ماذا قال مخيم شاتيلا لإدوارد سعيد؟ 

صحيفة الأخبار: مروان عبد العال

يستعيد الكاتب مروان عبد العال، في صحيفة «الأخبار»، ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا من زاوية إنسانية وفكرية تتجاوز استحضار المأساة بوصفها حدثاً من الماضي. فمن خلال واقعة شخصية تعود إلى عام 2003، حين مُنعت زيارة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد إلى مخيم شاتيلا، يفتح عبد العال نقاشاً واسعاً حول الذاكرة، ودور المثقف، وعلاقة السلطة بالمكان، والخوف من الشهادة التي يمكن أن تكشف ما تحاول السياسات إخفاءه.

ويربط الكاتب بين الذكرى السنوية للمجزرة وبين استمرار الحضور الفلسطيني في الذاكرة العالمية، مستشهداً بالوفود الإيطالية التي تعود إلى شاتيلا كل عام لإحياء الذكرى والاستماع إلى أهالي المخيم. وفي هذا المشهد يرى أن المأساة لم تُدفن مع ضحاياها، وأن الذاكرة قادرة على الانتقال من جيل إلى جيل، رغم محاولات النسيان والمحو.

ينطلق مروان عبد العال من حادثة تبدو في ظاهرها بسيطة: مفكر فلسطيني كبير يريد زيارة مخيم فلسطيني ومقبرة جماعية، لكن الزيارة تُمنع بقرار أمني تحت عنوان «أوامر عليا». غير أن الكاتب يحوّل هذه الحادثة إلى سؤال سياسي وفكري كبير: لماذا كان يُخشى من وصول إدوارد سعيد إلى شاتيلا؟

يرى عبد العال أن زيارة سعيد لم تكن مجرد زيارة تضامنية أو بروتوكولية، بل كانت تحمل معنى يتصل مباشرة بوظيفة المثقف. فإدوارد سعيد، الذي ارتبط اسمه بنقد الاستعمار والإمبريالية وبالدفاع عن القضية الفلسطينية، كان سيصل إلى مكان تختزن تربته واحدة من أكثر صفحات التاريخ الفلسطيني واللبناني ألماً. ومن هنا تصبح الزيارة نوعاً من الشهادة، لأن المثقف حين يرى المكان ويسمع أهله ويقترب من الضحايا، يصبح شاهداً على الحقيقة لا مجرد مراقب لها.

وتبرز في المقال المفارقة الأساسية: مخيم شاتيلا كان يستعد لاستقبال سعيد بكل تفاصيله؛ الأطفال عند المدخل، النساء وكبار السن، اللافتات، الورود، وتنظيف المكان. لكن قرار المنع لم يمنع اللقاء، بل دفع أهالي المخيم إلى نقل شاتيلا نفسها إلى الفندق الذي كان سعيد موجوداً فيه. وهنا تأتي العبارة المحورية في المقال: «لم تحضر إلى شاتيلا، فشاتيلا حضرت إليك». وهي تختصر فكرة أن المكان لا يُختزل بجغرافيته، وأن الذاكرة تستطيع أن تنتقل مع أصحابها، حتى عندما يُمنع الجسد من الوصول إلى المكان.

ويعطي الكاتب لهذه الواقعة بعداً سياسياً حين يتساءل عن مصدر «الأوامر العليا»، وعن الجهة التي كانت تخشى من تلك الزيارة. فالمسألة بالنسبة إليه لم تكن في شخص إدوارد سعيد فقط، بل في ما يمكن أن يقوله المخيم عندما يراه مثقف بحجم سعيد، وما يمكن أن تكشفه المقبرة الجماعية والناجون من ذاكرة لا تزال حاضرة.

ومن هنا ينتقل عبد العال إلى القضية الأوسع: وظيفة المثقف في مواجهة السلطة. فالمثقف، وفق رؤيته، لا ينبغي أن يكون مدافعاً عن جماعته فقط، بل مطالباً بالعدالة والكرامة للإنسان أياً كان انتماؤه. ويضع الكاتب هذه المسؤولية في مواجهة الصمت والانغلاق، معتبراً أن قيمة الثقافة تكمن في قدرتها على مساءلة السلطة وكشف الحقائق المغيبة والانحياز إلى العدالة.

كما يقرأ الكاتب المخيم باعتباره أكثر من مساحة للفقر أو اللجوء. إنه نتاج سياسي وتاريخي لحياة دُفعت إلى الهامش، حيث يمكن للإنسان أن يكون حاضراً بجسده وغائباً عن حقوقه. ولذلك فإن شاتيلا، في المقال، ليست مجرد مخيم لبناني للفلسطينيين، بل تصبح رمزاً للجوء والاقتلاع والذاكرة والحق في العودة.

ويوسّع عبد العال دائرة المقارنة بين الماضي والحاضر، فيرى أن مجزرة صبرا وشاتيلا لم تنتهِ بوصفها حدثاً تاريخياً، بل إن أنماطاً من الجريمة ومحاولات إنكارها ومحو آثارها تتكرر بأشكال مختلفة. وينتقل في هذا السياق من شاتيلا إلى جنين وغزة، ليضع المسألة في إطار استمرار الصراع على الأرض والذاكرة والرواية.

ومن أبرز الأفكار التي يطرحها المقال مفهوم «محو المحو». فالمسألة، كما يشرح الكاتب، لا تتعلق فقط بقتل الإنسان، بل بمحاولة إزالة كل ما يثبت وجوده: البيت، والشارع، والمدرسة، والمقبرة، والاسم، والصورة، والرواية. وبذلك يصبح الصراع أيضاً صراعاً على الذاكرة، لأن محو المكان والأثر يمكن أن يفتح الباب أمام محو الحقيقة نفسها.

ويضيف الكاتب بعداً معاصراً حين يتحدث عن تطور أدوات السيطرة والحرب، مشيراً إلى الذكاء الاصطناعي والمراقبة وأنظمة الاستهداف، التي تجعل العنف أكثر برودة وبعداً عن رؤية الإنسان الذي يتحول إلى هدف. وفي هذه النقطة ينتقل المقال من الذاكرة الفلسطينية إلى سؤال أوسع حول التكنولوجيا الحديثة عندما تتحول من أدوات للتقدم إلى أدوات للسيطرة وإدارة الحياة والموت.

وفي المقابل، يحتفظ المقال بمساحة واضحة لفكرة الأمل واستمرار الذاكرة. فالوفود الإيطالية التي تعود إلى شاتيلا كل أيلول تمثل بالنسبة إلى الكاتب دليلاً على أن الحقيقة لا يمكن دفنها بالكامل. هؤلاء لا يزورون المقبرة فقط، بل ينقلون الذاكرة من جيل إلى آخر، ويؤكدون أن ما حدث لم يتحول إلى صفحة منسية.

وتصل المقالة إلى خلاصتها الأساسية عند الربط بين المكان والذاكرة والمقاومة وحق العودة. فحتى عندما مُنع إدوارد سعيد من الوصول إلى شاتيلا، وصلت شاتيلا إليه، وبقي المكان حاضراً من خلال أهله وأسمائه وذاكرته. ومن هنا يرى عبد العال أن هدم البيوت وإزالة الركام لا يعنيان بالضرورة إسقاط الحق، لأن الذاكرة قادرة على إبقاء المكان حاضراً إلى أن يستعيده أصحابه.

المقال، في جوهره، ليس مجرد استعادة لذكرى صبرا وشاتيلا، ولا مجرد حكاية عن زيارة لم تتم. إنه محاولة لطرح سؤال أعمق حول من يملك حق رواية التاريخ، ومن يخشى الحقيقة عندما تصبح الشهادة علنية، وما الذي يستطيع المثقف فعله عندما يصبح المكان نفسه شاهداً.

ويضع مروان عبد العال إدوارد سعيد في قلب هذه المعادلة بوصفه نموذجاً للمثقف الذي لا يكتفي بالكتابة عن القضية، بل يُراد له أن يرى المكان ويسمع أصوات أهله. وفي المقابل، يجعل من شاتيلا شاهداً قائماً بذاته، لا يحتاج إلى أن يصل إليه سعيد حتى يقول ما يريد قوله.

وهكذا تتحول واقعة عام 2003 إلى مرآة للحاضر: مجزرة تُستعاد كل عام، مخيم يحمل ذاكرة الضحايا، مثقف مُنع من الوصول، وأهله قرروا أن يحملوا المخيم إليه. وبين كل ذلك، تبقى الفكرة الأساسية للمقال: قد يُمنع الجسد من الوصول إلى المكان، لكن لا يمكن بسهولة منع المكان من الوصول إلى الذاكرة.

ويختتم الكاتب رؤيته باستعادة قول محمود درويش: «صبرا هوية عصرنا حتى الأبد»، في تأكيد أن صبرا وشاتيلا بالنسبة إليه ليستا مجرد اسمين في سجل المجازر، بل رمزاً لذاكرة فلسطينية مستمرة، ولصراع لم يُحسم بعد على الأرض والهوية والحق والرواية.

 

 

في السادس عشر من أيلول، نستعيد ذكرى مجزرة «صبرا وشاتيلا» التي ارتكبها العدو الإسرائيلي وعملاؤه عام 1982. أربعة وأربعون عاماً مضت، وما زالت الجراح طرية ونازفة وعصيّة على النسيان. وكلما حلّ أيلول ورأيت الوفود الإيطالية تعود إلى شاتيلا، أشعر أن المشهد يعبر المتوسط من الجهة الأخرى: أجيال تحمل أسماء الضحايا، تقف أمام المقبرة الجماعية، وتصغي إلى أهل المخيم. بدأت المبادرة عام 2000، حين أسّس الصحافي ستيفانو كاريني لجنة «كي لا ننسى صبرا وشاتيلا وحق العودة»، بمشاركة صاحب «السفير» الأستاذ طلال سلمان وآخرين، فيما يواصل اليوم الأستاذ قاسم العينا، مدير مؤسسة «أطفال الصمود»، تنظيم الوفود ومتابعتها. وهكذا تأتي الوفود، بأبنائها وأحفادها الذين لم يشهدوا المأساة، إلى مكان المجزرة لتقول لأهل المخيم إنهم لم يُتركوا وحدهم.

إدوارد سعيد: رحلة فكر سعيد على لسان صديقه تزفيتان تودوروف ...
إدوارد سعيد: رحلة فكر سعيد على لسان صديقه تزفيتان تودوروف …

كلما حضروا، كل عام لإحياء الذكرى، أتذكر زيارة أخرى إلى شاتيلا، كنت أحد الذين انتظروها، لكنها لم تأت.
كان ذلك في آذار/مارس 2003، حين ألقى إدوارد سعيد محاضرته «النزعة الإنسانية والمقاومة الفكرية» في قاعة عصام فارس بالجامعة الأميركية في بيروت، أمام حشد غصّت به القاعة، فيما تولى الترجمة الدكتور سماح إدريس. وبعد المحاضرة، تلقيت اتصالاً من الكاتب إلياس خوري، وكان يعمل يومها في «النهار». قال إن سعيد يرغب في زيارة مخيم شاتيلا والمقبرة الجماعية ولقاء بعض سكانه.
لم نتعامل مع الخبر كخبر سياسي؛ تلقيناه في المخيم بشيء أقرب إلى الفرح الشخصي، وكأنّ رجلاً مثقفاً يعرف بعقله الأكاديمي قيمة المكان قرّر أن يأتي إلينا.

كان إدوارد سعيد، صاحب «الثقافة والإمبريالية»، ابن القدس الذي حمل فلسطين في المنفى، سيأتي إلى مخيم حمل واحدة من أكثر صفحات مخيمات لبنان دموية. وأحياناً أتساءل: لو كان بيننا اليوم، هل كان سيحدّثنا عن «الإمبريالية المتوحّشة»؟ ربما كان سيرى أن ما يجري يتجاوز فائض القوة إلى تحوّل في فلسفة السيطرة نفسها: قوة تحتكرها منظومة عالمية، وموت يتحوّل إلى أداة لإدارة الهيمنة، كما يوضح أشيل مبيمبي في مفهوم «سياسات الموت»، حيث تُمنح السلطة حق تحديد من يُترك للحياة ومن يُدفع إلى الفناء.
والأخطر أن هذه الوحشية لا تأتي بوجهها القديم، بل ترتدي قناع الحداثة والتقنية؛ فالذكاء الاصطناعي والمراقبة وأنظمة الاستهداف تجعل القتل أكثر دقّة وأشد برودة وأبعد عن رؤية الإنسان الذي يقع ضحية له. هنا لا تعود التكنولوجيا مجرد أداة للحرب، بل تصبح جزءاً من فلسفة السيطرة: إدارة الحياة بالمراقبة، والموت بالقوة، والذاكرة بالمحو.

 

بدأت مع آخرين بتنظيف مكتب الجبهة، من المدخل إلى الصالون فالحمام، ثم انتقلنا إلى قاعة الشعب الملاصقة. أذكر مواد التنظيف وسطل الدهان الأبيض الذي تبرّع به أحدهم، وكأننا كنا نريد أن نعيد للمكان شيئاً من الضوء قبل أن يصل إليه الزائر الاستثنائي.
كتبنا اللافتات على الكرتون والقماش، وانتقينا العبارات واحدة واحدة، ووضعنا بعض أقوال سعيد بينها. كنت أقرأ الكلمات قبل أن نرفعها، وأفكر كيف يمكن لمخيم صغير أن يخاطب مفكّراً بهذا الحجم من دون أن يفقد عفويته.
ثم وزّعنا الأدوار: الأطفال عند المدخل، النساء وكبار السن في قاعة الشعب، والشباب في المكتب. حتى مسار الزيارة أعددناه: ناقشنا احتمال التوجه إلى مقبرة الشهداء خارج المخيم، أو إلى المقبرة الواقعة تحت الجامع، وأبلغنا اللجنة الشعبية بالبرنامج. كنت أتخيّل سعيد يمشي بين الأزقة، وأننا سنمشي معه في المكان الذي اختُطفت منه إحدى أكثر صفحات هذه الرواية وجعاً.

دخلنا المكتب، وحضر مسؤول أمني ليبلغنا أن «أبو السعيد هذا» ــ هكذا سمّاه ــ شخص «صاحب مشاكل»، وأن هناك قراراً بتعطيل الزيارة

مجزرة صبرا وشاتيلا
مجزرة صبرا وشاتيلا

لكنّ السياسة كان لها رأي آخر.
قبل وصوله، أغلقت القوة الأمنية الفلسطينية باب المخيم، ومُزّقت بعض اللافتات. وبقيت في ذاكرتي واحدة من اللافتات المضادة تحديداً: «لا أهلاً وسهلاً برجال أوسلو!».
دخلنا المكتب، وحضر مسؤول أمني ليبلغنا أن «أبو السعيد هذا» ــ هكذا سمّاه ــ شخص «صاحب مشاكل»، وأن هناك قراراً بتعطيل الزيارة.
سألناه: لماذا؟ ومن صاحب هذا القرار الأحمق؟
جاء الجواب: «أوامر عليا… وحتى لا تصير مشاكل».

أتذكّر وقْع العبارة أكثر مما أتذكّر تفاصيل النقاش؛ فقد بدا لي غريباً أن تكون زيارة مفكر فلسطيني إلى مخيم فلسطيني هي المشكلة.
وصل الخبر إلى إلياس خوري، وبعد التشاور أُبلغنا بإلغاء الزيارة. أتذكّر تلك اللحظة جيداً؛ كان علينا أن نقرر ماذا نفعل بكل ما أعددناه: الأطفال الذين انتظروا عند المدخل، والنساء اللواتي ارتدين لباسهن الفلسطيني المُطرّز، والورد، واللافتات، وذلك الشعور الذي ملأ المخيم منذ لحظة وصول الخبر. لم نرد أن نعيد كل شيء إلى مكانه وكأنّ شيئاً لم يحدث.
قلت، أو اتفقنا، بأننا إذا لم نستطع أن نأخذ سعيد إلى شاتيلا، فسنأخذ شاتيلا إليه. صعدنا إلى الحافلة واتجهنا إلى فندق في قلب الحمرا، حيث كان سعيد يجلس مع فيصل دراج، وإلياس خوري، وسماح إدريس. كان انتقالنا من المخيم إلى الفندق أشبه بمحاولة لإنقاذ اللقاء من قرار المنع.

36 عاما على مجزرة "صبرا وشاتيلا".. جراح لم تندمل | أخبار | الجزيرة نت
36 عاما على مجزرة “صبرا وشاتيلا”.. جراح لم تندمل | أخبار | الجزيرة نت

دخلنا إلى ردهة الفندق جماعة. كان بيننا رجال كبار من المخيم وجيل البلاد، بالحطات والعقال، ونساء بالشال والأزياء الشعبية الفلسطينية، وباقات ورد. وأنا أنظر إليهم، شعرت أنني لم أخرج من شاتيلا وحدي؛ كان المخيم كله معنا.
لم نحمل ورداً فقط، بل حملنا أسماء الذين غابوا، ووجوه الذين بقوا، وأشياء كثيرة لم نستطع أن نقولها في المخيم. حين وقفنا أمام سعيد، لم نحتج إلى خطاب طويل. قال المخيم: «لم تحضر إلى شاتيلا، فشاتيلا حضرت إليك».
كانت الجملة أكثر من عبارة ترحيب؛ كانت موقفاً واضحاً: المخيم ليس مسؤولاً عن قرار المنع، وإلغاء الزيارة لا يعني إلغاء اللقاء. ومن استطاع إلغاء الزيارة لم يستطع إلغاء اللقاء. تعال وانظر.

ومنذ ذلك اليوم، ظل سؤال واحد يرافقني: من أصدر «الأوامر العليا»؟ وممَّ كان الخوف؟
ثم عن مغزى «الزيارة»: ليس مجرد حركة رمزية، بل هي استدعاءٌ لوظيفة المثقف كشاهدٍ على زمنه، يمارس نقده العلني لممارسات السلطة، ويكشف حقائقها المغيّبة، ويطالب بالعدالة دون خوف من عقابها أو نفور مجتمعه. وهذا الواجب يتجاوز حدود الانتماء الضيق؛ فمن خسة الأخلاق أن يناضل المثقف من أجل عدالة طائفته فقط، ويُغمِض عينيه عن حق اللاجئين بالكرامة والعدالة، إذ الرسالة النبيلة تقتضي أن تكون المطالبة بالحق شاملةً للجميع، مهما كلفه ذلك من ثمن.

ثم أن يرى ما بعد المجزرة، وأن المخيم ليس عنواناً للبؤس فقط؛ سيرى أنه إنتاج سياسي لحياةٍ تُدفع إلى الهامش، إلى ذلك «الفضاء الاستثنائي» الذي يصبح فيه الإنسان حاضراً بجسده وغائباً بحقوقه. أحياناً أعود إلى ذلك اليوم وأسأل نفسي السؤال الأبسط والأشد قسوة: من كان يخشى أن يرى إدوارد سعيد مخيم شاتيلا؟

ربما لم نعرف الإجابة يومها، لكننا عرفنا أن الخوف لم يكن من سعيد وحده، بل مما يمكن أن يقوله المكان: ذلك الرمز الذي تقف فيه المجزرة وجهاً لوجه أمام الذاكرة، ويظهر فيه ما يراد له أن يبقى خارج الصورة.
اليوم، بعد أكثر من عقدين، تبدو لي تلك اللحظة علامة فارقة. «صبرا وشاتيلا» لم تكن ذكرى لمجزرة انتهت، بل كانت إنذاراً بمجزرة تتكرر بأسماء وأدوات أخرى. من مخيم إلى مخيم، ومن شاتيلا إلى جنين إلى غزة، تتواصل الجريمة، ويتواصل معها إنكارها ومحاولة محو آثارها، بل وقلب حقيقتها: تحويل الضحية إلى متهم، والمقتول إلى مسؤول عن مقتله، والمُقتلع إلى سبب اقتلاعه.

وهنا يصبح «محو المحو» أكثر من استعارة؛ إنه معركة على الوجود نفسه. فالإبادة لا تكتفي بقتل الإنسان، بل تسعى إلى إزالة الشروط التي تثبت أنه كان هنا: البيت، والمكان، والشارع، والمدرسة، والمقبرة، والاسم، والصورة، والرواية. وحين يُمحى الأثر، يصبح القتل قابلاً للإنكار؛ وحين تُمحى الرواية، يصبح المجرم قادراً على كتابة رواية الضحية.

لذلك، حين أرى الإيطاليين يعودون إلى صبرا وشاتيلا كل أيلول، لا أراهم مجرد وفود تضامن؛ أراهم شهوداً على أن ما حاول التجاهل دفنه في شاتيلا لم يُدفن، وأن الحقيقة، مهما طال إنكارها، تجد دائماً من يحملها من مقبرة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.
لذلك لن تُكتب نهاية فلسطين بآلة الحرب، ولن تُرسم جغرافيتها فوق ركام أهلها على أرض فلسطين أو في الشتات، ولن يتحوّل صمت العالم إلى شرعية. ما دام الفلسطيني متمسكاً بأرضه وحقه، ستبقى مشاريع المحو بلا شرعية، وستبقى محاولات الاقتلاع فعلَ قوة لا يصنع حقاً.

وربما لهذا عادت شاتيلا إلى إدوارد سعيد حين مُنع من الوصول إليها: لأن المكان يصل حين يُمنع عنه الجسد. قد تُهدم البيوت ويُزال الركام، لكن لا تُمحى الذاكرة ولا يسقط الحق. فالمقاومة أن يبقى المكان حاضراً، وحق العودة أن يستعيده أصحابه؛ وأن يظل «هنا» شاهداً على من مرّوا فيه، ومن اقتُلعوا منه، ومن سيعودون إليه.
ولعل أصدق ما يلخّص استمرار مجزرة المخيم بأشكال أخرى، قول محمود درويش: «صبرا هوية عصرنا حتى الأبد».

* كاتب فلسطيني

 

شاركها.