تُذكّر جرائم عصابات المستوطنين الإسرائيليين بحق الفلسطينيين، في هذه المرحلة، بدور العصابات الصهيونية -ومنها “البالماخ” و”الإرغون” و”الهاغاناه” و”شتيرن” وغيرها- في قتل وتهجير الشعب الفلسطيني إبان النكبة (1948)، وتعكس الفكر الإرهابي المتأصل في مشروع الحركة الصهيونية للاستيطان في فلسطين.

وارتكبت هذه العصابات مذابح ومجازر شهيرة في التاريخ الفلسطيني، منها مجازر دير ياسين، والطنطورة، وبلد الشيخ، وأبو شوشة، بهدف تهجيرها. وهي العقلية ذاتها التي نفذت مجزرة كفر قاسم في العام 1956 لترويع الفلسطينيين في منطقة المثلث، وإجبارهم على الهجرة للأردن.

كتب موقع الجزيرة اليوم الخميس: لعقود طويلة، وظفت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة جماعات المستوطنين للنشاط بالضفة الغربية والقدس المحتلتين، حيث وفرت لهم الغطاء القانوني والدعم المالي والسياسي. كما حظيت هذه الجماعات بدعم الحاخامات، وارتكبت الجرائم بلا عقاب.

وأظهرت معطيات الشرطة الإسرائيلية أن 3.8% فقط من ملفات اعتداءات المستوطنين ضد فلسطينيين انتهت بلوائح اتهام. إذ أكدت منظمة “ييش دين” الحقوقية أن “جهاز إنفاذ القانون الإسرائيلي يسمح على مر السنين باستمرار بانفلات المستوطنين، وسط فشل الشرطة الإسرائيلية في معالجة عنف المستوطنين ضد فلسطينيين”.

ومنذ المواجهات الواسعة مع الاحتلال في القدس والضفة الغربية والداخل في مايو/أيار 2021، والعدوان العسكري الأخير على قطاع غزة، صعّدت عصابات المستوطنين من هجماتها على القرى والمنازل والممتلكات الفلسطينية.

ويقود هذه الهجمات الناشطتان اليمينيّتان البارزتان يهوديت كتسوفر ونادية مطر، ومعهما رئيس مجلس المستوطنات بشمال الضفة الغربية يوسي دغان.

نشأة إرهاب المستوطنين بالضفة

في 12 أبريل/نيسان 1968 سُجّل أول اعتداء مُنظم من قبل المستوطنين ضد الفلسطينيين، وذلك عندما قامت مجموعة منهم بقيادة الحاخام المتطرف موشيه ليفنغر باقتحام فندق “النهر الخالد” وسط مدينة الخليل للاحتفال بعيد الفصح العبري.

رفض ليفنغر إخلاء الفندق المملوك لعائلة القواسمة للاحتفال بعيد الفصح، وبقي فيه مع مجموعة من المستوطنين المدججين بالسلاح، وشكّلت هذه الحادثة عمليا موطئ القدم الأولى للاستيطان في الخليل وجنوب الضفة الغربية.

لتوسيع المشروع الاستيطاني

وظّف الحاخام ليفنغر العربدة وترويع الفلسطينيين بالخليل بحماية من جيش الاحتلال لتوسيع المشروع الاستيطاني هناك. وبعد حوالي 10 سنوات من زرعه بقلب الخليل القديمة والسيطرة على الفندق، ومع تولي حزب الليكود برئاسة مناحيم بيغن السلطة في إسرائيل، منح الاحتلال التسهيلات لمجموعة المستوطنين بقيادة ليفنغر للسيطرة على العقارات وممتلكات الفلسطينيين في شارع الشهداء الشهير بالمدينة.

ودفعت حكومة بيغن في العام 1980 أشد المستوطنين تطرفا للاستيطان في قلب الخليل بعد السيطرة على مبنى “الدبويا” الذي سمّاه المستوطنون “بيت هداسا”، وهو ملاصق للمسجد الإبراهيمي الشريف.

ووفرت حكومة الاحتلال الغطاء القانوني والدعم المالي والأمني للمستوطنين الذين تمادوا في الاعتداءات والتضييق على الفلسطينيين لإجبارهم على الهجرة القسرية، وسلب ممتلكاتهم وعقاراتهم في شارع الشهداء، حيث عصب الاقتصاد الخليلي، حتى أغلق الشارع بأوامر عسكرية.

التنظيم اليهودي السري

شكّل مطلع الثمانينيات محطة مفصلية في الإرهاب المنظم الذي قاده المستوطنون، إذ كشف النقاب عن “التنظيم السري اليهودي” الذي انطلقت نواته من قلب الاستيطان في الخليل، وكان في عضويته صهر الحاخام لفنيغر.

بدأت فكرة التنظيم كـ”جماعة أهلية” تابعة لحركة “غوش إيمونيم”، التي تنشط في دعم المستوطنين وتوسيع المشروع الاستيطاني، واندرج تحت لوائه 27 مسلحا، غالبيتهم العظمى شغلوا مناصب عليا في الحركة وبمنظمات استيطانية أخرى، وأُسّس التنظيم السري الثلاثي: مناحيم ليفني، ويهوشع بن شوشان، ويهودا عتصيون.

أتت فكرة تشكيل التنظيم السري الذي نشط حتى العام 1984، ردا على توقيع اتفاقية كامب ديفيد، التي أفضت إلى معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية في العام 1979.

وسعى التنظيم إلى إحباط اتفاقية السلام بين تل أبيب والقاهرة، إذ رأى فيها المقدمة الأولى لإقامة الدولة الفلسطينية بالضفة الغربية وغزة وشرقي القدس، كما أنه هدف لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية والأغوار، وعدم اقتصاره على منطقة الخليل.

أبرز عملياته

وضع التنظيم الإرهابي على أجندته هدفين أساسيين، الأول تفجير مسجد قبة الصخرة في المسجد الأقصى، والثاني وضع برامج لتنفيذ هجمات واعتداءات شاملة وواسعة على الفلسطينيين بالضفة والأغوار والقدس، لترويعهم ودفعهم إلى الهجرة، والاستيطان مكانهم.

في الثاني من يونيو/حزيران 1980، نفذ التنظيم اليهودي السري سلسلة من الهجمات الإرهابية عبر تفجير سيارات ملغومة لمسؤولين فلسطينيين، ومن ضمنهم رؤساء بلديات، والتي أصيب فيها كل من رئيس بلدية نابلس بسام الشكعة، ورئيس بلدية رام الله وكريم خلف اللذان بُترت أطرافهما، في حين نجا رئيس بلدية البيرة إبراهيم الطويل من محاولة الاغتيال.

وناقش التنظيم الإرهابي مخططا لتفجير قبة الصخرة عبر ارتطام طائرة محملة بالمتفجرات، ووضع حجر الأساس مكانه لإنشاء “الهيكل الثالث”. ونفذ عناصر التنظيم يوم 23 يوليو/تموز 1983 هجوما مسلحا على طلاب الجامعة الإسلامية بالخليل، مما أسفر عن 3 شهداء و33 جريحا.

شاركها.