أخيراً، تمكّن الفريق الأمريكي في لبنان من اعتلاء كراسي السلطة بزخمٍ لم يتحقق لهم قبل مدّة، بعد أن كانت المساكنة مستقرّة على أنصبة ومستويات، قبل أن يُمنى فريق المقاومة بتراجعٍ بيّنٍ. لكن فريق التجديد لم يلبث أن أصاب الجمهور اللبناني بصدمة، حين لم يجد الجمهور لدى الفريق المدّعي للحداثة، والبارع في بيع الأوهام (الديمقراطية والحوكمة وحقوق الإنسان… التنمية والشفافية والسيادة)، امتيازاً لنموذجه الحاكم على الدولة القديمة التي انتقدها التغييريون، فسقط قبل يبدأ تحدّي السباق نحو الدولة الحديثة التي تشكّل حاضنة لجميع مواطنيها.
تطبيع مع الصهيوني وعداء لإيران
فمع الدولة الحديثة بطبعة نواف سلام وجوزاف عون ونجم الخارجية يوسف رجّي استفقنا على مفاتيح فكرية وسياسية دولتية (نسبة إلى الدولة)، تجعل الدولة حكراً على فريق دون بقية المواطنين، وتحتفي بأصحاب الملفات المشبوهة، بل بالفاسدين، وتتوه بعيداً عن مجالات الخير العام والتنمية، لتصل إلى التخلّي الفادح عن جزء من التراب الوطني في الجنوب اللبناني. يقول الأول: “حالة العداء بين لبنان وإسرائيل يجب أن تنتهي إلى الأبد”، ويكملها في إعلان واشنطن بعدم وجود أي نوايا عدائية تجاه بعضهما البعض. أما الثاني فيردّد لازمة أن “لا أحد يفاوض عن لبنان”، فيما الثالث عملُه موقوف على “تقريع” أي خطاب أو عمل إيراني يرِد فيه دفاع عن لبنان وشعبه.
إذن، لا مجال مع فكر سياسي محدود بثلاثة أقانيم، يرددها وجوه السلطة الحالية، أن يتوقّع منه الشعب اللبناني الارتقاء إلى ما وعدت به البيانات الرئاسية والحكومية من مثل الاستراتيجية الدفاعية والسيادة الوطنية؛ وماذا نفعل باختيار السلطة الكسل والاستجداء، وركونها إلى وسوسات الشيطان الأمريكي الكذوب، وقد غاصت في مستنقعين: التطبيع مع الاحتلال الصهيوني وإباحة الأرض الوطنية للمحتل الغاصب. لذلك، لم يكن عسيراً على هذه السلطة الامتناع عن الإدانة اللفظية للإجرام الصهيوني بحق لبنان واللبنانيين، ثم المبادرة إلى تنسيق أمني في مواجهة المشروع المقاوم في جنوب لبنان، في الوقت الذي حنثت فيه بعهدها أن تصوغ استراتيجية للأمن الوطني (دفاعية) لحماية الجنوب ولبنان، تكون مقدمة وإطاراً لطمأنة الشعب عموماً واستيعاب قواه المناضلة والمقاومِة في إطار قانوني لمواجهة الاحتلال الصهيوني. لكأن السلطة بوقاحة متناهية عدوة للشعب – لا شعبها – فلا موقف من وزير خارجية أو رئيس حكومة أو رئيس جمهورية، فيما الجيش اللبناني رهين الموقف السياسي المناقض لعقيدته الوطنية.
ومن لطيف القول أن أحدهم وجد امتيازاً لجوزاف عون عن محمود عباس بالامتثال للاشتراطات الأمريكية والصهيونية؛ فالثاني احتاج سنوات للمكوث في مبناه الرئاسي طائعاً للصهيوني، فيما الأول لم يستهلك سوى أشهر؛ وميزة الأول على الثاني أن في لسانه حدّة محروم منها الثاني!
من انسحاب تكتيكي إلى انهزام استراتيجي
وأول ما كان من امتحان السيادة لدى السلطة اللبنانية الحالية أنها صمتت عن إدانة المقتلة التي ارتكبها العدو الصهيوني بمئات الشباب اللبنانيين والمواطنين الآخرين خلال 15 شهراً، ثم وجّهت الجيش اللبناني إلى الانهزام أمام قوات الاحتلال الصهيونية في الحرب الجارية. ثمة أمر لا يصدق! الجيش ينسحب من القرى الجنوبية قبل نزوح الأهالي إلى المناطق الآمنة، بالرغم من بيان قيادته الذي يتحدث عن إعادة انتشار. وأنّى يكون الانسحابُ إعادةَ انتشار، ولا جدّيةَ ظاهرة لدى الجيش، ولا لدى قيادته السياسية، في مواجهة الغزو الصهيوني؟! في الواقع، لم يكن الأمر انتشاراً، بل انسحاباً من المكان الذي يجب عليه أن يدافع عنه، ويمنع العدو من تدنيسه! لكن الظاهر أن ثمة سلطة سياسية رأت ما رأته “حكومة فيشي” سابقاً، بأن تخضع لألمانيا النازية وتفتح البلاد للغازي. لم ينفع نداء البعض لإبقاء القوات العسكرية في المنطقة الحدودية، ولا رغبة البعض الآخر في مواجهة الغزاة. ثم من ذا الذي يمكن أن يخاطبَه أهلُ الثغور الجنوبية؟ السلطة متوارية من خيبتها، والجيش يتابع انسحابه التكتيكي، بل الاستراتيجي، ولبنان فاقد كلّ صورة من صور الوطن، لولا رجال المقاومة وأهل الجهاد.
ما بين استعراض السلطة الفارغ وتآمر اليمين التاريخي
لكن بعضاً من اللبنانيين لم يؤمن يوماً بضرورة دفاع الجيش اللبناني عن البلاد، ولم يرَ من دور له إلا حماية الامتيازات الطائفية، فإذا اختلت الموازين حملوا على الجيش قدحاً وذمّاً وتوهيناً؛ هؤلاء مجموعة من اليمينيين كبعض من يشغلون موقعاً نيابياً أو وزارياً (سليم الصايغ، نديم الجميل، عادل نصار…) ممن ينتمون إلى قوى تحالفت تاريخياً مع الكيان الصهيوني، أو كانت لها علاقات واستراتيجيات متكاملة على ضفتي الحدود، مثلما حصل في العام 1982. أما القسم الآخر ممن لا يؤمنون بأن الجيش سيقاتل، فهم أبناء المقاومة الفعلية الذين خبروا الميدان، والذين يؤكّدون أن العدو لن يرتدع إلا بالقوة المادية.
الطريف في السجال ما سبق من استعراضٍ لرئيس الجمهورية جوزاف عون حينما أعطى الأمر – باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة اللبنانية – بالتصدّي للعدو والرّد على مصادر النيران الآتية من العدو الصهيوني. يومها، صدّقه البعض، وضحك آخرون كثيراً. قد كان يمكن لذلك الكلام الفولكلوري أن يُغتفر لو ورد في “أمر اليوم” أو في مناسبة من المناسبات الوطنية التي لا ترتّب خسائر جلية في الماديات أو الأرواح، وفي ما يمكن أن يكون، لا في ما هو كائن في الميدان؛ وقد أثبتت الأيام أن كلام جوزاف عون لم يكن إلا استعراضاً فارغاً من اي قصد أو قيمة، فلا تصدّيَ ولا من يتصدّون في كل هياكل هذه الدولة القائمة على الوساطات والنفعية الزبائنية والاسترزاق الشهري.
الاستراتيجية الدفاعية وخيارات السياسة والميدان
هنا، تنطرح بقوة قضية الاستراتيجية الدفاعية أو الاستراتيجية الأمنية التي “نحتها” ماريشال الجمهورية، تذاكياً وهروباً من وقع الاسم الأول ومنشئه المقاوم. لكن الواقع يكذّب ادعاء السلطة الحالية حرصها على الدفاع عن الوطن وترابه، ويستدعي ابتداع صيغة تستجيب لتحديات المرحلة الراهنة وفق رؤية وطنية، لا وفق أجندة العدو!
ولو كانت السلطة جادة في البحث عن سبيل لمواجهة الأطماع الخارجية بلبنان، فلربما اقتدت بـ “النموذج السويسري”، فأخضعت الشباب اللبناني إلى تدريبات عسكرية كاملة، تجمع بين الالتزام العسكري المؤسسي والروحية الشعبية التطوعية المقاوِمة. ثم إذا كانت الحرب التحق الجيش المتطوّع بجبهاته، جنباً إلى جنب مع الجيش النظامي؛ فيكون الجيش هو النواة الصلبة للقوات المسلحة، ويكون المتطوعون هم المدد عدداً وقدرةً. هذا الخيار فعّال ومهني، ويبقى ضمن الأطر القانونية والدستورية.
أما الطريقة الأخرى للدفاع عن الوطن فيمكن أن يكون في رعاية الدولة للمقاومة القائمة راهناً؛ وبما أن السياق اللبناني قدّم لنا نماذج مقاومة تقوم على تصدّي حزب معين أو جماعة معينة للعدو الصهيوني بفعل التماس الجغرافي، الالتزام العقائدي، أو البعد الميداني، فإن الدولة يمكن أن ترعى هذه المقاومة من أجل تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى، ولا مناص لها من الالتزام بهذا الدعم.
ويمكن الدولة ثالثاً – ببساطة متناهية – لو كانت تريد قتالاً، أن تبادر إلى إجراء تعديل هيكلي على قطعات الجيش اللبناني، لتستجيب للحرب غير المتماثلة، عبر تشكيلها كمجموعات مقاوِمة، ثم مباشرة حرب عصابات.
خيارنا مقاومة
أما وأن المؤسسة قد تخلت عن مهمتها الوطنية والدستورية، فإن الشرعية الشعبية تنصرف إلى عموم المواطنين وتشكيلاتهم، وقد حصل ذلك بالفعل؛ فالمقاومة تباشر هذه المهمة بكفاءة عالية، وترفع مستوى التحدي بالرغم من التضحيات الجسام، شباباً وأموالاً وبناءً؛ ولا خيار أمام تخلّي السلطة السياسية وقواتها المسلحة عن المهمة الوطنية غير تأطير الموارد الشعبية وفق منطق الشرعية التي تكفلها القوانين الدولية.
المسؤولية الإعلامية والسياسية عظيمة في هذا المقام، ولا يمكن عمل جليل بهذا المستوى أن يكون بضاعة رخيصة على ألسنة بعض تجار السياسة والإعلام، بل يجب أن يكون التعاطي معه متميزاً بأقصى درجات المسؤولية. أما المعادلة التي يتسلى بها تجار السياسة ومراهقوها فلا يمكن أن تستقيم، ولا يمكن أن تقنع أحداً، ولا تشكّل طرحاً جدياً أو مبادرة عملية في سياق مواجهة العدو، لأنها لن تنتج إلا استسلاماً أمام العدو وتسليماً بشروطه الميدانية والسياسية والاستراتيجية، وهو ما لا يمكن أن يقبله أي وطنيّ في هذه البلاد والجمهورية. وقد يكون كثير من الكلام المداهن للعدو والرافض للمواجهة معه ومقاومته تعبيراً عن تواطؤ واقعي، وتنسيق أمني وسياسي من أجل تغيير المعادلات الداخلية اللبنانية والإقليمية، والالتحاق بذلة بالمحور الإمبريالي الأمريكي.
طارق قبلان
09/06/2026
