لجنة الميكانيزم في مهبّ التفاوض بالنار: اتفاق بلا ضمانات

تحليل سياسي–إخباري | بقلم مبارك بيضون – مركز بيروت للأخبار

منذ انطلاق اتفاق لبنان والكيان الصهيوني في 27 تشرين الأول، واجهت لجنة الميكانيزم صعوبات عملية وسياسية كبيرة، مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الأراضي اللبنانية، ما جعل تنفيذ بنود الاتفاق شبه متوقف وطرح التساؤلات حول فعالية الآليات الدولية والإشراف على الالتزام بالاتفاق.

بحسب مصدر سياسي مطّلع على مسار عمل لجنة الميكانيزم، فإن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بوتيرة شبه يومية أدّى عمليًا إلى تعطيل عمل اللجنة ووضع عراقيل جدّية أمام تنفيذ مهامها، مع تسجيل آلاف الخروقات. وعلى الرغم من عقد سلسلة اجتماعات، لم تُفضِ تلك اللقاءات إلى أي اختراق عملي، ما أدخل اللجنة في حالة شبه شلل، من دون تحديد أي موعد جديد لاجتماع أعضائها.

ويشير المصدر إلى أن لجنة الميكانيزم كانت تجتمع سابقًا بشكل دوري، كل أسبوعين أو وفق جدول منتظم، إلا أنها تشهد اليوم فراغًا زمنيًا مفتوحًا بين الاجتماع الأخير وأي اجتماع مقبل، قد يمتد لأسابيع. ويُعزى ذلك إلى أن الاجتماعات السابقة خُصّصت لبحث خطوات تنفيذ خطة الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، حيث أبلغ الجيش مجلس الوزراء أنه حقق سيطرة عملية ضمن هذا النطاق، وأنهى مهمته كما هو متفق عليه. وبناءً عليه، كان من المفترض أن يُخصّص أي اجتماع تحضيري لاحق لبحث خطة الانتشار شمال الليطاني، الأمر الذي يفسّر جزئيًا غياب اجتماعات اللجنة في المرحلة الراهنة.

إلا أن هذا الجمود لا يمكن فصله عن الأسباب السياسية الأعمق، إذ يُضاف إلى ذلك سفر الفريق الأميركي المشارك في أعمال اللجنة، فضلًا عن الخلافات الحادّة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، في ظل ما يُعرف بـ«التفاوض بالنار». فالغارات والقصف المتواصلان على منطقتي شمال وجنوب الليطاني شكّلا رسائل ضغط إسرائيلية دائمة، بانتظار التقرير المرتقب للجيش اللبناني حول الوضع الميداني، ولا سيما في شمال الليطاني.

ويؤكد المصدر أن الشقّ السياسي من عمل لجنة الميكانيزم لم يتمكن حتى الآن من بلورة آلية واضحة للعمل، في حين بقيت سائر الملفات المطروحة على طاولة البحث مجمّدة من دون أي تقدّم يُذكر. كما يكشف عن تباين واضح في المواقف داخل اللجنة، ولا سيما بين واشنطن وباريس، حيث تُبدي الولايات المتحدة عدم رضاها عن مشاركة مدنيين فرنسيين في إطار عمل اللجنة، ما يعكس خللًا إضافيًا في مقاربة إدارة هذا المسار.

ويختلف المشهد الراهن عمّا بدأ في السابع والعشرين من تشرين الأول، تاريخ الإعلان عن الاتفاق بين لبنان والكيان الصهيوني. فمنذ اللحظة التي دخل فيها الاتفاق حيّز التنفيذ عبر خطوات تطبيقية من خلال لجنة الميكانيزم، بدأ الخلل البنيوي يظهر سريعًا، مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على لبنان، في مقابل التزام لبناني كامل ببنود الاتفاق، سواء على مستوى المقاومة أو من خلال الإجراءات الميدانية التي نفّذها الجيش اللبناني، والتي جرت بمعظمها تحت النار وفي ظل القصف المتواصل.

وفي ظل هذه الظروف، واصل الجيش اللبناني تنفيذ مهامه رغم الاستهداف اليومي، إلى أن أعلن رسميًا إنجاز مهمته في منطقة جنوب نهر الليطاني. عند هذه النقطة، بدا واضحًا أن المسار لم يعد تفاوضيًا بقدر ما تحوّل إلى سلسلة إملاءات وقرارات تُدار سياسيًا من قبل الإدارة الأميركية، وتُترجم ميدانيًا بلغة النار الإسرائيلية، من دون أي اعتبار فعلي لجوهر الاتفاق أو لمحاولات تثبيته.

وفي قراءة للمشهد التفاوضي، يرى المصدر أن جوهر الخلاف لا يقتصر على آليات التنفيذ، بل يمتد إلى طبيعة المفاوضات نفسها. فلبنان يسعى إلى مفاوضات أمنية وحدودية تهدف إلى تثبيت الاستقرار وضمان عودة أبناء الجنوب إلى قراهم، في حين تدفع إسرائيل باتجاه مفاوضات سياسية واقتصادية، وهو مسار يعتبره لبنان غير جاهز له في هذه المرحلة.

ويُذكر أن آخر اجتماع للجنة الميكانيزم عُقد في السادس من الشهر الحالي، بحضور عسكريين فقط، من دون أن يتمكّن أي طرف من تحديد موعد جديد، ما يعكس حالة عجز واضحة في أداء اللجنة لدورها المنوط بها. وفي ظل ذلك، يبقى الجنوب اللبناني رهينة الخروقات الإسرائيلية المستمرة، بانتظار تبدّل في المقاربات الدولية يعيد الاعتبار لآليات الرقابة، ويُخرج الاتفاق من دائرة التعليق إلى حيّز التنفيذ الفعلي

شاركها.