الدولة وحدها، هو الجواب الذي يتمناه أي لبناني يريد دولة طبيعية، لكن إلى أن تصبح الدولة قادرة فعلاً على تقديم هذا الجواب، لا يكفي أن نسمّي نزع السلاح «سيادة» لكي تصبح السيادة موجودة فعلاً. فالسيادة ليست فقط أن تكون البندقية بيد الدولة، بل ألّا تكون الدولة أرضاً وإرادةً بيد عدوّها.