كتاب بريطانيا الأسود: كيف طمست الإمبراطورية خطاياها في أقبية النسيان؟
كتب باسم الموسوي
*مشكلة الإنجليز أن تاريخهم حدث في الخارج، لذا هم لا يدرون ما يعنيه”.*
بهذه العبارة الساخرة لروائي إنكليزيا، يفتح الكاتب والصحفي البريطاني من أصل سيخي “ساتنام سانغرا” كتابه الصادم “إمبراطورية: كيف شكلت الإمبريالية بريطانيا الحديثة”. فمنذ قرون، وبريطانيا تكتب “كتابها الأبيض”؛ كتاب الانتصارات، وسيادة القانون، وإلغاء الرق، وبناء السكك الحديدية. لكنها في المقابل، أغلقت بالأقفال الحديدية **”كتابها الأسود”**؛ ذلك السجل الضخم الذي يضم مجاعات البنغال، ومذابح الأمراء، وسلاسل العبيد، ونهب المتاحف، وتأسيس العنصرية المؤسسية.
ما يكتشفه القارئ في رحلة سانغرا هو أن بريطانيا لا تعاني فقط من ماضيها الاستعماري، بل تعاني من “فقدان ذاكرة انتقائي” (Selective Amnesia) مرضي، جعلها تنظر إلى تنوعها العرقي الحديث على أنه “غزو” أو “أزمة”، بدلاً من كونه النتيجة الحتمية والمنطقية لتاريخها الإمبراطوري.
هندسة النسيان: البيوت الريفية والمتاحف الملوثة
إذا أردت أن تقرأ الصفحات الأولى من الكتاب الأسود، فلا تذهب إلى الأرشيفات، بل اذهب إلى ريف “الكوتسوولدز” الساحر، أو تجول في أروقة “المتحف البريطاني”.
يأخذنا سانغرا في جولة إلى قصر “سيزينكوت” (Sezincote)، ذلك المنزل الريفي الإنجليزي الأنيق ذو القبة البصلية الهندية، والذي بُني بثروات نهبها ضباط شركة “شرق الهند” من شبه القارة الهندية. إن بريطانيا الحديثة، ببيوتها الريفية الفخمة، ومدنها الصناعية مثل ليفربول وبريستول، ومؤسساتها المالية في “مدينة لندن”، لم تُبنَ بالعبقرية فحسب، بل مُولت بـ “الأموال القذمة” (Dirty Money).
وفي المتاحف، نجد ما يسميه المؤلف “النهب العاطفي” (Emotional Loot). التيجان الإثيوبية، وتماثيل جزر المحيط الهادئ، ومخطوطات التبت، ليست مجرد “مقتنيات أكاديمية” كما تدعي اللوحات التعريفية، بل هي غنائم حروب دُفعت أرواح الآلاف ثمنها. بريطانيا تخفي كتابها الأسود خلف زجاجات العرض الأنيقة، رافضةً فكرة “إعادة القطع” (Repatriation) بدعوى أنها “حامية للتراث الإنساني”، بينما هي في الحقيقة تحتفظ بمسروقات شعوب بأكملها.
### أسطورة “السكك الحديدية” وخرافة المهمة الحضارية
من أكثر الفصول إظلاماً في الكتاب الأسود هو ذلك الذي يحاول فيه البريطانيون تبرير الاستعمار. وأبرز ما في هذا الفصل هو “أسطورة السكك الحديدية الهندية”. كم مرة سمعنا أن بريطانيا قدّمت للهند شبكة قطارات عملاقة كمنحة حضارية؟
يكشف سانغرا، مستنداً إلى أبحاث المؤرخ كريستيان وولمار، زيف هذه الحجة. السكك الحديدية لم تُبنَ من منطلق “العطاء”، بل بُنيت لخدمة هدفين استراتيجيين: نقل البضائع البريطانية لسحب ثروات الهند، وتحريك القوات العسكرية بسرعة لقمع أي تمرد. والأدهى؟ أن دافعي الضرائب الهنود الفقراء هم من مولوا هذه المشاريع، بينما مُنح المستثمرون البريطانيون عوائد مضمونة، ومات عشرات الآلاف من العمال الهنود جوعاً ومرضاً أثناء البناء. إن الدفاع عن الإمبراطورية بـ “القطارات” هو كمن يدافع عن اللص لأنه ترك لك “حقيبة” سرقها منك.
سجل الدم والذهب: تجارة الرق وتعويضات الجلادين
لا يمكن فتح الكتاب الأسود دون مواجهة الصفحات المظلمة لتجارة الرق. بريطانيا لم تكن مجرد مشاركة في تجارة الرقيق، بل كانت تديرها وتسيطر عليها لقرون. ولكن المفارقة التي تكشفها الصفحات أن بريطانيا عندما ألغت الرق عام 1833، لم تدفع تعويضات للعبيد الذين سُلبت إنسانيتهم، بل دفعت تعويضات ضخمة (20 مليون جنيه إسترليني آنذاك) لـ “مالكي العبيد” البيض لتعويضهم عن “خسارة ممتلكاتهم”.
والأمر الأكثر إظلاماً أن دافعي الضرائب البريطانيين عانوا لسداد هذا الدين الضخم، ولم تُسدد آخر دفعة منه إلا في عام **2015**. أي أن البريطانيين المعاصرين ساهموا، دون أن يدروا، في دفع فواتير تعويضات لجلادي أجدادهم.
“نحن هنا لأنكم كنتم هناك”
الصفحات الأخيرة من الكتاب الأسود تتحدث عن الحاضر. العنصرية البريطانية، وموجات كراهية المهاجرين، وفضيحة “ويندروش” (حيث تم ترحيل مواطنين بريطانيين سود البشرة جاءوا من الكاريبي لإعادة بناء بريطانيا بعد الحرب)، كلها ليست حوادث عرضية، بل هي امتداد مباشر لـ “عقلية الإمبراطورية”.

البريطانيون الذين اخترعوا نظريات “الأعراق المحاربة” وصنفوا البشر حسب شكل جماجمهم ولون بشرتهم في المستعمرات، هم أنفسهم من استوردوا هذه التصنيفات إلى شوارع ولفرهامبتون ولندن. التنوع العرقي في بريطانيا ليس “صدفة” أو “غزواً”، بل هو نتيجة حتمية لمقولة الكاتب السريلانكي **أمبالافانير سيفاناندان** (Ambalavaner Sivanandan) الخالدة: **”نحن هنا لأنكم كنتم هناك”**. لقد رسمتم حدوداً، وسرقتم ثروات، وهدمتم مجتمعات في آسيا وأفريقيا، ثم جئتم إلى هنا هاربين من الجحيم الذي ساهمتم في صنعه.
الخلاصة: محاسبة الماضي (Vergangenheitsaufarbeitung)
يختم سانغرا رحلته بدعوة ملحة. بريطانيا تحتاج إلى أن تفعل ما فعلته ألمانيا مع ماضيها النازي؛ أن تخضع لعملية “محاسبة الماضي” (Vergangenheitsaufarbeitung).
إسقاط تماثيل تجار الرقيق ليس “محوًا للتاريخ” كما يصرخ المدافعون عن الإمبراطورية، بل هو في الحقيقة “صناعة للتاريخ”؛ لأن التماثيل لم تُرفع لتعليم التاريخ، بل رُفعت لتقديس الاستعمار.
“كتاب بريطانيا الأسود” ليس كتاباً يهدف إلى تدمير الهوية البريطانية أو إشعار البريطانيين بالذنب الأبدي. بل هو مرآة ضرورية. فبدون قراءة هذا الكتاب، ستبقى بريطانيا أمة تعيش في وهم “الاستثناء البريطاني”، وترفض فهم لماذا يعاني مجتمعها من انقسامات عرقية، ولماذا تفشل سياساتها الخارجية، ولماذا ينظر إليها العالم أحياناً بازدراء.
لن تُشفى بريطانيا إلا حين تفتح قبو النسيان، وتقرأ كتابها الأسود بصوت عالٍ، وتعترف أن الإمبراطورية لم تحدث “في الخارج” فحسب، بل حدثت في الداخل، وشكلت كل حجر، وكل قانون، وكل نفس في بريطانيا الحديثة.
