رغم العقوبات.. كيف مرت مليارات الأموال الإيرانية عبر بنوك أمريكية؟
رغم العقوبات الأمريكية المشددةالتي تستهدف عزل إيران عن النظام المالي العالمي، كشفت تقارير عن استمرار مرور مليارات الدولارات المرتبطة بطهران عبر شبكة معقدة من البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الأجنبية، بما يسمح لأموال مرتبطة بشبكات إيرانية بالوصول بصورة غير مباشرة إلى النظام المصرفي الأمريكي.
وأفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية بأن مليارات الدولارات المرتبطة بإيران تمر سنويا عبر حسابات مراسلة لدى بنوك أمريكية، في ثغرة تكشف صعوبة إحكام العزلة المالية المفروضة على طهران. ويأتي ذلك في وقت صعّدت فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملتها ضد الشبكات المالية التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات.
وتظهر القضية أن الأموال الإيرانية عبر البنوك الأمريكية لا تمر بالضرورة من خلال بنوك إيرانية بصورة مباشرة، وإنما يمكن أن تتحرك عبر مؤسسات مالية أجنبية وشركات واجهة وشبكات مصرفية متعددة المستويات قبل الوصول إلى النظام المصرفي القائم على الدولار.
كيف تصل الأموال الإيرانية إلى النظام المصرفي الأمريكي؟
كيف تصل الأموال الإيرانية إلى النظام المصرفي الأمريكي؟
بحسب “وول ستريت جورنال“، تستفيد إيران من نظام مصرفي دولي قائم منذ عقود، يسمح للبنوك الأجنبية بإجراء معاملات بالدولار من خلال البنوك الأمريكية.
وتستخدم طهران لهذا الغرض شركات واجهة وشبكات مصرفية غير مباشرة في دول ومراكز مالية من بينها الإمارات والصين وهونغ كونغ، بهدف إخفاء الصلة المباشرة بين الأموال والجهات الإيرانية الخاضعة للعقوبات.
ورغم توجه إيران بصورة متزايدة إلى استخدام اليوان والعملات المشفرة وغيرها من الأدوات لتقليل اعتمادها على الدولار، فإن العملة الأمريكية لا تزال ضرورية لتسوية جزء من تجارتها، وخصوصًا للحصول على بعض السلع والمكونات والتقنيات التي تحتاج إليها.
وتكمن المفارقة في أن العقوبات التي تستهدف منع إيران من الوصول المباشر إلى النظام المالي الأمريكي لا تمنع بالضرورة كل التدفقات غير المباشرة، طالما تمكنت الأموال من المرور عبر مؤسسات أجنبية لديها علاقات مصرفية مراسلة داخل الولايات المتحدة.
البنوك المراسلة.. الحلقة الأساسية في حركة الدولار
البنوك المراسلة.. الحلقة الأساسية في حركة الدولار
تلعب البنوك المراسلة دورا محوريا في النظام المالي العالمي، إذ تعمل كمؤسسات وسيطة تتيح للبنوك الموجودة في دول مختلفة إجراء التحويلات والتسويات المالية، خصوصًا عندما تكون المعاملة بعملة لا تصدرها الدولة التي يوجد فيها البنك.
وفي حالة الدولار، يمكن أن تمر المعاملة في نهاية المطاف عبر مؤسسة مالية أمريكية، حتى لو لم يكن الطرف الإيراني ظاهرًا بصورة مباشرة في العملية.
وهذه الآلية تمنح السلطات الأمريكية قدرة كبيرة على مراقبة التدفقات المالية، لكنها في الوقت نفسه تجعل عملية تعقب الأموال أكثر تعقيدًا عندما تستخدم شبكات متعددة من الشركات والبنوك والوسطاء.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أشارت إلى حجم كبير من التدفقات المرتبطة بالشبكات الإيرانية، بينما تواصل واشنطن في 2026 اتخاذ إجراءات تستهدف المؤسسات التي تساعد طهران على الوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي.
1.8 مليار دولار عبر فرع بنك مصر في الإمارات
1.8 مليار دولار عبر فرع بنك مصر في الإمارات
برز فرع بنك مصر في الإمارات باعتباره أحدث الأمثلة على هذه الشبكات المالية.
وفي 28 آب 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أن شبكة مكافحة الجرائم المالية “FinCEN” اقترحت إجراءً يستهدف وصول فرع بنك مصر في الإمارات إلى الحسابات المراسلة لدى المؤسسات المالية الأمريكية. وقالت الوزارة إن الفرع عالج نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يُحتمل أن تكون جزءًا من شبكات مصرفية موازية مرتبطة بإيران، وذلك بين كانون الثاني 2024 وحزيران 2026.
وبحسب الخزانة الأمريكية، كان الفرع يمثل نقطة مهمة في وصول النظام الإيراني إلى الدولار، فيما استخدمت بعض الجهات المستفيدة شركات واجهة يُشتبه في ارتباطها بوزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري الإيراني وشبكات مالية أخرى.
وأكدت الوزارة أن الإجراء المقترح لا يستهدف عمليات بنك مصر في الدول الأخرى، وإنما يركز تحديدًا على فرع البنك في الإمارات.
وقال بنك مصر، وفق ما نقلته “وول ستريت جورنال”، إنه على اتصال بوزارة الخزانة الأمريكية وإنه يلتزم بالأطر التنظيمية والقانونية ذات الصلة.
لماذا يصعب اكتشاف الشبكات المالية الإيرانية؟
لماذا يصعب اكتشاف الشبكات المالية الإيرانية؟
تكمن الصعوبة الأساسية في أن الأموال قد تمر عبر عدة دول ومؤسسات قبل الوصول إلى وجهتها النهائية.
فبدلًا من إرسال الأموال مباشرة من مؤسسة إيرانية خاضعة للعقوبات إلى جهة أخرى، يمكن استخدام شركة تجارية في دولة ثالثة، ثم بنك أجنبي، ثم حساب مراسل بالدولار في الولايات المتحدة.
وتؤدي هذه الطبقات المتعددة إلى إخفاء العلاقة الأصلية بين مصدر الأموال والمستفيد النهائي، خصوصا عندما تستخدم الشركات واجهات تجارية تبدو مستقلة عن المؤسسات الإيرانية.
ونقلت “وول ستريت جورنال” عن إيلين ديزينسكي، المسؤولة السابقة في وزارة الأمن الداخلي والباحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن اكتشاف شبكات المصارف غير الرسمية شديد الصعوبة، لكنه ليس مستحيلًا، مشيرة إلى أهمية تتبع التدفقات المالية عبر المؤسسات المراسلة.
وتزداد أهمية هذا الأمر بالنسبة إلى الأموال الإيرانية عبر البنوك الأمريكية لأن الوصول إلى الدولار يمنح الشبكات المالية المرتبطة بإيران قدرة على إجراء تسويات دولية رغم العقوبات.
واشنطن تصعّد الضغط على الشبكات المالية
واشنطن تصعّد الضغط على الشبكات المالية
لا تقتصر الإجراءات الأمريكية على بنك مصر في الإمارات.
ففي 7 آب 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية اتخاذ إجراءات ضد شبكات مالية إيرانية متعددة الدول، وقالت إن هذه الشبكات ساعدت النظام الإيراني على تحريك مئات الملايين من الدولارات عبر منظومة مصرفية موازية. ووصفت الوزارة تلك الشبكات بأنها جزء من بنية مالية تستخدمها طهران للحصول على العملات الأجنبية وتحويل الإيرادات وإخفاء مسارات الأموال.
وفي 4 أيلول 2026، أظهرت قائمة الإجراءات الحديثة لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي “OFAC” استمرار استهداف الشبكات المالية المرتبطة بإيران، في مؤشر على أن واشنطن توسع حملتها لتشمل المزيد من الوسطاء والقنوات التي تساعد طهران على الوصول إلى النظام المالي الدولي.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن الاستراتيجية الأمريكية لم تعد تركز فقط على البنوك الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل الشركات الوهمية، وبيوت الصرافة، والوسطاء الماليين، والبنوك الأجنبية التي توفر قنوات للوصول إلى الدولار.
معضلة أمام إدارة ترامب
معضلة أمام إدارة ترامب
تواجه إدارة ترامب معضلة معقدة في التعامل مع هذه التدفقات.
فمن جهة، تريد واشنطن إغلاق القنوات التي تسمح لإيران بالحصول على الدولار وتمويل تجارتها وشبكاتها المالية.
ومن جهة أخرى، فإن اتخاذ إجراءات شاملة ضد عدد كبير من المؤسسات المالية الأجنبية يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في حركة المدفوعات الدولية، أو يدفع مزيدًا من الدول والشركات إلى البحث عن بدائل للنظام المالي القائم على الدولار.
وقال أليكس زيردن، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، إن زيادة استخدام هذه الأدوات قد تؤدي إلى زيادة الحوافز لاستبدال الدولار بعملات وأدوات أخرى.
كما نقلت الصحيفة عن جيسون برنس، المسؤول السابق في وزارة الخزانة، أن واشنطن لا تستطيع اتباع نهج شامل دفعة واحدة، لأن ذلك قد يؤدي إلى آثار جانبية تتعارض مع أهداف السياسة الأمريكية.
هل تستطيع واشنطن إغلاق القنوات بالكامل؟
هل تستطيع واشنطن إغلاق القنوات بالكامل؟
رغم العقوبات المتتالية، يبدو أن القضاء الكامل على الشبكات المالية غير المباشرة يمثل تحديًا كبيرًا.
فالاقتصاد الإيراني يبحث باستمرار عن طرق جديدة لتحويل الأموال، بينما تستخدم الشبكات المالية الموازية مجموعة من الشركات والحسابات والوسطاء في دول مختلفة.
وفي المقابل، تملك الولايات المتحدة أدوات قوية نتيجة الدور المركزي للدولار في التجارة العالمية، إذ تستطيع وزارة الخزانة استخدام العقوبات وقيود الوصول إلى النظام المالي الأمريكي للضغط على البنوك الأجنبية التي تعتبرها جزءًا من شبكات الالتفاف على العقوبات.
وفي حالة بنك مصر الإماراتي، اقترحت FinCEN منع المؤسسات المالية الأمريكية من فتح أو الإبقاء على حسابات مراسلة مرتبطة بالفرع، إلى جانب فرض إجراءات عناية واجبة إضافية على بعض المعاملات.
الدولار بين أداة ضغط ونقطة ضعف
الدولار بين أداة ضغط ونقطة ضعف
تكشف القضية جانبًا آخر من أهمية الدولار في النظام المالي العالمي.
فهيمنة العملة الأمريكية تمنح واشنطن قدرة استثنائية على مراقبة حركة الأموال والتأثير في المؤسسات المالية حول العالم، لكن هذه الهيمنة نفسها تجعل النظام المالي العالمي شديد الترابط.
ولهذا فإن أي محاولة لتشديد القيود على التدفقات الإيرانية يجب أن توازن بين منع إيران من استخدام النظام المالي الأمريكي وبين تجنب إحداث اضطرابات أوسع في التجارة والمدفوعات الدولية.
وتشير الإجراءات الأمريكية الأخيرة إلى أن واشنطن تراهن على استهداف نقاط محددة في الشبكات المالية بدلًا من قطع العلاقات المصرفية الدولية بصورة شاملة.
فحتى عندما تكون البنوك الإيرانية نفسها ممنوعة من الوصول المباشر إلى النظام المالي الأمريكي، يمكن أن تحاول الجهات المرتبطة بها استخدام مؤسسات أجنبية وشركات واجهة وبنوك مراسلة للوصول بصورة غير مباشرة إلى الدولار.
وهذا يفسر استمرار الجهود الأمريكية لتحديد الوسطاء والقنوات التي تسمح بمرور الأموال، بدل الاكتفاء باستهداف المؤسسات الإيرانية المعروفة.