مأزق البيت الأبيض…
جريدة الأخبار: حسن حردان

يضع حسن حردان في مقاله «مأزق البيت الأبيض» الحرب الأميركية المفتوحة مع إيران في سياق يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، ليضعها أمام اختبار داخلي شديد الحساسية عنوانه الانتخابات النصفية وكلفة القرار العسكري على إدارة دونالد ترامب. فالحرب، وفق قراءة المقال، لم تعد مجرد مواجهة في الخليج، بل تحوّلت إلى عبء سياسي واقتصادي يضغط على البيت الأبيض والحزب الجمهوري معاً، في وقت تتراجع فيه شعبية ترامب وتتزايد مخاوف الناخب الأميركي من انعكاسات المواجهة على الأسعار والمعيشة.

قراءة في المقال
قراءة في المقال

قراءة في المقال

ينطلق حردان من فكرة أساسية مفادها أن البيت الأبيض بات عالقاً بين خيارين صعبين: الاستمرار في التصعيد العسكري، أو الذهاب إلى تهدئة قد تُفسَّر سياسياً على أنها تراجع أمام إيران. وفي الحالتين، تبدو الإدارة الأميركية أمام فاتورة مرتفعة، سواء على مستوى الميدان أو على مستوى الداخل الأميركي.

ويركّز المقال على الانقسام داخل الحزب الجمهوري، بين جناح يدفع نحو مواصلة الضغط العسكري وتوسيع العمليات، وبين تيار أكثر براغماتية يخشى أن تتحول الحرب إلى عبء انتخابي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وهنا تبرز المفارقة: كلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة فصل السياسة الخارجية عن الحسابات الانتخابية الداخلية.

ويشير حردان أيضاً إلى أن المشكلة لا تتوقف عند الانقسام السياسي، بل تمتد إلى المؤسسة العسكرية نفسها، مع مخاوف من استنزاف الذخائر والقدرات العسكرية، وما قد يترتب على ذلك من تأثير في جاهزية القوات الأميركية لجبهات أخرى. وبالتالي، فإن استمرار المواجهة لا يعني فقط رفع مستوى المخاطر مع إيران، بل استنزافاً تدريجياً للأدوات الأميركية.

أما العامل الأكثر حساسية، بحسب المقال، فهو الاقتصاد والمعيشة. فارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف المعيشة يمكن أن يتحول إلى عنصر مباشر في تحديد سلوك الناخب الأميركي. وهنا يحاول حردان الربط بين ما يجري في الخليج وما يحدث داخل الولايات المتحدة، معتبراً أن الحرب عندما تصل إلى جيب المواطن الأميركي تصبح قضية انتخابية بامتياز.

ويبرز في هذا السياق تراجع شعبية ترامب، الذي يقدمه المقال بوصفه مؤشراً إلى تآكل جزء من الرصيد السياسي الذي استندت إليه الإدارة. والأهم أن الاستياء، وفق القراءة المطروحة، لم يعد محصوراً في خصوم ترامب، بل بدأ يفرض نفسه داخل القاعدة الجمهورية نفسها، خصوصاً لدى الناخب الذي يريد من شعار «أميركا أولاً» أن يعني التركيز على الاقتصاد والأسعار والوظائف قبل الانخراط في حروب طويلة خارج الحدود.

ومن هنا يصل المقال إلى الانتخابات النصفية بوصفها المحطة التي يمكن أن تعيد رسم التوازن السياسي داخل واشنطن. فإذا استمرت الحرب وتفاقمت تداعياتها الاقتصادية، يمكن للديمقراطيين استثمار حالة الاستياء، وتحويل الحرب من ملف خارجي إلى ورقة انتخابية ضد الجمهوريين وإدارة ترامب.

واللافت في طرح حردان هو أنه لا يتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة منفصلة عن السياسة الأميركية، بل يرى أن الميدان والكونغرس والاقتصاد وصناديق الاقتراع أصبحت حلقات مترابطة في أزمة واحدة. فكل تصعيد عسكري يمكن أن تكون له كلفة سياسية، وكل ارتفاع في أسعار الطاقة يمكن أن يتحول إلى سؤال انتخابي، وكل تراجع في الشعبية يضيّق هامش المناورة أمام البيت الأبيض.

مأزق سياسي وانتخابي واقتصادي متداخل
مأزق سياسي وانتخابي واقتصادي متداخل

الخلاصة التي يقود إليها المقال هي أن مأزق ترامب ليس عسكرياً فقط، بل مأزق سياسي وانتخابي واقتصادي متداخل. فالبيت الأبيض يريد الحفاظ على صورة القوة وعدم تقديم تنازلات لطهران، لكنه في الوقت نفسه يواجه واقعاً داخلياً قد يجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من نتائجها العسكرية نفسها.

وبقراءة حردان، تصبح المعادلة أكثر وضوحاً: الحرب التي تخوضها واشنطن في الخارج باتت تُخاض سياسياً داخل أميركا أيضاً، والاختبار الحقيقي لترامب لن يكون في ساحات المواجهة وحدها، بل أمام الناخب الأميركي وصندوق الاقتراع.

تتحوّل المواجهة العسكرية الأميركية المفتوحة مع إيران إلى اختبار وجودي ليس فقط على جبهة الخليج العربي، بل في أروقة السياسة الداخلية الأميركية. ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، تجد الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب نفسها محاصَرة بين متطلبات الحسم الجيوسياسي وتكلفة البقاء السياسي الباهظة. تكشف تقارير وكالة “رويترز” ومؤشرات الرأي العامة عن أزمة هيكلية تعصف بالمعسكر الجمهوري، تتجاوز الخلافات التقليدية لتلامس مصير السيطرة على المؤسسة التشريعية برمتها.

أولاً: التصدّع الداخلي: صقور الحزب الجمهوري في مواجهة براغماتيّي البيت الأبيض
يعيش الحزب الجمهوري على وقع استقطاب حادّ حيال إدارة ملف الحرب مع إيران. فمن جهة، يندفع جناح “الصقور” نحو توسيع نطاق العمليات العسكرية والمراهنة على فرض واقع ردع مطلق، بينما يضغط مستشارو البيت الأبيض والبراغماتيون باتجاه “هدوء تكتيكي” واحتواء فوري للأزمة:
ـ هواجس الحفاظ على الأغلبية: يدرك مستشارو ترامب أنّ تحويل الانتخابات النصفية إلى استفتاء على حرب مكلفة قد يعصف بالأغلبية الضئيلة للجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب.
ـ الضغط العسكري المعاكس: يواجه هذا التوجه التكتيكي برفض ضمني من المؤسسة العسكرية والبنتاغون التي تحذر من استنزاف مخزونات الذخائر دقيقة التوجيه وتقويض جاهزية القوات في جبهات بديلة، بالتوازي مع عناد إيراني يستغل هذه الثغرات الزمنية لخلط الأوراق ميدانياً.

ثالثاً: تراجع شعبية ترامب ومعضلة “الاقتصاد والمعيشة”
لم يعد تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب (التي تراوحت بين 33% و32% في أحدث استطلاعات رويترز/ إبسوس وجامعة ماساتشوستس) مجرد رقم عابر، بل مؤشر على تآكل القاعدة الشعبية العريضة لترامب التي جاءت به الى البيت الابيض نتيجة:
1 ـ فاتورة أسعار المحروقات: يربط الشارع الأميركي بشكل عضوي بين استمرار العمليات العسكرية في المضائق الحيوية وارتفاع أسعار البنزين وتكلفة المعيشة. وحين يعارض أكثر من 60% من الناخبين هذه الحرب، تصبح كلفة استمرارها مرتبطة مباشرة بفقدان ثقة الناخب المستقل.
2 ـ تصدّع الولاء الحزبي: بدأت شقوق واضحة تظهر حتى داخل القواعد المؤيدة لترامب، حيث يرى القطاع المتضرّر من أزمات التضخم أنّ الانخراط في مغامرات خارجية طويلة الأمد يتعارض مع شعارات “أميركا أولاً” الاقتصادية البحتة.
رابعاً: التداعيات المحتملة على الانتخابات النصفية

تلقي هذه المعطيات بظلال قاتمة على مستقبل الجمهوريين في الاستحقاق الانتخابي القادم للأسباب الآتية:
السبب الأول، فقدان الزخم التشريعي: تمنح حالة الاستياء العام دفعة قوية للحزب الديمقراطي لاستثمار الورقة الاقتصادية والسياسية الخارجية، مما يرفع احتمالات انتقال السيطرة على أجزاء واسعة من الكونغرس إلى المعارضة.
السبب الثاني، تآكل ورقة الكفاءة الاقتصادية: تقليديًا، كان الناخب الأميركي يثق بالجمهوريين في إدارة الاقتصاد، لكن ضغوط الحرب والركود المصاحب لها سحبت هذه الورقة من أيديهم، مساويةً بينهم وبين الديمقراطيين في مؤشرات عدم الرضا العام.
تؤكد هذه المعطيات أنّ رهان البيت الأبيض على فصل المسار العسكري عن الاستحقاق الانتخابي بات متعذراً. فكلّ قذيفة تُطلق في الخليج لها ارتداد مباشر في صناديق الاقتراع الأميركية، ما يضع ترامب ومستشاريه أمام خيار مرّ: إما التسليم بتهدئة قسرية ومكلفة سياسياً مع طهران، أو المكابرة عسكرياً واجتياز عاصفة غضب شعبي غير مسبوقة في صناديق تشرين الثاني المقبل…

شاركها.