لماذا ذهب مدير الـCIA إلى موسكو؟ تحقيق في رسالة راتكليف السرية إلى الكرملين

كتب باسم الموسوي

لم تكن رحلة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو في 25 آب زيارة عادية، مهما حاول الرئيس دونالد ترامب التقليل من أهميتها بوصفها «شبه روتينية». فمديرو الـCIA لا يزورون العاصمة الروسية بصورة روتينية، ولم يذهب أي مدير للوكالة إلى موسكو منذ تشرين الثاني 2021، عندما حمل وليام بيرنز إلى القيادة الروسية تحذيراً مباشراً بأن الولايات المتحدة تعرف أن فلاديمير بوتين يستعد لغزو أوكرانيا.

بعد خمسة أعوام تقريباً، تكرر المشهد بصورة مختلفة: طائرة عسكرية أميركية ضخمة، زيارة قصيرة وغير معلنة، لقاءات استخبارية مغلقة، وعودة سريعة إلى واشنطن. لكن هذه المرة لم يعد الغرض من الرحلة مجرد تكهن صحافي. معلومات نشرتها Wall Street Journal ثم أكدتها مصادر لشبكة ABC تقول إن راتكليف ذهب، في جزء أساسي من مهمته، لتحذير روسيا من مهاجمة أي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي. وناقش أيضاً ملف إيران.

إن صحّت هذه الصورة كاملة، فنحن أمام واحدة من أكثر الرحلات الاستخبارية الأميركية حساسية منذ بدء الحرب الأوكرانية، لأن واشنطن لا تبدو قلقة فقط مما يفعله بوتين في أوكرانيا، بل مما قد يفعله خارجها.

رحلة كان يفترض أن تكون سرية

غادر راتكليف واشنطن يوم الأحد، لكن خط سير الرحلة يكشف الكثير عن طبيعتها. أقلعت طائرة C-17A Globemaster III من قاعدة أندروز، وتوجهت أولاً إلى ريغا في لاتفيا، حيث بقيت نحو 24 ساعة، قبل أن تنطلق صباح الثلاثاء إلى موسكو.

ووصلت طائرة أميركية ثانية، من طراز C-40B والمستخدمة لنقل كبار المسؤولين، إلى ريغا أيضاً، وإن لم تظهر بيانات الرحلات العامة أنها تابعت طريقها إلى موسكو.

محطة لاتفيا ليست تفصيلاً هامشياً. فهي إحدى دول البلطيق الثلاث التي ستكون في قلب أي اختبار روسي محتمل للناتو. وقد أفادت مصادر لاحقاً بأن مسؤولين في البلطيق كانوا على علم مسبق بالرحلة.

وصلت الـC-17 إلى موسكو بعد التاسعة صباحاً، وبقي راتكليف هناك ساعات قليلة. ورُصد موكب بسيارات ذات لوحات دبلوماسية في شارع نوفي أربات وسط موسكو، قرب منشأة عسكرية روسية. ثم أقلعت الطائرة بعد الخامسة والنصف مساء وعادت إلى ريغا. وتقول بيانات الرحلة التي نقلتها Washington Post إن الطائرة بقيت في موسكو نحو ثماني ساعات ونصف.

في اليوم التالي، أقر الكرملين بما حدث.

قال المتحدث دميتري بيسكوف إن راتكليف أجرى محادثات مع نظرائه في أجهزة الاستخبارات الروسية، وإنه لم يجتمع ببوتين شخصياً، لكنه أضاف عبارة مهمة: الرئيس الروسي أُبلغ فوراً بمضمون الاتصالات. ثم أكد مدير الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين أنه عقد «اجتماع عمل» مع مدير الـCIA.

أي أن الرسالة وصلت إلى بوتين حتى من دون أن يجلس راتكليف أمامه.

أوكرانيا أوقفت بعض ضرباتها من أجل الرحلة

ثمة تفصيل آخر يؤكد حساسية المهمة.

قبل دخول الوفد الأميركي موسكو، أبلغت واشنطن كييف بأن وفداً رفيع المستوى سيزور العاصمة الروسية وطلبت منها تعليق بعض الضربات بعيدة المدى خلال وجوده هناك.

وبحسب مسؤول أوكراني تحدث إلى Associated Press، لم يكن الطلب وقفاً شاملاً للضربات داخل روسيا، بل شمل موسكو وسان بطرسبورغ وبعض المناطق الشمالية. واستمرت العمليات الأوكرانية في مناطق روسية أخرى.

هذا إجراء مفهوم أمنياً، لكنه يكشف أيضاً أن الرحلة خُطط لها مسبقاً على مستوى عالٍ، وأن واشنطن أرادت منع وقوع ضربة أوكرانية أثناء وجود مدير الـCIA في العاصمة الروسية يمكن أن تفجر أزمة أو تعرض الوفد للخطر.

وهذا يجعل وصف ترامب للزيارة بأنها «شبه روتينية» أكثر صعوبة في التصديق.

الرسالة: لا تختبروا المادة الخامسة

ما الذي استدعى كل هذه الإجراءات؟

المعلومات الأحدث تقدم جواباً أكثر تحديداً من التخمينات الأولى. مصادر مطلعة قالت إن راتكليف حمل تحذيراً من أن أي هجوم روسي على دولة عضو في الناتو سيقابل برد أميركي.

خلف هذا التحذير توجد تقديرات استخبارية أميركية جديدة أثارت القلق في واشنطن.

لماذا ذهب مدير الـCIA إلى موسكو؟ تحقيق في رسالة راتكليف السرية إلى الكرملين
السيناريو الذي تخشاه أجهزة الاستخبارات ليس بالضرورة غزواً روسياً واسعاً لبولندا أو ألمانيا. إنه شيء أصغر وأكثر التباساً: هجوم سيبراني واسع، عملية عسكرية محدودة، استفزاز مسلح، أو حتى توغل بري صغير في إحدى دول البلطيق.

وهنا يصبح صغر العملية جزءاً من خطورتها.

فلو اجتاحت روسيا دولة أوروبية بجيش ضخم، فلن يبقى مجال كبير للغموض. أما عملية محدودة فيمكن تصميمها لكي تطرح على واشنطن السؤال الأصعب: هل تدخل الولايات المتحدة حرباً مباشرة مع روسيا، الدولة النووية، من أجل رقعة صغيرة من الأرض؟

هذا هو اختبار المادة الخامسة الحقيقي.

بوتين لا يحتاج، وفق هذا السيناريو، إلى الانتصار على الناتو. يكفي أن يثبت أن ضمانة الدفاع الجماعي ليست تلقائية.

فإذا تحركت روسيا ولم تتحرك أميركا، تصبح نتيجة العملية السياسية أكبر بكثير من مساحتها الجغرافية. عندها ستبدأ إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا وفنلندا وبقية أوروبا بإعادة حساب معنى المظلة الأميركية نفسها.

لماذا قد يجازف بوتين الآن؟

للوهلة الأولى، يبدو توقيت مغامرة روسية ضد الناتو غير منطقي. موسكو غارقة أصلاً في حرب استنزاف مكلفة في أوكرانيا.

لكن هنا تظهر المفارقة التي تفسر القلق الأميركي: قد يكون ضعف روسيا النسبي أحد أسباب المغامرة، لا مانعاً منها.

أصبحت أوكرانيا أكثر قدرة على ضرب العمق الروسي بالمسيّرات، بما في ذلك البنى العسكرية ومنشآت الطاقة. وفي الوقت نفسه، جعل انتشار المسيّرات والاستطلاع الفوري الحركة على أجزاء من الجبهة شديدة الخطورة. ورغم الخسائر الكبيرة، لا تحقق القوات الروسية تقدماً يتناسب مع حجم الموارد البشرية والمادية التي تنفقها.

وتشير معلومات استخبارية غربية حديثة إلى أن روسيا تجري اختبارات استعداد لتعبئة عسكرية جديدة. ومن أكثر الأماكن إثارة للانتباه كالينينغراد، حيث أشرف ضباط روس على إجراءات تتعلق بكيفية استدعاء السكان وإيوائهم وتسليحهم في حال صدور قرار بالتعبئة. الكرملين ينفي أن تكون تلك تدريبات على تعبئة جديدة ويصفها بتدريبات اعتيادية.

لكن الاستخبارات الغربية تراقب كالينينغراد لسبب آخر.

فالجيب الروسي يقع بين بولندا وليتوانيا، وبجواره ممر سوالكي الذي يصل دول البلطيق ببقية أراضي الناتو ويفصل كالينينغراد عن بيلاروسيا.

في أي أزمة روسية–أطلسية، يصبح هذا الشريط الجغرافي بالغ الحساسية.

ولهذا أيضاً نفذ الناتو أخيراً مناورات جوية قرب كالينينغراد شاركت فيها طائرات أميركية ونرويجية وقوات بولندية.

نحن، إذاً، أمام طرفين يرسلان إشارات متبادلة: موسكو تختبر الاستعداد للتعبئة، والناتو يستعرض قدرته على العمل قرب الجيب الروسي، ومدير الـCIA يذهب شخصياً إلى موسكو.

العامل الذي غيّر الحساب: إيران

لكن أوكرانيا وحدها لا تفسر التوقيت.

هناك حرب أخرى في الخلفية: إيران.

وهذا ما يجعل زيارة راتكليف أكثر أهمية بالنسبة إلى الاستراتيجية الأميركية العالمية.

روسيا وإيران ليستا حليفين بالمعنى الأطلسي، لكن موسكو دعمت طهران خلال المواجهة، وذكرت تقارير أميركية أن روسيا زودت إيران بمعلومات استهداف تتعلق بأصول عسكرية أميركية في المنطقة. كما أن مصادر مطلعة على زيارة راتكليف أكدت أن إيران طُرحت بالفعل خلال محادثاته في موسكو.

هذا يفتح احتمال أن الرحلة حملت رسالتين مترابطتين.

الأولى: لا تختبروا الناتو.

والثانية: لا توسعوا دعم إيران بطريقة تقود إلى مواجهة أميركية–روسية غير مباشرة أو مباشرة.

والترابط بين الملفين شديد الأهمية.

فالحرب الإيرانية استنزفت جزءاً من المخزونات الأميركية والغربية من الذخائر. والتقديرات التي تقف خلف التحذير إلى موسكو تأخذ هذا العامل في الحسبان: قد يرى بوتين أن الغرب أصبح أقل استعداداً لخوض أزمة عسكرية إضافية في أوروبا بينما ما زالت الولايات المتحدة تنفق الموارد في الشرق الأوسط.

بذلك تتحول حرب إيران من نزاع إقليمي إلى متغير في حساب الردع الأوروبي.

كل صاروخ اعتراضي يُستهلك في الخليج لا يقرر نتيجة معركة في البلطيق مباشرة، لكنه يرسل إلى موسكو معلومة عن المخزونات والقدرة الصناعية والأولويات الأميركية.

لماذا مدير الاستخبارات وليس وزير الخارجية؟

هذا السؤال مهم.

ترامب يملك مبعوثين للتفاوض مع روسيا، وفي مقدمهم ستيف ويتكوف. ولو كانت المهمة مجرد جولة أخرى في مفاوضات أوكرانيا، لما كان اختيار مدير الـCIA بديهياً.

قنوات الاستخبارات تستخدم عادة عندما تكون الرسالة حساسة، أمنية، ومطلوباً أن تصل مباشرة إلى مركز القرار من دون استعراض دبلوماسي علني.

وهذا ما حدث مع وليام بيرنز في 2021.

لا يعني التشابه أن الظروف متطابقة. بيرنز ذهب قبل غزو روسي كانت واشنطن ترى استعداداته بوضوح. لا يوجد دليل علني اليوم على أن بوتين اتخذ قراراً بمهاجمة الناتو.

لكن الوظيفة المحتملة للرحلتين متشابهة: منع خطأ في الحساب قبل أن يصبح غير قابل للعكس.

واختيار ناريشكين محاوراً لراتكليف يزيد هذا المعنى. الحديث يجري بين جهازي استخبارات يمتلك كل منهما معلومات عن تحركات الطرف الآخر لا يمكن مناقشتها بالطريقة نفسها في مؤتمر دبلوماسي علني.

حرب المنطقة الرمادية

وثمة سياق آخر يجعل التحذير أكثر إلحاحاً: ازدياد الحوادث التخريبية والعمليات الغامضة في أوروبا.

شهدت الأشهر الأخيرة نشاطاً نسبته سلطات أوروبية في بعض الحالات إلى شبكات مرتبطة بروسيا، إلى جانب حوادث لم تحسم مسؤوليتها بعد. الفكرة الأساسية هنا هي ما يعرف بـحرب المنطقة الرمادية: عمليات تقع تحت مستوى الحرب التقليدية، من التخريب والهجمات السيبرانية إلى المسيّرات والحرائق والعمليات السرية.

هذا النوع من الحرب مناسب لاختبار التحالفات.

فكل حادث بمفرده يمكن إنكاره.

وكل عملية تبدو أصغر من أن تستحق حرباً.

لكن تراكم العمليات يغير البيئة الأمنية من دون تجاوز واضح للخط الذي يستدعي رداً عسكرياً جماعياً.

الخوف الأميركي هو أن تنتقل موسكو تدريجياً من اختبار عتبة الرد إلى اختبار الضمانة نفسها.

ما لا نعرفه

رغم كل المعلومات التي ظهرت، يجب الاحتفاظ بمساحة واضحة لما لم يُكشف.

لا نعرف النص الذي حمله راتكليف.

لا نعرف تفاصيل ما قاله ناريشكين.

ولا نعرف إن كانت واشنطن عرضت تهديدات محددة لما ستفعله في حال وقوع هجوم روسي.

كما أن وجود إيران على جدول المحادثات لا يخبرنا بالتحديد ما إذا كانت واشنطن طلبت من روسيا خفض مساعدتها لطهران، أو نقلت خطوطاً حمراء تتعلق بالقوات الأميركية، أو ناقشت دوراً روسياً في تسوية الحرب.

لكن ما أصبح معروفاً يسمح باستنتاج أقوى مما كان ممكناً يوم الرحلة: تحذير روسيا من مهاجمة الناتو كان جزءاً أساسياً من المهمة، وإيران كانت جزءاً آخر من المحادثات.

الرحلة التي تكشف مشكلة أميركية أكبر

لهذا تتجاوز أهمية زيارة راتكليف العلاقات الأميركية–الروسية.

إنها تكشف إحدى المعضلات الكبرى للولايات المتحدة في المرحلة الحالية: خصومها لا ينظرون إلى الأزمات الأميركية بصورة منفصلة.

موسكو تراقب ما يحدث في إيران.

بكين تراقب أوكرانيا وإيران معاً.

طهران تراقب قدرة واشنطن على الحفاظ على تحالفاتها ومخزوناتها.

والحلفاء يراقبون مدى استعداد الولايات المتحدة لتحمل كلفة الدفاع عنهم.

وهذا يجعل كل حرب أميركية اختباراً للردع في مسرح آخر.

قد تكون الرسالة التي حملها راتكليف إلى موسكو في النهاية بسيطة للغاية: لا تفسروا انشغالنا في إيران أو خلافات ترامب مع أوروبا أو استنزاف مخزوناتنا باعتبارها فرصة لاختبار الناتو.

لكن مجرد اضطرار مدير الـCIA إلى السفر شخصياً لإيصال هذه الرسالة يكشف أن واشنطن تخشى بالفعل احتمال أن تصل موسكو إلى هذا الاستنتاج.

وهنا تكمن الدلالة الأعمق للرحلة.

فالمسألة ليست أن الولايات المتحدة تعرف أن بوتين قرر غزو دولة أطلسية؛ لا توجد معلومات علنية تثبت ذلك. الأخطر أن أجهزة الاستخبارات الأميركية ترى ظروفاً يمكن أن تجعل مغامرة محدودة تبدو عقلانية في نظر الكرملين.

عملية صغيرة، أزمة سريعة، تردد أميركي، ثم انقسام داخل الناتو.

إذا نجحت، لن يحتاج بوتين إلى هزيمة ثلاثين جيشاً. يكفيه أن يهزم فكرة أن هذه الجيوش ستقاتل معاً.

ولهذا لم تكن رحلة راتكليف إلى موسكو «شبه روتينية». كانت، وفق ما تكشف حتى الآن، مهمة ردع في لحظة أصبحت فيها الحرب في إيران، والاستنزاف في أوكرانيا، والتوتر في البلطيق، ومستقبل الالتزام الأميركي بأوروبا أجزاءً من معادلة استراتيجية واحدة.

وفي عام 2021 ذهب مدير الـCIA إلى موسكو ليقول للروس: نعرف ما تستعدون لفعله في أوكرانيا.

أما الرسالة هذه المرة فتبدو مختلفة وأكثر اتساعاً:

مهما استنتجتم من انشغال أميركا وضعف مخزوناتها وخلافاتها مع أوروبا، لا تختبروا الناتو.

والمشكلة التي ستحدد ما يأتي بعد زيارة راتكليف ليست ما إذا كان بوتين قد سمع الرسالة. الكرملين يؤكد أنه سمعها.

السؤال هو: هل صدّقها؟

يمكن متابعة هذا الملف خلال الأيام المقبلة لأن أي رد روسي، أو تحرك في البلطيق وكالينينغراد، أو كشف إضافي عن مضمون المحادثات قد يغير تفسير الزيارة جذرياً.

شاركها.