«مانيفستو الغارديان»: أسئلة المثقّف الأميركي وأسئلتنا

صحيفة الأخبار: بقلم: محمد فضل الله

يضع المقال المثقف الأميركي، وخصوصاً في أوساط اليسار والتقدميين، أمام سؤال يتجاوز مضمون النصوص التي يكتبها إلى السؤال الأهم: من يملك حق إنتاج المعرفة، ومن يحدد القضايا التي تستحق أن تُطرح، ومن يملك القدرة على جعل صوته مؤثراً في العالم؟ وينطلق الكاتب من نقد حاد للمانيفستو الذي نشرته صحيفة «الغارديان» بشأن السجناء السياسيين في إيران، ليحوّل النقاش من إدانة الأنظمة والحكومات إلى مساءلة موقع المثقف نفسه داخل منظومة القوة الغربية.

ويجادل المقال بأن المشكلة لا تكمن فقط في مضمون المواقف التي يتخذها المثقف الأميركي، بل في الموقع الذي يصدر عنه، والجمهور الذي يخاطبه، والجهات التي تستفيد من خطابه، والقضايا التي يختار الحديث عنها وتلك التي يتم تجاهلها. ومن لبنان وإيران وفلسطين إلى أميركا اللاتينية وكوبا، يطرح الكاتب سلسلة من الأسئلة حول ازدواجية المعايير في الخطاب التقدمي الأميركي، وحول قدرة المثقف على نقد الإمبريالية من داخل المؤسسات التي يرى الكاتب أنها جزء من إنتاجها.

المقال في جوهره ليس دفاعاً عن الحكومة الإيرانية، ولا محاولة لتبرئة أي نظام من القمع، بل هو محاكمة لدور المثقف الأميركي في إنتاج الخطاب السياسي العالمي. الكاتب يريد نقل النقاش من سؤال: «هل إيران تقمع معارضيها؟» إلى سؤال أعمق: «لماذا يصبح المثقف الأميركي هو المرجعية التي يُطلب منها أن تحكم على إيران؟».

وهنا تأتي الفكرة المركزية في المقال: المعرفة ليست محايدة تماماً. فاختيار السؤال نفسه، بحسب الكاتب، هو فعل سياسي. ومن يملك الجامعات ومراكز الأبحاث والمنابر الإعلامية وشبكات التمويل يمتلك، بدرجة كبيرة، القدرة على تحديد ما الذي يُناقش وما الذي يبقى خارج النقاش.

ويذهب المقال أبعد من ذلك عندما يسأل: لماذا ينتج الباحث الأميركي آلاف الدراسات عن لبنان وإيران والعالم العربي، بينما لا يحدث العكس بالزخم نفسه؟ هذه المقارنة يستخدمها الكاتب للقول إن العلاقة بين المركز والأطراف لا تزال قائمة حتى داخل المجال الأكاديمي، وأن إنتاج المعرفة عن الآخر قد يتحول إلى شكل من أشكال القوة الناعمة.

المانيفستو كحالة اختبار

المانيفستو الذي وقّعه عدد من المثقفين بشأن السجناء السياسيين الإيرانيين يتحول في المقال إلى حالة اختبار لازدواجية الخطاب السياسي.

فالكاتب لا يناقش فقط مضمون المانيفستو، بل يسأل: لماذا الآن؟ ومن سيقرأه؟ ومن سيتأثر به؟ وهل يمتلك النص القوة نفسها عندما ينتقد خصماً للولايات المتحدة وعندما ينتقد الولايات المتحدة نفسها؟

ومن هنا يطرح واحدة من أكثر أفكار المقال استفزازاً: قد يكون النقد صحيحاً أخلاقياً، لكنه غير متساوٍ سياسياً في نتائجه. فانتقاد حكومة معادية لواشنطن قد يضرب شرعيتها أمام جمهورها، بينما انتقاد الرئيس الأميركي أو الإمبريالية الأميركية في نص لا يصل أصلاً إلى الجمهور الذي يفترض أن يتأثر به قد يتحول إلى مجرد فعل رمزي.

نقد اليسار الأميركي

الكاتب يوجه سهامه أيضاً إلى اليسار الأميركي، معتبراً أنه فقد جزءاً أساسياً من تقاليده السابقة: بناء حركة سلام واسعة، ومواجهة الحروب الأميركية، وربط النضال السياسي بالبنية الاقتصادية والعسكرية للإمبريالية.

وبحسب المقال، تحول جزء من اليسار إلى قوة نقدية تكتفي بإنتاج البيانات والمواقف الأخلاقية، من دون امتلاك مشروع سياسي قادر على تغيير الواقع. ولذلك يسأل الكاتب: ماذا أنتجت عشرات السنوات من البيانات والمقالات إذا بقي الحصار على كوبا، واستمرت العقوبات الاقتصادية، ولم تتوقف الحروب، ولم تتغير بنية النظام الدولي؟

وهنا تظهر عبارة شديدة الأهمية في المقال: النقد الأخلاقي وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى منهج لفهم السلطة وتغييرها.

ازدواجية المعايير

من أبرز محاور المقال المقارنة بين طريقة تعامل الخطاب التقدمي الأميركي مع قضايا مختلفة بحسب موقعها من السياسة الأميركية.

فالكاتب يرى أن بعض القضايا والحقوق تُستخدم داخل الولايات المتحدة باعتبارها إنجازات تقدمية، ثم تتحول خارجها إلى أدوات في الصراع الجيوسياسي. ويستشهد بملفات الأقليات، والحرب في أوكرانيا، والمقاومة الفلسطينية، والأكراد في سوريا، ليقول إن الموقف من «العنف» أو «المقاومة» لا يُطبَّق دائماً وفق معيار واحد.

وهذه من أكثر نقاط المقال حدة، لأنها تتهم جزءاً من الخطاب التقدمي بأنه يتعامل مع المبادئ بصورة انتقائية عندما تتعارض مع المصالح الجيوسياسية الأميركية.

سؤال السلطة داخل الجامعات

المقال يفتح أيضاً جبهة على المؤسسة الأكاديمية نفسها. فالكاتب يشكك في استقلالية الجامعات ومراكز الأبحاث عندما تكون مرتبطة بالتمويل والمؤسسات السياسية والاقتصادية الأميركية.

والفكرة هنا ليست أن كل بحث ممول أميركياً هو بالضرورة منحاز، بل أن الكاتب يريد دفع القارئ إلى التفكير في سؤال غالباً ما يتم تجاهله: من يمول إنتاج المعرفة؟ ومن يحدد أجندتها؟

ويصل المقال إلى خلاصة قاسية: المؤسسة التي تنتج المعرفة عن مشكلات العالم قد تكون، في بعض الحالات، جزءاً من البنية التي تنتج تلك المشكلات نفسها.

من «المركز» إلى «الأطراف»

أهم ما يميز المقال أنه لا يكتفي بمهاجمة المثقف الأميركي، بل ينتهي بمساءلة المثقف في العالم العربي وأميركا اللاتينية وسائر الأطراف.

فالسؤال الأخير الذي يطرحه الكاتب ربما يكون الأهم: لماذا نسمح للآخر بأن يكتب عنا، بينما لا نكتب نحن عنه؟

ومن هنا تأتي دعوته إلى إنتاج معرفة عن الولايات المتحدة ومجتمعها وسياساتها، وعدم التعامل مع الشأن الأميركي باعتباره شأناً داخلياً لا يعني الآخرين. فالكاتب يرى أن القرارات الأميركية المتعلقة بالحروب والعقوبات والاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية تؤثر مباشرة في شعوب العالم، وبالتالي فإن من حق هذه الشعوب، بل من الضروري، أن تنتج خطابها ومعرفتها عن الولايات المتحدة.

المقال هو في الأساس دعوة إلى إعادة توزيع حق إنتاج المعرفة السياسية. وهو يقول للمثقف الأميركي: قبل أن تسأل الآخرين عن أنظمتهم، اسأل نفسك عن موقعك أنت داخل منظومة القوة؛ وقبل أن توقّع بياناً، اسأل من سيقرأه، ومن سيستفيد منه، وما الأسئلة التي غاب عنها هذا البيان.

أما الرسالة الأوسع التي يوجهها الكاتب إلى «الأطراف»، فهي أن الخروج من موقع المتلقي لا يكون فقط برفض الخطاب الغربي، بل بإنتاج خطاب مستقل، وبناء أدوات معرفية قادرة على دراسة المركز كما يدرس المركز الأطراف.

وبذلك يتحول المقال من مجرد نقد لمانيفستو بشأن إيران إلى سجال أوسع حول الإمبريالية الثقافية، وسلطة الجامعات، وانتقائية الخطاب التقدمي، ومن يملك حق تعريف الحقيقة السياسية في العالم.

 

يَرغب المثقف الأميركي في الاعتقاد أن أثر وفعالية عباراته ونصوصه يصدر كل ذلك عن تماسكها الداخلي المنطقي والأخلاقي، وليس عن موقعه المؤسساتي الحواضري الإمبريالي. في الولايات المتحدة، هناك على اليمين واليسار اندفاعة لتفكيك كل منجزات نقد السلطة الذي أتاحتْه مناهج ما بعد الحداثة و«النظرية الفرنسية» (مهاجمة «النظرية الفرنسية» اليوم أصبحت رياضة وطنية عامة). الحديث عن الماركسية في بعض الأوساط الأميركية يُقدَّم باعتباره استعادة لسياسات الطبقة التي هُمشتْ لصالح سياسات الهوية، لكنها فعلياً رغبة عامة في العودة إلى القرن التاسع عشر: على اليسار هي عودة إلى الأصل الماركسي، على اليمين هي عودة إلى الثقافة التي كانت تَجعل الإبادة والاستيطان والاستعمار والاعتقاد بالتفوّق العرقي أموراً طبيعية. الأنغلو-تحليلية تقدّم ما أمكن من عدة لأوهام المعنى المجرد من السياسة وعلاقات القوة؛ لم يمرّ على التحليلية (الأرثوذكسية الاختزالية) سطوة سياسية في الولايات المتحدة من قبل كما هي حالها اليوم.

هكذا، لكل سؤال هناك إجابة عقلانية واحدة؛ ويصعب على العقل الليبرالي حتى تقبُّل فكرة أنه بإمكانك عدم الإجابة على سؤال يُطرَح عليك، فلا السؤال ولا صياغته هما فعل سياسي بالنسبة إليه، ولا الإجابة كذلك الأمر؛ علينا أن ننضمّ إلى طاولة الحوار المستديرة المثالية نحن المتساوين. وبما أن الأمر كذلك، سأَطرح أسئلة على نظرائنا الذين وَقّعوا على مانيفستو «الغارديان» [الرسالة المفتوحة التي وقّع عليها عدد من المثقفين بعنوان «إلى السجناء السياسيين الإيرانيين، المحاصرين “بين شفرتي مقص”»، To Iran’s political prisoners,» trapped ‘between two blades of a scissors’»، ونشرتها «الغارديان» بتاريخ 20 آب 2026]؛ طبعاً هم سيجيبون عن هذه الأسئلة، فليس من المهم مَنْ كَتبها ولا إلى أي منطقة يَنتمي، المهم هو البنية الداخلية للسؤال:

هل سأل المثقف الأميركي قبل التوقيع على المانيفستو لماذا تمّ سؤاله هو وليس شخصاً آخر للتوقيع على المانيفستو؟ لماذا لا يَسألون مثقفاً في الكونغو أو نيبال بدلاً منك؟ طبعاً يصعب إقناع أي مواطن أميركي بالتوقّف عن شرْح حقيقة العالم لنا نحن الطرفيين (USplaining) وحتى اللبنانيون الأميركيون لديهم هذه الميزة أيضاً بالمناسبة.

هل سأل المثقف الأميركي نفسه لماذا يُنتِج أعداداً هائلة من الأبحاث عن كل زاوية من مجتمعاتنا بينما لا يحصل العكس؟ كم من الباحثين الصينيين والروس والإيرانيين رأيتمْ في لبنان؟ قارنوا ذلك بأعداد الباحثين الأميركيين (وحواشيهم «الغربيين») في لبنان، في كل قرية ومدينة لبنانية. يَكتشف الأكاديمي الأميركي أن كوْن الرجال يُنتِجون أبحاثاً طبية عن النساء يؤذيهن صحياً، لكن إنتاج الأميركي أبحاثاً (وبالتالي مانيفستوهات) سياسية (وليس طبية علمية) عن شعوبنا هو عمل عادي لا إشكال فيه، بل هو واجب أخلاقي.

هل سأل المثقف الأميركي مَن الذي سيَقرأ المانيفستو الذي سيوقّع عليه؟ هذه إحدى مشاكل اليسار اللاتيني الأميركي الاعتدالي؛ مثل خوسيه موخيكا حين انتقد الرئيس الفنزويلي المختطف نيكولاس مادورو النقد اللا-تاريخاني التجريدي: نقد موخيكا يؤذي مادورو في شرعيته السياسية ويَجعل اليساريين يشكّكون به، أما نقد موخيكا لدونالد ترامب فعلى الأرجح أن الأخير لم يَسمع به يوماً كي يكون له أثر ما. في لبنان هناك أمر مشابه، أن تتهم حزب الله بالفساد فإن ذلك يؤذيه إعلامياً وشعبياً، أمّا أن تتهم حركة أمل بالفساد فذلك يعزّز قوتها ويجعلها أكثر شعبيةً؛ في البرازيل تُهَم الفساد تؤثّر سلباً على شعبية لولا دا سيلفا ولكنها لا تكاد تَعني شيئاً لعائلة بولسنارو.

لذلك حين يتّهم المثقف الأميركي الحكومة الإيرانية بالقمع فإن ذلك يؤذيها في شعبيتها وشرعيتها السياسية، أمّا اتهام دونالد ترامب بالإمبريالية فذلك يزيد من شعبيته لدى الجمهور الأميركي (إن اطلع على النص أصلاً). ترامب أو أي أحد من جمهور «ماغا» لم يَقرأ مانفيستو «الغارديان» الذي يصف ترامب بالإمبريالي، لكننا نحن الذين قرأنا المانيفستو، بعضنا شعر بالغضب وبعضنا شعر بالخيبة وللأسف بعضنا شعر باللايقين في مواجهته للإمبريالية. أنت هنا تصطف إلى جانب ضد آخر تحت غطاء أن نقدك يطاول الجميع دون تمييز، لكنك ضمنياً تَعلم جيداً أن ذخيرتَك فعّالة ضد جانب في حين أن الجانب الآخر مُدرّع ضدها ولا يأبه لها.

هل سأل المثقف الأميركي نفسه لماذا هو غير قادر على إعادة بناء حركة سلام جادّة وفاعلة كما في السبعينيات؟ يبدو أننا نتجه إلى حرب عالمية ثالثة ستشهد جحيماً نووياً حول العالم، ببساطة لأن اليساري الأميركي لم يقتنع بعد بضرورة تنظيم حركة سلام، فهو منشغل بالتصدّي لروسيا وبإقناع تايوان بأنها تَنتمي إلى العالم الغربي وعليها أن تَرفض مساعي الصين لضمّها إليها.

هل سأل المثقف الأميركي نفسه ماذا قَدّم لكوبا المجاورة؟ كوبا هي أيقونة تواطؤ المثقف الأميركي مع الإستابلشمنت، نحن نتحدّث هنا عن عشرات السنين قبل ترامب. إذا لم يتمكّن المثقف الأميركي من رفع الحصار عن كوبا، ولا وقف الإبادة في غزة، ولا إنهاء فكرة العقوبات الاقتصادية حول العالم، رغم أن بياناته لم ينقصها يوماً الرطانة اللغوية، أليس ذلك مدعاة لأن يُعيد المثقف الأميركي النظر في طريقة «نضاله»؟ ما سُمي بالإنجازات لصالح النساء والسود والمثليين هي ليست إنجازات حقيقية: ليست هناك جهة داخل الولايات المتحدة تُمنَح أي حق حتى تُثبِتَ هذه الجهة أنه بإمكان الإستابلشمنت الأميركية استخدام حقوق هذه الهوية في مواجهة الأطراف المعادية للولايات المتحدة.

مثلاً، مَنْ هم الأكثر حماسةً في الولايات المتحدة لإظهار أن طريقة التعاطي مع المثليين هي «ما يميّزنا عنهم، وبالتالي حتمية الصدام معهم»؟ فعلياً هم المحافظون الفاشيون، هم الأكثر استخداماً لهذه اللغة ضدنا (التقدميون يُبدون بعض الحذر في استخدام هذه اللغة)؛ المحافظون الفاشيون الذين يرفضون هذه الحقوق داخل الولايات المتحدة هم الذين يَستخدمون اللغة التقدمية حين يواجهوننا في الأطراف.

ألم يلاحظ المثقف الأميركي أن إنجازاته المُفترَضة محصورة داخل الولايات المتحدة (ويتبيّن أنها مشروطة إمبريالياً من ثم)؟
هل سأل المثقف الأميركي قبل التوقيع على المانيفستو لماذا الآن؟ تاريخياً، لدى المثقف الأميركي هذه العادة، بأن «يرمينا تحت الحافلة» (نحن الأطراف) من أجل تبييض صفحته لدى السلطات الأميركية؛ على طريقة «ستة وستة مكرر» في لبنان، مع كل نقد للحكومة الأميركية يجد المثقف الأميركي نفسه مضطراً إلى انتقاد حكومة أخرى حول العالم معادية للولايات المتحدة («الحكومة الأميركية سيئة، لكن الحكومات الأخرى أسوأ»، ونَعلم إلى أين يؤدي هذا المنطق في كل مرة). على كلّ، هناك مؤشرات إلى أن الأكاديمي الأميركي بدأ خطواته الأولى باتجاه الاندماج مع التوجهات الجديدة للإستابلشمنت الأميركية في ظل دونالد ترامب (سنتحدث عن ذلك في مقالات لاحقة)، وهذه هي الإجابة الضمنية عن «لماذا هذا المانيفستو الآن؟».

هل سأل المثقف الأميركي نفسه ما هو السؤال (أو مجموعة الأسئلة) الذي تمّ تجاهله من أجل جَعْل هذا السؤال أكثر مطروحية؟ السؤال والسؤال الآخر، وما هي المانيفستوهات الأخرى التي لم ترَ النور بسبب هذا المانيفستو؟ ألهذا الحدّ انمحى أثر البنيوية وما بعدها في الفكر السياسي للتقدميين الأميركيين؟

هل سأل المثقف الأميركي نفسه عمّا إذا كان سيمارس الحكم بطريقة أفضل من طريقة الحكومات التي يَنتقدها؟ لأننا رأينا الكثير من الأمثلة عن نقّاد يمارسون ألواناً من التعسّف في مؤسساتهم الخاصة وحين يصلون إلى السلطة نجد أنهم أسوأ ممن انتقدوهم، ذلك أن نقدهم كان أخلاقوياً وليس منهجياً؛ كل نقد أخلاقوي يُخفي رغبة في الاستبدال لا أكثر. هناك اتجاه عام لدى اليسار الأميركي بأن يبقى يساراً نقدياً لا يصل إلى السلطة، كي لا يتمّ تجريبه في الواقع. هو يريد أن يبقى النقد الصافي من دنس تجربة الحكم؛ وواضح أن الإستابلشمنت الأميركية (ليس إدارة ترامب) تستثمر في ذلك وتجد أنه صالح للاستخدام بفعالية ضدنا في الأطراف.

هذا مرتبط بتخلّي اليسار الأميركي بشكل جذري عن فكرة حمل السلاح، وتعميم ذلك على اليسارات حول العالم، بعدما كان حمل السلاح هو سمة اليسار لعقود. مثلاً اليسار في أميركا اللاتينية يَحتفي بحمل السلاح سابقاً بحيث إنه شيء من التاريخ، لا رجعة إليه، ومن غير الواضح لماذا لا رجعة إليه؛ طبعاً السبب هو هيمنة اليسار الأميركي على باقي اليسارات حول العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. إلا أن حمْل السلاح لدى المثقف الأميركي ليس ممنوعاً بشكل كوني، هو يشجعه في أوكرانيا ضد روسيا ولكن يحرّمه على المقاومة الفلسطينية (اليسارية ضمناً).

يقول مانيفستو «الغارديان» إن عداء إيران للإمبريالية مزيّف، ولكن مجلة «جاكوبين» تمجّد عداءَ الأكراد للإمبريالية (في مقال أخيراً)؛ الأكراد ومنطقتهم الأسطورية، روجافا، حيث القواعد العسكرية الأميركية تنعم بالهدوء، حيث القوى الكردية لم تطلق رصاصة واحدة على القوات الأميركية، هذه القوى هي التمثيل الحقيقي للعداء للإمبريالية. إذا كنّا نريد أن نَعرف ما شكل العداء للإمبريالية الذي يريده الموقّعون على مانيفستو «الغارديان»، علينا أن ننظر إلى الأكراد في سوريا والقواعد العسكرية الأميركية لديهم: أقنعة تقدمية ووجوه خاضعة.

هل سأل المثقف الأميركي نفسه عمّا إذا كان قد أَنجز عدالة إبستيمولوجية تَسمح لنا نحن الطرفيين بإيجاد مكان لتجاربنا في بنية الإنتاج البحثي؟ مثلاً هو أبقى العقوبات الأميركية من دون قياسات (econometrics) وبالتالي خارج إطار أبحاث قسم الاقتصاد، وهو ما جعل هذه التجربة غير مرئية: كيف تُجبِر العقوبات البلدَ المستهدَف على خلق جسم غير قانوني موازٍ للالتفاف على هذه العقوبات، ومن ثم يصبح هذا الجسم هو «الفساد» الذي يَستدعي المزيد من الضغط على الدولة لتفكيكها… جامعة المثقف الأميركي هي نفسها مصدر الكارثة التي يَنتقدها.

هل سأل المثقف الأميركي لماذا تموّل الإستابلشمنت الأميركية أبحاثه؟ من معايشة عدة حالات للمقاومة ضد الإمبريالية، فإن الإستابلشمنت الأميركية كانت تموّل أبحاثاً نقدية لها كي تَمنع خصومَها من إنتاج أبحاث نقدية كهذه؛ يَجعل ذلك خصوم الولايات المتحدة معتمدين على إبستيمولوجيات نقدية مُنتَجة بعناية مخبرية كي يتمّ تفعيلها وتعطيلها حين تشاء الإستابلشمنت (تحدّثنا قبلاً عن كيف تمّ تعطيل مناهج نقد السلطة خلال السنوات الماضية بحيث إنها كانت غير موجودة للدفاع عن المقاومة في السابع من أكتوبر).
هل سأل المثقف الأميركي نفسه لماذا تَخرج الأفكار التقدمية الجديدة (الترندات التقدمية) من بين ظهرانيه حصراً (جامعات الساحل الشرقي) وليس من جامعات فنزويلا أو البرازيل؟

هل سأل المثقف الأميركي نفسه عن دوره خلال ثمانية باراك أوباما المشؤومة في إضعاف قوى المقاومة حول العالم؟ يتحدث كثيرون اليوم عن سياسة «الصبر الاستراتيجي» الإيرانية، ولكنها فعلياً كانت نتيجة لعهد أوباما، لأن فعل المقاومة مُستنزِف ومكلِف ويَحتاج إلى تعبئة مستمرة، حين يَأتي رئيس للولايات المتحدة كأوباما فإنه يَجعل قوى المقاومة تُلقي بعضاً من استنفارها، وتتسلّل فكرة أنه من الجيد التعويل على المزيد من الوعي في صفوف الناخب الأميركي؛ طبعاً من بعد أوباما سيَأتي فاشيّ كدونالد ترامب يستغلّ فيها فرصة إرخاء المقاومة لقبضتها على الزناد. أوباما كان الطعم الذي ألقتْه واشنطن للعالم.

كَتبتْ لوسيانا كاداهيا نصاً مهماً أخيراً حول الانتخابات في كولومبيا، أشارت فيه إلى الطريقة التي يتعاطى فيها اليسار الأميركي (و«الشمالي») مع يسارات الجنوب. تقول إن الانتخابات في كولومبيا تمّ تزويرها بوضوح، ولكن اليساري الأميركي لم يُرِدْ لهذه الفكرة أن تَنتشر لأنه اعتَبر أن ترامب هو مَنْ يَستفيد من الاعتقاد بإمكانية تزوير الانتخابات؛ بالتالي هم يضعون الشروط في ما نقول حتى عن بلادنا نحن. أعتقد أن ما كتبتْه كاداهيا في مجلة «جاكوبين» باللغة الإسبانية يصلح كمانيفستو مضاد لمانيفستو «الغارديان». بالمناسبة، «جاكوبين» بالإسبانية والبرتغالية تحاولان التمايز عن «جاكوبين» الإنكليزية الأم، إلا أن الأثر النيويوركي الأميركي في «جاكوبين» سيحتاج إلى الكثير مثل لوسيانا كاداهيا لإزالته؛ أصلاً من غير الواضح لماذا منصة أميركية تصبح هي الرابط بين يسارات دول أميركا اللاتينية.

حتى لا نَجعل الأمور مُعقّدة على رفيقنا المثقف الأميركي: قبل أن توقّع على أي نص، ابدأ بطرح سؤال واحد: مَنْ سيَقرأ هذا النص؟ وللإجابة عن هذا السؤال، استخدِم الأدوات البنيوية لتَعرف موقع هذا النص على الخارطة الراهنة لمجمل النصوص المُنتَجة (والمُغيَّبة).
وسؤال أخير موجّه إلينا نحن في الأطراف: لماذا لا نُنتِج نصوصاً عن الولايات المتحدة ومجتمعها (/مجتمعاتها)؟ أحد أهم أسباب الأزمة في أميركا اللاتينية اليوم هو أن الحشود لم تَملأ شوارع مكسيكو سيتي وساو باولو وبوينوس آيريس حين بَدأ دونالد ترامب حملة إخضاع اللاتينيين في لوس أنجلس في حزيران 2025: الشؤون الداخلية الأميركية هي شؤوننا، وعلينا أن نَكتب مانيفستوهات أيضاً.

شاركها.