يواجه لبنان مرحلة سياسية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها المفاوضات مع إسرائيل مع حسابات واشنطن والرياض، فيما تتفاقم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية وتتعثر ملفات الإيواء وإعادة الإعمار. وفي قراءة للمشهد، يقول الكاتب هيثم الموسوي في صحيفة «الأخبار» إن التطورات الأخيرة تضع الرئاسات والقوى السياسية أمام اختبارات متشابكة، حيث لم تعد المفاوضات وحدها كافية لتحديد مسار المرحلة، بل باتت قدرة الدولة على احتواء التوتر الداخلي وتوفير مقومات الصمود الاجتماعي جزءاً أساسياً من المعادلة.

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية: مسار مفتوح على الانسداد

بحسب ما يورده هيثم الموسوي في «الأخبار»، تتزايد المخاوف من وصول المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية إلى طريق مسدود، في ظل غياب ضمانات أمريكية واضحة بشأن الخطوات المطلوبة من الجانب الإسرائيلي، ولا سيما ما يتعلق بالانسحاب والالتزامات المرتبطة بالاتفاقات المطروحة.

وتضع هذه المعادلة الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام أمام معضلة سياسية: كيف يمكن الاستمرار في المسار التفاوضي من دون امتلاك ضمانات كافية بأن يؤدي إلى نتائج ملموسة، وفي الوقت نفسه تجنب تحميل لبنان مسؤولية فشل المفاوضات؟

المشكلة لا تقتصر على شكل المفاوضات أو مستوى التمثيل فيها، بل تتصل بميزان الالتزامات بين الطرفين. فإذا استمر لبنان في تقديم خطوات من دون مقابل واضح، فقد يتحول المسار التفاوضي إلى مصدر ضغط داخلي. أما الانسحاب منه، فقد يمنح إسرائيل فرصة لتبرير تعطيل المسار أو تحميل بيروت مسؤولية انهياره.

من هنا، يصبح السؤال الأساسي: هل تستطيع واشنطن تحويل تعهداتها السياسية إلى ضمانات عملية، أم أن لبنان يُطلب منه الاستمرار في التفاوض ضمن شروط لا يملك القدرة على ضبط نتائجها؟

واشنطن والرياض.. دعم سياسي مشروط وحسابات متباينة

يشير المقال إلى أن الموقف الأمريكي لا يبدد المخاوف اللبنانية، خصوصاً في ظل غياب ضمانات حاسمة بشأن الالتزامات الإسرائيلية. وتكشف هذه الفجوة عن مشكلة تتجاوز العلاقة الثنائية بين بيروت وواشنطن، لتطال طبيعة الدور الأمريكي في إدارة التوازنات الإقليمية.

فبالنسبة إلى لبنان، لا يكفي تأكيد الدعم السياسي إذا لم يقترن بآليات واضحة لمتابعة التنفيذ، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، ومنع تحويل المفاوضات إلى مسار مفتوح بلا نتائج.

أما السعودية، فتبدو، وفق المعطيات التي يناقشها المقال، منشغلة بأولويات إقليمية أخرى، في وقت لا تزال فيه المساعدات المنتظرة مرتبطة بمسار الإصلاحات وبحسابات سياسية أوسع. ويعني ذلك أن الرهان على تدخل عربي سريع لتخفيف الضغوط الاقتصادية وإطلاق ورشة الإعمار لا يستند، حتى الآن، إلى ضمانات كافية.

سياسياً، يضع هذا الواقع السلطة اللبنانية أمام اختبار صعب: الاعتماد على دعم خارجي لم تتضح مواعيده وشروطه، أم البحث عن تسويات داخلية تخفف حدة الانقسام وتمنح الدولة قدرة أكبر على التعامل مع المرحلة؟

نبيه بري وإعادة الإعمار.. من يملك مفتاح الاحتواء الداخلي؟

في موازاة التعثر التفاوضي، يبرز ملف إعادة الإعمار بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأوضاع النازحين والمتضررين وقدرة الدولة على استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.

ويضع المقال موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في سياق المطالبة بخطوات حكومية ملموسة، لا تكتفي بالوعود السياسية، بل تنتقل إلى تأمين التمويل اللازم للإيواء وإصلاح الأبنية المتضررة وإعادة العائلات إلى منازلها.

وتكتسب الأرقام المتداولة بشأن الأموال الممكن تخصيصها من الخزينة العامة أو عبر مساعدات خارجية أهمية سياسية تتجاوز قيمتها المالية. فتنفيذ برامج الإعمار والإيواء يمكن أن يخفف الاحتقان الاجتماعي، فيما يؤدي استمرار التأخير إلى تعميق الشعور بالتهميش ورفع منسوب التوتر الداخلي.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو دور بري محصوراً في إدارة الخلافات السياسية، بل يرتبط أيضاً بقدرته على الدفع نحو تفاهمات تتيح للحكومة اتخاذ قرارات عملية. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بمدى توافر التمويل، ووضوح آليات الصرف، واستعداد القوى السياسية لتحويل المطالب إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.

جوزيف عون وحزب الله.. هل يصبح الحوار مخرجاً من الأزمة؟

يتناول المقال احتمال فتح قنوات للحوار الداخلي بشأن القرارات الحكومية المتعلقة بحزب الله، في ظل تباين المواقف حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة والعلاقة بين المسار التفاوضي ومتطلبات الاستقرار الداخلي.

ويبدو أن الرئيس جوزيف عون يواجه معادلة دقيقة: الحفاظ على قرارات الدولة ومؤسساتها، مع تجنب دفع الخلافات السياسية إلى مستوى يصعب احتواؤه. فالحوار، إذا انطلق من أرضية واقعية، يمكن أن يفتح المجال أمام تفاهمات تخفف الاحتقان وتمنع انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة أوسع.

لكن نجاح أي مبادرة حوارية يتطلب تجاوز الشروط المسبقة، والاتفاق على جدول أعمال واضح، وتحديد ما يمكن التوصل إليه عملياً. أما استمرار تبادل الاتهامات أو استخدام الحوار وسيلة لكسب الوقت، فلن يؤدي إلا إلى إطالة الأزمة.

وتكمن أهمية هذا المسار في أن الاستقرار الداخلي ليس ملفاً منفصلاً عن المفاوضات الخارجية؛ فكلما اتسعت الانقسامات اللبنانية، ازدادت صعوبة بناء موقف تفاوضي متماسك، والعكس صحيح.

شاحنة المتفجرات.. التحقيق أولاً وسط تصاعد التوتر السياسي

يفرد المقال مساحة لقضية شاحنة المتفجرات التي أوقفها الجيش، ويطرح تساؤلات بشأن توقيت إثارتها وتداعياتها السياسية والإعلامية، في ظل التجاذبات القائمة حول حزب الله والقرارات الحكومية.

غير أن القراءة السياسية المتوازنة تقتضي الفصل بين الوقائع التي يثبتها التحقيق والتفسيرات السياسية المرتبطة بتوقيت الحادثة أو الجهات التي قد تستفيد من تداعياتها. فمجرد طرح الشكوك بشأن الخلفيات لا يشكل دليلاً على وجود توظيف سياسي منظم، كما أن الاتهامات لا يمكن أن تحل محل الأدلة القضائية.

وتزداد أهمية هذا التمييز في لحظة شديدة الحساسية، إذ يمكن لأي قضية أمنية أن تتحول إلى مادة للتصعيد الداخلي إذا سبقت الأحكامُ نتائجَ التحقيق. لذلك، يبقى المسار القضائي الشفاف هو الأساس لتحديد المسؤوليات ومنع استثمار القضية في توسيع الانقسام.

سياسياً، لا تكمن المسألة في تجاهل المخاطر الأمنية أو التقليل من خطورتها، بل في منع تحويلها إلى أداة لتصفية الحسابات قبل اكتمال الوقائع.

الاحتجاجات والأزمة المعيشية.. الخطر الذي لا يمكن احتواؤه بالسياسة وحدها

يحذر المقال من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وما قد يرافقه من تصاعد الاحتجاجات الشعبية في ظل غياب حلول ملموسة. وتكشف هذه المخاوف عن نقطة ضعف أساسية في المشهد اللبناني: قدرة القوى السياسية على إدارة الخلافات لا تعني بالضرورة قدرتها على معالجة أسباب الغضب الاجتماعي.

فالأزمة المعيشية لا تتوقف عند ارتفاع النفقات أو تراجع القدرة الشرائية، بل تتصل أيضاً بملفات السكن والإعمار وتعويض المتضررين وتوفير الخدمات الأساسية. وكلما طال الانتظار، ازدادت الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع اليومي للمواطنين.

أما الحديث عن احتمال استثمار أطراف سياسية للتحركات الشعبية، فيبقى بحاجة إلى أدلة محددة، ولا ينبغي أن يحجب الأسباب الاجتماعية الفعلية للاحتجاجات. فوجود دوافع سياسية محتملة لا يلغي أن الضغوط المعيشية قد تكون كافية وحدها لدفع الناس إلى الشارع.

وبذلك، تصبح الاستجابة الاجتماعية جزءاً من معادلة الاستقرار، لا مجرد ملف مؤجل إلى حين اتضاح نتائج المفاوضات أو وصول المساعدات الخارجية.

الجيش والاجتماعات الخارجية.. مأزق التنفيذ قبل الاتفاق

يتطرق المقال إلى التردد المرتبط بمشاركة الجيش في اجتماعات خارجية، في ظل غياب وضوح كافٍ بشأن المسار السياسي والجدول الزمني للانسحاب الإسرائيلي. وتعكس هذه المسألة إشكالية أوسع تتعلق بالفصل بين الترتيبات الأمنية والقرارات السياسية التي يفترض أن تمنحها إطاراً واضحاً.

فالمؤسسة العسكرية لا تعمل بمعزل عن التوازنات الوطنية، وأي خطوات تنفيذية تحتاج إلى مرجعية سياسية واضحة، وإلى التزامات متبادلة تحدد المطلوب من كل طرف. أما وضع الجيش أمام استحقاقات غير مكتملة سياسياً، فقد يخلق فجوة بين ما يُطلب منه ميدانياً وما تستطيع الدولة ضمانه تفاوضياً.

ومن هنا، فإن تجاوز الانسداد لا يتطلب اجتماعات إضافية فحسب، بل يحتاج إلى تحديد الأهداف والضمانات والتوقيت وآليات التحقق من التنفيذ، بما يمنع تحويل الترتيبات الأمنية إلى التزامات أحادية الجانب.

لبنان بين ضغط الخارج وهشاشة الداخل

تكشف المحاور التي يناقشها هيثم الموسوي في «الأخبار» عن ترابط ثلاثة مسارات رئيسية: مفاوضات لا تزال نتائجها غير مضمونة، ودعم خارجي تحكمه حسابات وشروط، وأزمة داخلية تتفاقم بفعل التأخير في الإيواء وإعادة الإعمار.

وتكمن خطورة المرحلة في أن هذه المسارات يغذي بعضها بعضاً. فتعثر المفاوضات يضعف قدرة السلطة على تقديم نتائج سياسية، وتأخر المساعدات يزيد الأعباء الاجتماعية، فيما يؤدي استمرار الانقسام الداخلي إلى إضعاف الموقف اللبناني في مواجهة الضغوط الخارجية.

لكن الأزمة لا تعني بالضرورة أن الانهيار أو المواجهة الداخلية أصبحا أمراً محتوماً. فما زالت مساحة التسوية قائمة إذا جرى التوصل إلى تفاهمات داخلية قابلة للتنفيذ، وربط المسار التفاوضي بضمانات واضحة، وإطلاق إجراءات عملية في ملف الإعمار والإيواء.

والاختبار الحقيقي للسلطة لا يتمثل في قدرتها على إدارة الاتصالات والاجتماعات فقط، بل في قدرتها على تحويلها إلى نتائج ملموسة، تمنع تراكم الأزمات وتعيد بناء الحد الأدنى من الثقة بين الدولة والمجتمع.

 هل تنجح التسوية قبل انفجار الضغوط؟

يقف لبنان أمام مرحلة تتطلب أكثر من الرهان على الوساطات الخارجية أو تأجيل الخلافات الداخلية. فالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تحتاج إلى ضمانات واضحة، وملف إعادة الإعمار يحتاج إلى تمويل وقرارات تنفيذية، والحوار الداخلي يحتاج إلى استعداد سياسي لتقديم تنازلات متبادلة.

وفي هذا السياق، يبرز دور جوزيف عون ونواف سلام ونبيه بري في البحث عن صيغة تمنع تزامن الانسداد السياسي مع الانفجار الاجتماعي. أما استمرار الانتظار، من دون خطوات ملموسة، فقد يجعل الأزمة أكثر تعقيداً ويقلص مساحة المناورة أمام الجميع.

السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو ما إذا كانت القوى السياسية ستنجح في إنتاج تسوية داخلية تواكب الضغوط الخارجية، أم أن غياب الضمانات وتأخر الإعمار سيبقيان لبنان عالقاً بين مفاوضات غير محسومة وأزمة اجتماعية مفتوحة.

شاركها.