تتجه فرنسا إلى مواجهة سياسية وأمنية جديدة، بعدما تحولت احتجاجات واسعة على غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية إلى أعمال شغب ونهب وحرائق طالت مؤسسات عامة ومتاجر ومبانٍ تاريخية في عدد من المدن. وفيما أعلنت السلطات توقيف 1200 شخص وإصابة 150 من عناصر الشرطة والدرك، يستعد الرئيس إيمانويل ماكرون لمخاطبة الفرنسيين، وسط تصاعد التوتر الاجتماعي واقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.
وتضع التطورات الحكومة الفرنسية أمام اختبار مزدوج: احتواء الغضب المرتبط بالأوضاع المعيشية والتعليمية، ومنع اتساع أعمال العنف التي باتت تلقي بظلالها على المشهد السياسي قبل أشهر من الاستحقاق الرئاسي.
أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيوجه كلمة متلفزة إلى الفرنسيين عند الساعة الثامنة مساء الأحد، بالتوقيت المحلي، بعد اجتماع مع عدد من الوزراء، في أعقاب الاحتجاجات التي شهدتها البلاد السبت.
وكان ماكرون قد أكد، في منشور على منصة «إكس»، أن كل من يثبت تورطه في أعمال التخريب أو الاعتداء على المؤسسات والشركات أو المشاركة في عمليات النهب سيلاحق ويعاقب.
وتأتي الكلمة الرئاسية فيما تعمل السلطات على تقييم حجم الأضرار التي خلفتها المواجهات، وسط ضغوط متزايدة على الحكومة لتحديد كيفية التعامل مع الاحتجاجات، والفصل بين المطالب الاجتماعية وأعمال العنف التي رافقتها.
وقال رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار إن شوارع بأكملها تعرضت، بحسب وصفه، لتخريب ممنهج.
وخلال تفقده عناصر الشرطة في وسط باريس، اعتبر لوكورنو أن عدم سقوط حصيلة أكبر من الضحايا كان بمثابة معجزة، مؤكداً أن الحكومة لن تخضع للترهيب، ومتهماً مجموعات من اليسار المتطرف وأشخاصاً خارجين عن القانون بالوقوف وراء الاضطرابات.
حرائق واقتحامات.. ماذا حدث في المدن الفرنسية؟
حرائق واقتحامات.. ماذا حدث في المدن الفرنسية؟
لم تقتصر أعمال العنف على المواجهات في الشوارع، بل امتدت إلى مبانٍ حكومية وتاريخية ومقار رسمية، في مشاهد أعادت إلى الواجهة المخاوف من اتساع الاضطرابات وتداعياتها على الممتلكات العامة والحياة الاقتصادية.
حريق يدمر أجزاء من بلدية ليموج
حريق يدمر أجزاء من بلدية ليموج
في مدينة ليموج وسط فرنسا، تعرض مبنى البلدية التاريخي، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، لأضرار جسيمة بعدما اقتحمه محتجون ملثمون وأضرموا النار فيه.
وأفادت السلطات المحلية بأن الحريق أدى إلى انهيار أجزاء من المبنى، فيما عملت فرق الإطفاء على السيطرة على النيران.
النيران تطال مبنى تاريخياً في ليون
النيران تطال مبنى تاريخياً في ليون
وفي ليون، جنوب شرقي البلاد، اندلع حريق في أحد فروع مكتب السياحة بوسط المدينة، داخل مبنى تاريخي بارز.
ووصف رئيس البلدية غريغوري دوسيه الحادث بأنه مأساة، معبّراً عن حزنه للأضرار التي طالت أحد معالم المدينة. وأشارت الشرطة المحلية إلى أن أشخاصاً وصفتهم بالعدوانيين منعوا فرق الإطفاء من العمل بأمان.
اقتحامات في مرسيليا وليل وبوردو
اقتحامات في مرسيليا وليل وبوردو
وفي مرسيليا، اقتحم محتجون مبنى البلدية لفترة وجيزة بعد تحطيم مدخله، فيما وصف رئيس البلدية بينوا بايان المشاركين بأنهم مخربون.
كما شهدت مدينة ليل اقتحام مبنى البلدية وتخريب أجزاء منه، بينما أعلنت السلطات المحلية في بوردو تعرض المقر الرسمي لإقامة المحافظة للنهب والتخريب.
وفي غرونوبل، اندلع حريق في مبنى بوسط المدينة بالتزامن مع أعمال عنف ونهب.
وألقى بعض المحتجين مقذوفات وأطلقوا ألعاباً نارية باتجاه قوات الأمن، فيما انتشر عناصر الشرطة بكثافة في عدد من أحياء العاصمة.
وفي حادث منفصل، استهدف نحو مئة شخص مقر قناة «سي نيوز» التلفزيونية، المملوكة للملياردير المحافظ فانسان بولوريه، وألقوا مقذوفات باتجاه واجهته، بحسب الشرطة.
لماذا يتظاهر الفرنسيون؟ غلاء المعيشة والتعليم في صلب الأزمة
لماذا يتظاهر الفرنسيون؟ غلاء المعيشة والتعليم في صلب الأزمة
تعود جذور الاحتجاجات إلى مجموعة من المطالب الاجتماعية والاقتصادية، في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب الاعتراض على نقص الموارد المخصصة للتعليم.
وكانت الحركة قد بدأت قبل أسابيع، مع احتجاجات قادها تلاميذ مدارس ثانوية منذ أواخر أيلول، للمطالبة بزيادة الإنفاق على المدارس وتحسين ظروف التعليم.
وانطلقت التحركات من مدارس في ضواحٍ فقيرة شمال باريس، وسط شكاوى من نقص المعلمين والموظفين، واكتظاظ الصفوف، وتدهور حالة المباني المدرسية. ثم اتسعت رقعة الاحتجاجات مع إغلاق مداخل مئات المدارس وانضمام نقابات عمالية ومجموعات أخرى إلى التحركات.
وخلال الأسابيع الماضية، شهدت الاحتجاجات الطلابية مواجهات مع الشرطة، وأثارت أساليب التعامل الأمني مع المتظاهرين انتقادات. كما فقد فتى يبلغ 15 عاماً إحدى يديه بعدما التقط قنبلة صوتية خلال الاحتجاجات، فيما تحقق هيئة الرقابة على الشرطة في شكاوى تتعلق باستخدام العنف من جانب أفرادها.
وقالت طالبة شاركت في احتجاجات مرسيليا إن التحركات تهدف إلى الاعتراض على ضعف الموارد المخصصة للتعليم وعنف الشرطة.
ومع انتقال الاحتجاجات إلى الشوارع والمدن الكبرى، أصبحت المطالب الاقتصادية جزءاً أساسياً من الحراك، في ظل شعور قطاعات من الفرنسيين بأن ارتفاع الأسعار لا يقابله تحسن مماثل في الأجور.
ضغوط اقتصادية وقلق من تداعيات أعمال الشغب
ضغوط اقتصادية وقلق من تداعيات أعمال الشغب
تواجه فرنسا ضغوطاً اقتصادية مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية منذ عام 2024، بالتزامن مع مساعي الحكومة لخفض الدين العام، الذي يُتوقع أن يتجاوز 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل.
وفي هذا السياق، حذر رئيس اتحاد التجارة والتوزيع الفرنسي ألكسندر بومبار من أن أعمال العنف والنهب قد تترك عواقب اقتصادية ومالية كبيرة، خصوصاً في ظل الأضرار التي لحقت بالمؤسسات والمتاجر في عدد من المدن.
ولا تقتصر الخسائر المحتملة على الممتلكات التي تعرضت للتخريب، بل قد تمتد إلى النشاط التجاري وثقة المستثمرين وأصحاب الأعمال، إذا استمرت الاضطرابات أو تكررت في مناطق مختلفة.
من جهته، دعا وزير التعليم إدوار جيفري إلى وقف أعمال العنف، مشدداً على أن الحوار هو السبيل لمعالجة الأزمة.
الانتخابات الرئاسية تزيد حساسية المشهد السياسي
الانتخابات الرئاسية تزيد حساسية المشهد السياسي
تكتسب الاحتجاجات أهمية سياسية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، وفي ظل افتقار الحكومة إلى أغلبية برلمانية، ما يزيد صعوبة إدارة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
وتحولت التحركات إلى محور للتجاذب بين القوى السياسية، في وقت يتواجه فيه زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن ضمن مشهد انتخابي شديد الاستقطاب.
وأعلن ميلانشون دعمه للحركة الطلابية، وشارك في إحدى المظاهرات المؤيدة لها، فيما تبنى حزب «التجمع الوطني» موقفاً داعماً للشرطة. وحذر رئيس الحزب جوردان بارديلا من استغلال الاحتجاجات سياسياً من جانب ميلانشون وأنصاره.
وفي المقابل، اتهم لوكورنو مجموعات من اليسار المتطرف بالسعي إلى توظيف العنف في سياق الانتخابات، مؤكداً أن الحكومة لن تسمح بفرض أجندات سياسية من خلال أعمال الشغب. وتبقى هذه الاتهامات جزءاً من المواجهة السياسية الدائرة، فيما تتداخل المطالب الاجتماعية مع الخلافات الحزبية.
هل تنجح كلمة ماكرون في احتواء الأزمة؟
هل تنجح كلمة ماكرون في احتواء الأزمة؟
تواجه الرئاسة الفرنسية مهمة تتجاوز إدانة التخريب والتعهد بمحاسبة المتورطين؛ إذ ترتبط قدرة السلطات على احتواء الاحتجاجات بالتعامل مع أسبابها الاجتماعية والاقتصادية، من غلاء المعيشة إلى مشكلات التعليم وتراجع القدرة الشرائية.
وفي حين تتمسك الحكومة بخطاب الحزم تجاه أعمال العنف، تبرز الحاجة إلى معالجة المطالب التي دفعت أعداداً كبيرة إلى الشوارع، من دون الخلط بين الاحتجاج السلمي والتخريب والنهب.
ومن المتوقع أن تشكل كلمة ماكرون مؤشراً إلى اتجاه التعامل الرسمي مع المرحلة المقبلة، فيما ستبقى تداعيات الاضطرابات حاضرة في النقاش السياسي والاقتصادي الفرنسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.