
بقلم: العميد المتقاعد مالك أيوب
في صباح الثالث عشر من حزيران 2025، أطلق الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية معقّدة حملت اسم “الأسد الصاعد أو المتأهب” مستهدفة العمق الإيراني بمجموعة من الضربات الدقيقة، بالتوازي مع أعمال تخريب داخلية نفذتها مجموعات من العملاء الموساد المحليين عملت في الظل وجنّدت لهذه المهمة منذ سنوات . ورغم السجال الإعلامي حول حجم الضربات وفعاليتها، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: لماذا اختار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذا التوقيت بالذات لفتح مواجهة مباشرة مع إيران؟
سأحاول الإجابة استناداً إلى قراءة دقيقة في المعطيات السياسية والأمنية، الإقليمية والدولية، والى قراءة في عقل نتنياهو .هناك خمسة دوافع رئيسية حملت نتنياهو على الإسراع في اتخاذ قرار ضرب إيران، وفي هذا التوقيت الدقيق رغم غرقه في وحل قطاع غزة .
أولًا: جيش الموساد السري داخل إيران
منذ أكثر من عقدين، يعمل جهاز الموساد الإسرائيلي بهدوء على بناء شبكة استخباراتية داخل العمق الإيراني، شملت اختراق مؤسسات حساسة وضمّ معارضين ومنشقين وناشطينق محليين. وقد نفذ هؤلاء خلال السنوات الماضية عمليات نوعية، من اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده، إلى سرقة وثائق الأرشيف النووي عام 2018، وصولًا إلى عمليات تخريب طالت منشآت تخصيب ومصانع مسيّرات ، إلى اغتيال إسماعيل هنية، إلى تخريب طائرة ابراهيم رئيسي .
لكن الجديد هو حجم هذه الشبكة وانتشارها. فقد أشارت تقارير غربية، بينها The New York Times (2022)، إلى أن الموساد تمكّن من تأسيس قواعد محلية صغيرة، تستخدم كمنصات انطلاق لعمليات تخريبية، وتضم ورشًا لصنع طائرات مسيّرة وتخزين المتفجرات وأجهزة تشويش واتصالات، موزعة على عدد من المحافظات الإيرانية.
وبالتالي، بدا أن نتنياهو وجد نفسه أمام بنية تحتية عملياتية داخل إيران جاهزة للتفعيل متى أراد، وهذا ما حصل بالفعل في الأيام الأخيرة، حيث تزامنت الضربات الجوية مع عمليات داخلية أربكت أجهزة الأمن الإيرانية.
ثانيًا: قرب توقيع الاتفاق النووي الأميركي – الإيراني
بحسب تقارير دبلوماسية نقلتها Axios وPolitico منتصف حزيران الجاري، فإن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران كانت على وشك أن تُفضي إلى اتفاق جديد، يُعيد بعض ضوابط اتفاق 2015، مقابل تخفيف العقوبات على إيران.
لكن نقطة خلاف واحدة كانت لا تزال عالقة، تتعلّق بموقع التخصيب: هل سيُسمح لإيران بالتخصيب داخل أراضيها، أم ستُنقل الأنشطة إلى دولة ثالثة؟ هذا البند تحديدًا يُعدّ خطًا أحمر لدى إسرائيل.
من هذا المنطلق، يمكن فهم اسراع نتنياهو لإفشال الاتفاق قبل أن يُوقع، وفرض وقائع ميدانية تجعل من الصعب على الإدارة الأميركية متابعة المسار الدبلوماسي.
ثالثًا: أزمة الحكم داخل إسرائيل
في الداخل الإسرائيلي، كان نتنياهو يواجه واحدة من أعقد أزماته السياسية. فقرار المحكمة العليا بإلزام الحريديم بالخدمة العسكرية وضعه في مواجهة مباشرة مع الأحزاب الدينية التي يعتمد عليها في ائتلافه الحاكم. كما تصاعدت حدة الخلافات مع المعارضة، وبدأ الحديث عن احتمال انهيار الحكومة أو الدعوة لانتخابات مبكرة.
في مثل هذه الظروف، لجأ نتنياهو وللهروب من المحاكمة إلى تصدير الأزمة نحو الخارج . فالمواجهة مع طهران تُعيد لحمة الشارع الإسرائيلي خلف المؤسسة العسكرية ، ما يعزّز فرصته بالاستمرار في السلطة.
رابعًا: ضعف الأذرع الإيرانية في المنطقة
خلال الأشهر الماضية، تلقت أذرع إيران في المنطقة ضربات قاسية. فالميليشيات العراقية تعرضت لاستنزاف أميركي، والساحة السورية شهدت تصعيدًا غير مسبوق في الضربات الإسرائيلية ضد مخازن السلاح ومقرات القيادة. أما حزب الله، فهو محكوم بتوازنات الداخل اللبناني، والحوثيون في اليمن انشغلوا بالبحر الأحمر واستنزفهم التصعيد ، وحماس تلملم جراحها داخل القطاع .
في هذا السياق، بدا أن “الرد الإقليمي الإيراني” على أي ضربة مباشرة أصبح ضعيفًا أو غير مضمون. وعليه، ربما رأى نتنياهو أن اللحظة مواتية لتوجيه الضربة الكبرى طالما أن “أدوات الانتقام” الإيرانية في حالة إنهاك أو تعطيل.
خامسًا: الرهان على إسقاط النظام الإيراني من الداخل
ليس سرًا أن إسرائيل تطمح منذ سنوات إلى تغيير النظام الإيراني أو على الأقل إضعافه داخليًا. راهن نتنياهو على فكرة أن الضغط المتزامن من الخارج (الضربات الجوية) والداخل (العملاء المحليون) يمكن أن يؤدي إلى هزّة كبيرة داخل النظام، وربما تسريع الانهيار. رغم أن هذه الفرضية محفوفة بالمخاطر، خاصة في بلد مثل إيران الذي يمتلك جهازًا أمنيًا وعقائديًا متماسكًا، إلا أن نتنياهو، بدعم من بعض قيادات الأمن، ربما رأى أن “توازن الردع” قد كُسر، وأن الأجواء السياسية والشعبية داخل إيران تسمح بحدوث تشققات.
نتنياهو الذي ضاقت عليه الدنيا بما رحُبت يحتاج اليوم إلى خشبة الخلاص الأميركية للافلات من الورطة التي أوقع نفسه فيها ، والا سقط كيانه الهش قبل أن تهتز كرسي المرشد الأعلى.
