بقلم العميد مالك أيوب
ما جرى في الثالث عشر من حزيران الجاري لم يكن مجرد رد إسرائيلي على تهديد نووي إيراني أو على إطلاق الصواريخ البالستية، بل عملية مركّبة ومدروسة بعناية فائقة، هدفت إلى قلب النظام الإيراني من الداخل عبر هجوم منسق متعدد الأبعاد، استند إلى عنصر المباغتة والتشويش والاختراق. الضربات لم تستهدف فقط منشآت نووية أو قواعد عسكرية، بل انطلقت لتطال مراكز قيادة وسيطرة، ومنازل ومقار شخصيات أمنية بارزة، ومواقع رادارات وإنذار مبكر، ومخازن صواريخ ومسيرات ومراكز صناعة، في محاولة واضحة لشل العمود الفقري للأمن العسكري الإيراني. وما كان لافتًا هو حجم التنسيق والتزامن، إذ جرى تفجير عشرات العبوات داخل إيران نفسها، واستخدمت شبكات نائمة من العملاء لتنفيذ موجات من المسيّرات الانتحارية والانفجارات، في وقت واحد تقريبًا، وهو ما يدل على أن إسرائيل كانت قد أعدت لهذه اللحظة منذ سنوات، عبر بناء شبكات بشرية ولوجستية متكاملة داخل العمق الإيراني، خاصة في طهران، مشهد، أصفهان، وأردبيل.
المسيرات التي استخدمت لم تكن قادرة وحدها على إحداث هذا الشلل الدفاعي، بل تزامن استخدامها مع تشغيل أجهزة تشويش إلكترونية متقدمة زرعت مسبقًا قرب مواقع الدفاع الجوي والرادارات، كما يعتقد أن طائرات حرب إلكترونية إسرائيلية شاركت في تعطيل الرادارات من خارج المجال الجوي الإيراني. وتمّ بالتوازي تنفيذ إغراق للرادارات بأهداف وهمية لتشتيت قدراتها، وشل منظومات بافار 373 وخرداد 15 وفلق، رغم أنها من أكثر أنظمة إيران تقدمًا. وقد ثبت أن إيران رغم امتلاكها أنظمة تشويش دفاعية متقدمة، لا تزال عاجزة عن مجاراة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية، إذ لا ترقى تقنيًا إلى مستوى الـ DRFM أو الشبكات الفضائية الهجومية التي تعتمدها إسرائيل في عملياتها.
ما يعزز فرضية أن الهدف كان إسقاط النظام، وليس مجرد توجيه ضربة، هو أن الهجوم تزامن مع محاولة خلق حالة فراغ في القيادة، وشل القدرة على التحكم والسيطرة، وتحفيز الشارع على النزول. فقد رافقت الضربات حملة إلكترونية مكثفة تهدف إلى خلق انطباع بأن الجمهورية الإسلامية قد سقطت عسكريًا، كما رُصدت دعوات من وسائل إعلام معارضة ومنصات خارجية لتفجير انتفاضة داخلية. وهذا المخطط، في حال نجاحه، كان سيقود إلى انهيار هرمي للسلطة على طريقة الانقلابات الباردة التي ترتكز إلى تدمير الثقة الشعبية في قدرة النظام على الصمود. إلا أن المخطط فشل في تحقيق هدفه النهائي، بسبب قدرة النظام على استيعاب الضربة، واستعادة السيطرة، واحتواء الخلايا العميلة بسرعة نسبية، خاصة بعد أن بدأت أجهزة الأمن الإيرانية بكشف شبكات كانت نائمة وتفعّلت بكبسة زر، وتبين أن بعضها انطلق من عمق الأراضي الأذرية المحاذية لإيران.
وما يلفت الانتباه أن أكثر من 80% من شبكات العملاء تم تفكيكها خلال ساعات بفضل اليقظة السريعة للأجهزة الأمنية والتعاون الشعبي الواسع، خصوصًا في المناطق الحساسة حيث قدّم السكان المحليون معلومات ثمينة ساعدت في إحباط عشرات العمليات المتزامنة. هذا الإنجاز الاستخباري الكبير أفقد إسرائيل “العين التي كانت ترى من خلالها داخل إيران”، وأربك كثيرًا من وحداتها المتقدمة في جمع المعلومات. كما أن القيادة الإيرانية، وبحكمة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، سدت أي فراغ محتمل في الهرم العسكري بسرعة لافتة، حيث تم تعيين بدلاء محل القادة الشهداء، وأُعيد تفعيل غرف العمليات بسرعة دون أن يشعر الداخل بأي حالة انهيار أو شلل.
أما على الصعيد الشعبي، فقد فاجأ الشارع الإيراني كل من راهن على انهيار داخلي، إذ نزلت جماهير غفيرة إلى الساحات في طهران ومشهد وأصفهان، وهتفت تأييدًا للمرشد ورفعت شعارات الانتقام من إسرائيل، مما أرسل رسالة داخلية وخارجية واضحة: أن الشعب رغم كل الضغوطات لا يزال يعتبر النظام جزءًا من هويته، وأن محاولات اختراقه فشلت في زعزعة البنية الاجتماعية الحاضنة. وهكذا يمكن القول إن عملية “الأسد الصاعد”، وإن كانت خطيرة في أهدافها، تحوّلت إلى اختبار نجحت فيه إيران في الحفاظ على تماسُكها الداخلي، وأثبتت فيه أن النظام يمتلك القدرة على الصمود والرد، وأن أجهزته الأمنية والاستخبارية ليست نائمة، بل قادرة على التصدي لأكثر السيناريوهات تعقيدًا. لقد سقط المشروع الإسرائيلي في نصف الطريق، وبدل أن تسقط الجمهورية الإسلامية، أثبتت أنها عصية على الانهيار، وأن الطريق إلى قلب نظامها ليس بهذه السهولة التي تخيلها البعض.
