في انتظار «تشارين»، يقف المشهد الإقليمي والدولي على حافة مرحلة مفصلية، حيث لا تبدو المفاوضات الأميركية–الإيرانية قادرة حتى الآن على إنتاج تسوية واضحة، فيما تتداخل الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية مع استحقاقات انتخابية مرتقبة في الولايات المتحدة وإسرائيل. وبينما يستنزف الصراع أطرافه، تتقدم لعبة عضّ الأصابع، ويصبح الانتظار بحد ذاته جزءاً من المعركة، في ظل مخاوف متزايدة من أن يؤدي استمرار التعثر إلى انفجار أوسع، ولا سيما في ظل أزمة الطاقة والاضطراب في منطقة الخليج.
ينطلق إبراهيم الأمين من فكرة أساسية مفادها أن مسار المفاوضات الأميركية–الإيرانية لا يزال مفتوحاً على احتمالين متناقضين: تسوية تُعيد ترتيب العلاقة بين الطرفين، أو عودة إلى التصعيد والحرب. لكن الكاتب يرى أن الإرهاق الذي أصاب جميع أطراف الصراع، إلى جانب ارتفاع كلفة المواجهة، يجعلان الذهاب إلى حرب جديدة خياراً بالغ الصعوبة، من دون أن يعني ذلك أن الطريق إلى التسوية أصبح سهلاً.
وفي الحسابات الأميركية، يركّز المقال على أن دونالد ترامب يجد نفسه أمام معادلة معقدة: فهو يريد اتفاقاً مع إيران، لكن ليس بالصيغة السابقة، في حين أن طهران، رغم الأضرار التي لحقت بها نتيجة الحرب والعقوبات، لن تعود إلى أي تفاهم من دون ضمانات جديدة وأثمان سياسية واقتصادية واضحة. ومن هنا تصبح المفاوضات عملية شدّ حبال، يحاول خلالها كل طرف تحسين موقعه قبل تقديم أي تنازل.
ويضع الكاتب الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة وإسرائيل في قلب المشهد. فنتائج هذه الانتخابات قد تعيد رسم التوازنات الداخلية، وبالتالي تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الحكومتين على اتخاذ قرارات كبرى مرتبطة بالحرب والتفاوض. وفي إسرائيل تحديداً، يرى الأمين أن أزمة اليمين والخلافات المحيطة بنتنياهو قد تجعل تشكيل حكومة مستقرة أمراً بالغ الصعوبة، بما يفتح الباب أمام احتمال البحث عن حكومة وحدة وبرنامج سياسي جديد.
وهنا ينتقل المقال من الانتخابات إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل إسرائيل نفسها. فالكاتب يعتبر أن استمرار سياسة الحرب المفتوحة خلال السنوات الماضية جعل إسرائيل أمام أعباء سياسية وأمنية ودبلوماسية متزايدة، وأن قدرتها على الاستمرار في هذا النهج تبقى مرتبطة بدرجة كبيرة بالدعم الغربي. لذلك فإن أي تبدّل في المزاج الدولي تجاهها قد يتحول إلى عامل ضغط داخلي مؤثر، خصوصاً إذا تزامن مع أزمة سياسية وانتخابية.
أما في الولايات المتحدة، فيرى المقال أن الرهان على قدرة إدارة ترامب على مواصلة سياستها بمعزل عن نتائج الانتخابات النصفية ليس مضموناً. فهناك، وفق القراءة التي يقدمها الأمين، قوى أميركية تدفع باتجاه تسويات كبرى، فيما لم تعد الإدارة نفسها قادرة على ضمان نتائج إيجابية لأي مغامرة عسكرية جديدة، الأمر الذي يجعل خيار التفاوض أكثر حضوراً كلما ارتفعت كلفة التصعيد.
ويحتل ملف الطاقة ومضيق هرمز مساحة أساسية في المقال، إذ يعتبر الكاتب أن التداعيات الحقيقية للحرب قد تظهر بصورة أوضح خلال الخريف، مع استمرار اضطراب إمدادات الطاقة وحركة التجارة. ومن وجهة نظره، فإن التصريحات عن السيطرة على المضيق والعقوبات على إيران لا تعكس بالضرورة حجم التعقيدات الميدانية والاقتصادية، ما يضع الأطراف أمام خيارين: تصعيد عسكري واسع، أو تسوية تُجبر الجميع على تقديم تنازلات.
وفي هذا السياق، يتوقف المقال عند مواقف دول الخليج، وخصوصاً السعودية والإمارات، معتبراً أن الحرب فرضت على هذه الدول إعادة حساب مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية. ويقرأ الكاتب التحوط السعودي والارتباك الإماراتي باعتبارهما جزءاً من المشهد الأوسع الذي ينتظر مآلات المواجهة الأميركية–الإيرانية قبل تثبيت خياراته النهائية.
ومن الخليج يعود المقال إلى لبنان، حيث يأخذ منحى أكثر حدة في نقد أداء السلطة اللبنانية. ويرى الأمين أن التعويل على الضغط على حزب الله ودفعه إلى التخلي عن قدراته لا ينسجم، برأيه، مع طبيعة المرحلة الإقليمية، ولا مع واقع المفاوضات القائمة بين واشنطن وطهران. كما يعتبر أن محاولة تحميل المقاومة مسؤولية التعثر الإقليمي لن تغيّر من حقيقة أن القرار النهائي في الملفات الكبرى لا يزال مرتبطاً بتوازنات أميركية وإسرائيلية وإيرانية تتجاوز قدرة السلطة اللبنانية على التحكم بها.
ويشكّل الجيش اللبناني في خاتمة المقال نقطة مركزية، إذ يحذّر الكاتب من محاولة دفع المؤسسة العسكرية إلى مواجهة داخلية مع المقاومة، معتبراً أن مثل هذا المسار قد يفتح الباب أمام فتنة داخلية خطيرة. ومن هنا تأتي الخلاصة الأبرز للمقال: لبنان، بحسب هذه القراءة، لا يملك ترف الدخول في صراع داخلي بينما المنطقة بأكملها تنتظر نتائج التحولات الكبرى.
في المحصلة، يرسم المقال مشهداً عنوانه الانتظار، لكنه ليس انتظاراً سلبياً؛ بل انتظار محفوف بالضغوط والاحتمالات. «تشارين» بالنسبة إلى الكاتب ليست مجرد محطة انتخابية، بل موعد قد تبدأ بعده إعادة صياغة عدد من المعادلات في واشنطن وتل أبيب والمنطقة. وبينما تتأرجح الخيارات بين الحرب والتسوية، يبقى لبنان في موقع شديد الحساسية، إذ إن أي تبدّل في الإقليم سينعكس عليه مباشرة، فيما يبقى التحدي الأساسي أمام الداخل اللبناني هو تجنّب تحويل الصراع الإقليمي إلى مواجهة داخلية.
ابراهيم الامين
لا يحسم أي وسيط في المفاوضات الأميركية – الإيرانية وجهة الأمور بصورة واضحة. ميزان التفاؤل والتشاؤم بات رهن حسابات من نوع مختلف. والتعب الذي يبدو واضحاً على جميع المتحاربين، ينعكس قلة حماسة في الحديث عن عودة الحرب.
لا يحسم أي وسيط في المفاوضات الأميركية – الإيرانية وجهة الأمور بصورة واضحة. ميزان التفاؤل والتشاؤم بات رهن حسابات من نوع مختلف. والتعب الذي يبدو واضحاً على جميع المتحاربين، ينعكس قلة حماسة في الحديث عن عودة الحرب. حتى بنيامين نتنياهو، لا يملك ما يحفّز أحداً على مشاركته جنونه الدموي. وفي الأثناء، تتحوّل لعبة «عضّ الأصابع» بين واشنطن وطهران إلى معضلة من شأنها أن تستمر طويلاً ما لم يحصل خرق كبير في المحاولة القطرية الجادّة التي يُعمل عليها الآن.
في حسابات الكلفة، كل العالم بات على يقين بأن الولايات المتحدة غير قادرة على الذهاب بعيداً في مغامرات عسكرية كبيرة. لكنّ الجميع يقول إن دونالد ترامب، لن يقدر على تقديم تنازلات تتيح إحياء مذكّرة التفاهم مع إيران من دون تعديلات. وهو يعلم مُسبقاً، أن طهران، وإن كانت تضرّرت كثيراً بفعل الحرب، وتتضرّر بفعل الحصار القائم، إلا أنها لا تجد نفسها مضطرة إلى العودة إلى اتفاق من دون تحصيل ضمانات من نوع مختلف، وجبي المزيد من الأثمان.
وسط كل الضجيج، بات الجميع يتصرف على أساس أن هناك عناصر أساسية قد تكون مدخل أي حلّ أو تعثّر. وهي المتصلة بالانتخابات المُرتقبة في إسرائيل (نهاية تشرين الأول المقبل) وفي الولايات المتحدة (مطلع تشرين الثاني المقبل)، علماً أن نتائج هذه الانتخابات، تحتاج بدورها إلى شهور حتى تتحوّل إلى وقائع يُبنى عليها في المرحلة المقبلة. ذلك أن إدارة الرئيس الأميركي، قد لا تنتظر موعد منتصف كانون الثاني المقبل، حيث يجري تثبيت نتائج الانتخابات النصفية، وقد تكون محتاجة إلى حل سريع للأزمة الناجمة عن تعثّر الاتفاق مع إيران.
أمّا في كيان العدو، فإن التقديرات حيال نتائج الانتخابات المقبلة، تفتح الباب أمام احتمال بروز صعوبة في تشكّل ائتلاف قوي يقدر على إقامة حكومة مستقرة، علماً أن الخلافات التي تعصف باليمين الذي يقوده نتنياهو، تشير إلى احتمال أن يلجأ في اللحظة الصعبة إلى طرح فكرة حكومة وحدة وطنية، وهو لن ينجح في فرضها من دون برنامج عمل جديد. وهنا مربط الفرس، ذلك أن التنافس يقوم حالياً ليس على من يفوز بعدد المقاعد الأكبر، بل حول أي برنامج عمل مختلف عن القائم منذ 3 سنوات، حيث تحوّلت إسرائيل إلى كتلة من نار تحرق كل شيء من حولها. وهو مسار لا يمكن لأي دولة في العالم أن تستمر فيه، حتى ولو كان كل أهلها على موقف واحد، علماً أن خصوم نتنياهو، يعملون على جذب الكتل التي تعاني من أزمة جدّية نتيجة التحوّلات في المزاج العام العالمي تجاه إسرائيل. وكل الحديث عن أن كيان الاحتلال يمكنه أن يعمل بمعزل عمّا يجري في العالم، لا معنى له في حالة كيان لا يمكن له الاستمرار من دون رعاية غربية.
في أميركا، يعيش العالم على تسريبات وتصريحات ترامب وفريقه بأن استراتيجيتهما لن تتأثّر بنتائج الانتخابات النصفية، لكنّ الأمور ليست على هذا النحو. فهناك تيار قوي في أميركا يريد دفع الإدارة إلى تسويات كبرى، كما أن الإدارة نفسها لم تعد تضمن نتائج مناسبة من أي مغامرات جديدة.
هل يتحمّل العام المزيد من الاحتقان بسبب تعطّل إمدادات الطاقة، وهل ينجو لبنان من جنون إسرائيلي جديد؟
وإذا كان الإعلام يغرق في تغطية تصريحات عن السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وعلى موجة العقوبات ضد إيران وخلافها من الدعايات، فإن أهل منطقة الخليج العربي أولاً، وجماعة الأسواق المالية من جهة ثانية، والحكومات المتأثّرة بأزمة الطاقة من جهة ثالثة، كل هؤلاء يعرفون أن حقيقة الوضع لا تبشّر بالخير، وأن تراجع إمدادات الطاقة كبير جداً، وأن أميركا ليست مسيطرة على حركة التجارة في المضيق، وأن النتائج الأصعب، سوف تظهر تباعاً في الخريف المقبل، ولن يكون بمقدور أحد تجاهل ذلك، وأن العقوبات على إيران استعراضية أكثر منها حقيقية. ما يعني دفع الأمور صوب خيارات حاسمة: إمّا حرب واسعة وقاسية ومجنونة، وإمّا تسوية تجبر الكل على النزول عن الشجرة، والذهاب نحو تطبيع يقود إلى متغيّرات، ستظهر نتائجها تباعاً، وأهمّها سيكون في إسرائيل.
وإذا كان محمد بن سلمان يقود أكبر عملية «تحوّط» في تاريخ بلاده ربطاً بنتائج الحرب، فإن دولة مثل الإمارات العربية لا تعرف أن تستقر على خيار، وهي تقترب من التورّط في أمور قد تنعكس دماراً كبيراً على مستقبلها السياسي والاقتصادي والأمني، بينما يقف الآخرون في مربّع الانتظار، والعاقل منهم، يتسلّح بالصمت، بينما الغبي منهم، يُخرِج رغباته وترّهاته على شكل تقديرات سياسية، كما هو حال أركان سلطة الوصاية عندنا من جوزيف عون ونواف سلام إلى القوى الأخرى التي ترفع لواء إخراج فكرة المقاومة وقدراتها من لبنان بصورة نهائية.
وبمعزل عما يعتقده أركان هذه السلطة حيال مستقبل المفاوضات مع العدو، فإن الأميركيين أنفسهم، الذين يفضّلون مسار واشنطن، ويريدون إبعاد لبنان عن مسار المفاوضات مع إيران، صاروا يتحدّثون بلغة مختلفة، لكنهم يقولون في كل الأوقات، إنهم لا يقدرون على ممارسة الضغط على إسرائيل قبل انتهاء الانتخابات فيها، ما يدفع إلى الاعتقاد بقوة، أن لعبة المماطلة، من قبل إسرائيل أولاً، والولايات المتحدة ثانياً، سوف تعطّل أي نتائج لمسار واشنطن، وبالتالي فإن الحيلة الوحيدة بيدهم، هي إعادة رمي المسؤولية على حزب الله، وهو ما يتولاه عون وسلام وبقية جوقة الوصاية.
وكأنّ هؤلاء يعتقدون بأنهم في حال رفعوا مستوى التهويل والضغط، سوف يدفعون المقاومة إلى التنازل عن مواقفها، وهو ما حرص الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم على تكراره في خطبه الأخيرة، علماً أنه كان يجدر بفريق الوصاية التعامل بطريقة مختلفة مع قرار المقاومة عدم الدخول في مواجهة تكسر الهدوء النسبي القائم حالياً، رغم أنه يوجد ألف سبب وسبب لأن تستأنف المقاومة عملياتها العسكرية ضد قوات الاحتلال وأن تقود برنامجاً داخلياً يهدف إلى إسقاط هذا الحكم المجنون.
وإذا كان الجميع مضطراً إلى أن ينتظر نتائج انتخابات تشارين، سواء في كيان الاحتلال أو في الولايات المتحدة، فإن ذلك لا يعفي هذه السلطة المريضة، من تحمّل المسؤولية عن أحوال الناس، وها قد مرّت سنتان إلا بضعة أشهر على وجود هذه السلطة من رئاسة وحكومة، فيما تنهار البلاد ومؤسساتها يوماً بعد يوم، ولم يبقَ منها واقفاً على قدم واحدة، سوى الجيش، الذي لا يتوقّف عملاء أميركا وإسرائيل عن التحريض ضده، من أجل دفعه إلى مواجهة لا يريدها ولا يقدر عليها، وهو العارف بأن نتيجتها الوحيدة، هي إغراق لبنان في متاهة حرب أهلية جديدة!