تشهد مقاربة ملف الجنوب اللبناني تحوّلاً لافتاً، في ظل مؤشّرات متزايدة إلى توجّه إسرائيلي لإعادة صياغة قواعد التعامل مع لبنان، مدعوماً هذه المرّة بموقف أميركي أكثر تشدّداً. فقد تلقّت بيروت، عبر قنوات دبلوماسية غربية، إشارات واضحة تفيد بأن واشنطن باتت تتبنّى الرؤية الإسرائيلية التي تطالب لبنان بخطوات «أكثر فعالية» في مواجهة حزب الله، باعتبارها مدخلاً إلزامياً لأي بحث في الملفات الأخرى.
وبحسب هذه المعطيات، فإن لبنان لن يحظى بأي تجاوب في مطالبه، سواء المرتبطة بالوضع الأمني في الجنوب أو بالحصول على مساعدات اقتصادية، ما لم يُظهر استعداداً عملياً للسير في هذه الشروط. ويأتي ذلك بالتوازي مع موقف سعودي حازم، إذ أبلغ الموفد يزيد بن فرحان المسؤولين اللبنانيين أن الرياض لن تعيد النظر في دعمها المالي قبل إنجاز ملفَي حصر السلاح وتنفيذ الإصلاحات المالية.
مصادر مطّلعة كشفت أن فرنسا كانت أول من نبّه إلى هذا التحوّل في التنسيق الأميركي–الإسرائيلي، مشيرة إلى وجود توجّه لدفع لبنان نحو حوار مباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، ومن دون إشراك أطراف دولية أخرى. ويأتي هذا الطرح في إطار استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إسقاط كل الأطر القائمة التي تفترض دوراً للأمم المتحدة أو لقوى دولية، في ظل قرار إسرائيلي بعدم التعاون حتى مع المنظمة الدولية.
وفي هذا السياق، يجري العمل على تجميد آليات التفاوض الحالية، وفي مقدّمها لجنة «الميكانيزم»، التي أُلغي اجتماعها الأخير بذريعة وجود عقبات تنظيمية وسياسية. وتشير المعلومات إلى احتمال تجميد دور الممثلة الأميركية مورغان أورتاغوس لفترة طويلة، مع تداول اسم السفير ميشال عيسى كبديل محتمل. كما ترفض إسرائيل العودة إلى النقاشات التقنية، خصوصاً بعدما أصرّ الوفد اللبناني، برئاسة السفير سيمون كرم، على حصر البحث بعودة الأهالي إلى القرى الحدودية وربط أي نقاش اقتصادي بملف إعادة الإعمار.
وتُظهر الاتصالات الجانبية أن إسرائيل لم تعد ترى في لجنة «الميكانيزم» أداة مناسبة للمرحلة الراهنة، في مقابل تمسّك لبنان بها كإطار لتطبيق القرار 1701 أو كمدخل لإحياء اتفاقية الهدنة. غير أن الجانب الإسرائيلي يعتبر أن الهدنة لم تعد صالحة، وأن اتفاق وقف إطلاق النار عاجز عن تلبية هواجسه الأمنية، متهماً الجيش اللبناني بعدم القيام بواجباته جنوب نهر الليطاني.
في موازاة ذلك، تنتظر واشنطن زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة مطلع شباط، للاستماع إلى رؤيته بشأن ما يُسمّى «المرحلة الثانية» من عملية حصر السلاح، وسط تصاعد الخلاف الأميركي–الفرنسي حول إدارة ملف الجنوب. وتشير التقديرات إلى أن الجيش يفضّل حالياً تقييم المرحلة الأولى، والسعي إلى إلزام إسرائيل بخطوات ميدانية ملموسة، قبل تقديم أي خطة شاملة.
وفي لقاء غير رسمي مع إعلاميين، حذّر السفير سيمون كرم من أن تعطيل لجنة «الميكانيزم» يدفع الوضع نحو المجهول، مؤكداً وجود تطابق واضح بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، وضغوط متواصلة قد تتّخذ أشكالاً أكثر حدّة. واعتبر أن جوهر الأزمة يكمن في الطروحات الأمنية الإسرائيلية، واصفاً مطالبها بأنها «شديدة القسوة» ولا يمكن للبنان القبول بها، رغم استعداده لمناقشة تعديلات محدودة على اتفاقية الهدنة، ضمن إطار يحفظ سيادته ومصالحه الوطنية.
