شهدت الحدود اللبنانية – الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فمنذ حرب يوليو (تموز) 2006، تشكّلت منظومة ردع متبادل فرضت إيقاعاً دقيقاً على الجبهة الجنوبية، قبل أن تدخل المواجهة مرحلة جديدة مع الحرب الأخيرة، حيث برزت معادلات ميدانية مختلفة تقوم على المبادرة العسكرية، والضربات الاستباقية، والاستطلاع المستمر، ومحاولات فرض وقائع ميدانية جديدة.

وبين حربَي 2006 و2026، لا تقتصر المقارنة على تطور الأسلحة أو تبدّل أدوات القتال، بل تمتد إلى قواعد الاشتباك بين إسرائيل و”«حزب الله” والعقيدة العسكرية التي حكمت المواجهة.

ففي مرحلة ما بعد 2006، كان الردع المتبادل ورفع كلفة الحرب يشكلان عاملاً أساسياً في منع انزلاق الجبهة إلى مواجهة شاملة، بينما شهدت المرحلة اللاحقة انتقالاً تدريجياً نحو نمط أكثر تعقيداً، يعتمد على الاستنزاف، والمبادرة، والقدرات الاستخباراتية، والحرب التكنولوجية.

قواعد الاشتباك بعد حرب 2006

قواعد الاشتباك بعد حرب 2006
قواعد الاشتباك بعد حرب 2006

لفهم التحولات التي شهدتها الجبهة الجنوبية، لا تكفي العودة إلى حرب يوليو 2006 وحدها، إذ تعود جذور قواعد الاشتباك إلى تفاهم أبريل (نيسان) 1996 الذي أعقب عملية «عناقيد الغضب».

ويشير اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي إلى أن تلك المرحلة أرست مبدأً يقوم على حصر الاستهداف بالعسكريين، وفي حال تعرض المدنيين للاستهداف كان يجري الرد بالمثل، بما ساهم في إبقاء المواجهة ضمن حدود معينة.

وتكرست هذه القواعد بصورة أوضح بعد حرب 2006، عندما أصبحت العمليات العسكرية محكومة إلى حد كبير بمعادلات ردع غير معلنة، كان أبرزها ارتباط أي اعتداء إسرائيلي واسع على لبنان بإمكانية تعرض العمق الإسرائيلي لرد من المقاومة.

ولم تكن مرحلة ما بعد 2006 مرحلة سلام، بل مرحلة إدارة دقيقة للصراع. فقد بقيت الجبهة الجنوبية في حالة استعداد دائم، فيما عمل كل طرف على تطوير قدراته ومراقبة تحركات الطرف الآخر.

معادلة الردع المتبادل

خلال تلك السنوات، تشكلت منظومة ردع غير معلنة قوامها أن أي تصعيد واسع يمكن أن يقود إلى رد واسع.

ومن أبرز المعادلات التي برزت خلال تلك المرحلة:

  • بيروت مقابل تل أبيب.
  • الضاحية الجنوبية مقابل حيفا.
  • رفع كلفة أي حرب واسعة على الطرفين.
  • الحفاظ على هامش محدد من العمليات يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
  • الاعتماد على قنوات الارتباط الدولية للحد من توسع الحوادث الميدانية.

وبذلك لم يكن ميزان القوى قائماً على التكافؤ العسكري المباشر، بل على قدرة كل طرف على إلحاق أضرار تجعل قرار الحرب أكثر كلفة وتعقيداً.

دور المقاومة في تثبيت معادلة الردع

شكلت القدرات الصاروخية للمقاومة خلال مرحلة ما بعد 2006 أحد العناصر الأساسية في معادلة الردع.

فامتلاك «حزب الله» قدرة على استهداف العمق الإسرائيلي جعل أي قرار بشن حرب واسعة على لبنان مرتبطاً باحتمال تعرض الجبهة الداخلية الإسرائيلية لضربات مؤثرة.

ومن هذه الزاوية، لم تكن معادلات «بيروت مقابل تل أبيب» و«الضاحية مقابل حيفا» مجرد شعارات سياسية، بل عكست محاولة لإرساء توازن يقوم على كلفة الحرب، في مواجهة التفوق الإسرائيلي في سلاح الجو والاستخبارات والقدرات التكنولوجية.

وهذا الردع ساهم، على مدى سنوات طويلة، في إبقاء المواجهة ضمن مستويات محددة، رغم استمرار الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية.

لماذا دخلت قواعد الاشتباك مرحلة جديدة؟

لماذا دخلت قواعد الاشتباك مرحلة جديدة؟
لماذا دخلت قواعد الاشتباك مرحلة جديدة؟

إن التحول الذي أصاب قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله» لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء في سياق تراكمات إقليمية وعسكرية وأمنية متلاحقة.

ومن أبرز العوامل التي ساهمت في إعادة تشكيل المشهد:

  1. تغير البيئة الإقليمية بعد أحداث السابع من أكتوبر.
  2. انتقال المواجهة إلى نمط استنزافي طويل.
  3. التطور الكبير في استخدام الطائرات المسيّرة.
  4. توسع الاعتماد على الاستطلاع والمعلومات الاستخباراتية.
  5. ارتفاع مستوى استخدام الأسلحة الدقيقة.
  6. انتقال العمليات من الرد على الهجمات إلى محاولة منع التهديد قبل تحوله إلى خطر مباشر.

هذه المتغيرات لم تغير الأدوات العسكرية فقط، بل أثرت أيضاً في فلسفة إدارة المواجهة.

خمس قواعد جديدة تحكم البيئة العملياتية

خمس قواعد جديدة تحكم البيئة العملياتية
خمس قواعد جديدة تحكم البيئة العملياتية

وفق القراءة العسكرية التي قدمها العميد الركن المتقاعد بهاء حلال، برزت خلال المرحلة الجديدة مجموعة من القواعد العملياتية التي تختلف عن تلك التي سادت بعد حرب 2006.

1. المنطقة العازلة بالنار

أصبحت المنطقة الحدودية مرتبطة بدرجة أكبر بالاستطلاع الجوي والمسيّرات والضربات النارية، في محاولة لمنع إعادة تشكيل القدرات العسكرية في المنطقة.

وهذا يعني أن السيطرة لم تعد مرتبطة بالوجود البري المباشر فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالقدرة على مراقبة المجال العملياتي واستهداف نقاط القوة العسكرية.

2. المبادرة والضربات الاستباقية

برز انتقال واضح من انتظار الهجوم إلى محاولة تعطيل مصادر التهديد قبل استخدامها.

وهذه النقلة تعني أن المبادرة أصبحت عنصراً أساسياً في إدارة المواجهة، فيما تسعى المقاومة في المقابل إلى الحفاظ على قدرتها على الصمود والمبادرة وإعادة تنظيم إمكاناتها.

3. السيطرة بالنار والمعلومات

أصبحت المعلومات عاملاً حاسماً في إدارة المعركة.

فالاستطلاع المستمر، وجمع المعلومات، وتحديد الأهداف، وسرعة التعامل معها، كلها عناصر باتت تشكل جزءاً أساسياً من الحرب الحديثة.

لكن هذا التفوق التقني لا يعني بالضرورة حسم الصراع، إذ تبقى القدرة على الصمود والاستنزاف والحفاظ على الجاهزية عوامل أساسية في الحروب غير المتكافئة.

4. الردع القائم على الحرمان

لم يعد الردع يعتمد فقط على التهديد بإيقاع خسائر واسعة، بل بات يشمل محاولة حرمان الطرف الآخر من القدرة على استخدام إمكاناته العسكرية.

وفي المقابل، تسعى المقاومة إلى الحفاظ على عناصر قوتها وإبقاء قدرة الرد والمبادرة قائمة، بما يمنع تحويل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي إلى حسم كامل للمواجهة.

5. إدارة التصعيد

برز أيضاً نمط يقوم على الضربات المحدودة والتصعيد المدروس، بحيث تبقى المواجهة ضمن مستويات يمكن التحكم بها، من دون أن تتحول كل حادثة إلى حرب شاملة.

وهذه القاعدة تجعل الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية أمام حالة مستمرة من التوتر، حيث يمكن أن يتغير مستوى المواجهة بسرعة تبعاً للتطورات الميدانية والسياسية.

من توازن الردع إلى توازن المعلومات

أحد أبرز التحولات التي شهدتها الجبهة يتمثل في انتقال جزء مهم من مركز الثقل من توازن القوة إلى توازن المعلومات.

فالتفوق العسكري الإسرائيلي في الطيران والاستطلاع والتكنولوجيا يمنحه قدرة كبيرة على جمع المعلومات وتنفيذ ضربات دقيقة، إلا أن الحرب الحديثة، ولا سيما في مواجهة تنظيم يمتلك خبرة طويلة في العمل غير المتماثل، لا تُحسم بالتكنولوجيا وحدها.

وتبقى القدرة على التخفي، وإعادة الانتشار، والصمود، والاستنزاف، والحفاظ على القدرة العملياتية، عناصر أساسية في مواجهة التفوق الجوي والتكنولوجي.

ومن هنا، فإن قدرة المقاومة على البقاء فاعلة رغم الضغوط العسكرية تمثل بحد ذاتها جزءاً من معادلة الصراع.

كيف تغيّر مفهوم الردع؟

كيف تغيّر مفهوم الردع؟
كيف تغيّر مفهوم الردع؟

بعد حرب 2006، كان الردع يقوم بصورة أساسية على معادلة مفادها أن الحرب ستكون مكلفة للجميع.

أما في المرحلة الجديدة، فقد أصبح الصراع أكثر اعتماداً على الاستنزاف وتراكم القدرة على الصمود.

وهنا يظهر تحول مهم في مفهوم الردع بالنسبة للمقاومة؛ فعدم الدخول في رد مباشر على كل ضربة لا يعني بالضرورة غياب الردع، إذ يمكن أن يأخذ الرد أشكالاً مختلفة تبعاً للظروف الميدانية والسياسية.

وتاريخياً، اعتمدت المقاومة في إدارة المواجهة على المرونة في اختيار توقيت الرد وشكله، بما يحافظ على قدرتها على العمل ويمنع إسرائيل من فرض معادلة أحادية الجانب.

التكنولوجيا في مواجهة الخبرة الميدانية

التكنولوجيا في مواجهة الخبرة الميدانية
التكنولوجيا في مواجهة الخبرة الميدانية

أدخلت الطائرات المسيّرة والأسلحة الدقيقة والمراقبة الجوية بعداً جديداً إلى المواجهة.

لكن التكنولوجيا، رغم أهميتها، لا تلغي عناصر أخرى في الحروب الحديثة، وفي مقدمتها:

  • الخبرة الميدانية.
  • القدرة على العمل في بيئة معقدة.
  • المرونة العملياتية.
  • الاستنزاف طويل الأمد.
  • القدرة على الحفاظ على الجاهزية.
  • سرعة إعادة تنظيم الوحدات والقدرات.
  • القدرة على مفاجأة الخصم وتغيير أساليب العمل.

وهذه العوامل تجعل الصراع بين إسرائيل و«حزب الله» أبعد من مجرد مقارنة بين سلاح جو متطور وقدرات صاروخية، فهو صراع بين منظومتين عسكريتين مختلفتين في العقيدة والأدوات وأساليب إدارة المعركة.

هل انتهت قواعد اشتباك 2006 فعلاً؟

هل انتهت قواعد اشتباك 2006 فعلاً؟
هل انتهت قواعد اشتباك 2006 فعلاً؟

القول إن قواعد اشتباك 2006 انتهت بالكامل يحتاج إلى قراءة دقيقة.

فبعض المعادلات القديمة تراجع بالفعل تحت وطأة التحولات العسكرية، لكن فكرة الردع ورفع كلفة الحرب لم تختفِ من المشهد.

بل يمكن القول إن الصراع انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الضربات العسكرية مع الرسائل السياسية، وتصبح كل عملية جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بمنع الحرب الشاملة من جهة، والحفاظ على القدرة على المبادرة من جهة أخرى.

وبالتالي، فإن المعادلة الجديدة لا تعني بالضرورة غياب المقاومة أو سقوط قدرتها على الردع، بل تعني أن أدوات الردع نفسها أصبحت أكثر تنوعاً وأقل قابلية للقياس من خلال حجم الضربات فقط.

المقاومة أمام مرحلة جديدة

المقاومة أمام مرحلة جديدة
المقاومة أمام مرحلة جديدة

في ضوء هذه التحولات، تواجه المقاومة بيئة عملياتية أكثر تعقيداً من تلك التي عرفتها بعد عام 2006.

إلا أن قراءة المشهد من زاوية التفوق العسكري الإسرائيلي وحده لا تكفي لفهم طبيعة الصراع.

فالمقاومة بنت خلال سنوات طويلة خبرة عسكرية واسعة، وطورت أساليبها في العمل الميداني، وأثبتت قدرتها على خوض مواجهات طويلة ومعقدة.

ولهذا فإن انتقال إسرائيل إلى الضربات الاستباقية والاعتماد المكثف على التكنولوجيا لا يعني تلقائياً نجاحها في فرض معادلة نهائية على الجبهة اللبنانية.

الجبهة الجنوبية أمام معادلة مختلفة

تكشف مقارنة قواعد الاشتباك بين إسرائيل و “حزب الله” منذ 2006 وحتى 2026 أن الصراع انتقل من مرحلة كان فيها الردع المتبادل هو العامل الأبرز في ضبط المواجهة، إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الحرب الاستخباراتية والتكنولوجيا والاستنزاف والضربات الاستباقية.

لكن جوهر الصراع لم يتغير: إسرائيل تسعى إلى فرض حرية عمل عسكري أوسع ومنع تشكل أي تهديد على حدودها، بينما تتمسك المقاومة بمعادلة الصمود والقدرة على الرد والحفاظ على عناصر قوتها.

وبينما تبدلت الأدوات، بقيت المعادلة الأهم هي أن أي محاولة لفرض واقع جديد على لبنان لا يمكن فصلها عن قدرة المقاومة على الصمود وإعادة إنتاج معادلاتها.

وعليه، فإن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد امتداد لحرب 2006، ولا تكراراً حرفياً للمواجهة الأخيرة، بل اختباراً جديداً لمعنى الردع في المنطقة، ولمدى قدرة كل طرف على فرض إيقاعه العسكري والسياسي.

شاركها.