د.محمد خليل رضا:معاينة الأسرى المحررين حديثًا من السجون الإسرائيلية

من زاوية الطب الشرعي واختصاصاته

ولكن… مع بعض الملاحظات في العمق

بقلم الدكتور محمد خليل رضا
بيروت – لبنان
أفرجت إسرائيل بالأمس عن خمسة محررين مدنيين، ثلاثة لبنانيين واثنين سوريين، عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من معبر الناقورة الحدودي.
وتدخل هذه الحالات، بطريقة أو بأخرى، ضمن بعض اختصاصاتي المتنوعة في الطب الشرعي، وعلم الضحية، والقانون الطبي، ودراسة الأذى الجسدي، وعلم الجرائم وغيرها من الاختصاصات ذات الصلة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن هناك مجموعة من الإجراءات الطبية والشرعية التي ينبغي التفكير في إجرائها، بصورة علمية ومنهجية، فور وصول الأسرى المحررين إلى بيئة آمنة، وبإشراف أطباء اختصاصيين مستقلين.

أولًا: الفحوصات الشعاعية

من المهم، عند وجود مبررات طبية أو شرعية، إجراء فحوصات تصويرية مناسبة لكامل الجسم للتحري عن أي أجسام غريبة أو شظايا أو مواد معدنية قد تكون موجودة داخل الجسم، سواء نتيجة إصابات سابقة أو لأسباب أخرى.
كما يمكن أن تساعد الصور الشعاعية في توثيق:

الكسور القديمة والملتئمة.

التشوهات العظمية.

آثار الإصابات السابقة.

الشظايا أو الأجسام الغريبة، عند وجودها.

أما الحديث عن احتمال زرع شرائح أو كبسولات لأغراض التجسس أو المراقبة أو جمع المعلومات، فهو أمر لا ينبغي افتراضه من دون دليل طبي أو تقني واضح، وإنما يمكن التحقق منه فقط وفق الأصول العلمية والفحوصات المناسبة.

ثانيًا: تصوير الدماغ

قد تكون هناك حاجة، بحسب الحالة السريرية، إلى إجراء التصوير الطبقي المحوري CT Scan أو التصوير بالرنين المغناطيسي IRM / MRI للدماغ، خصوصًا عند وجود تاريخ لإصابات الرأس أو فقدان الوعي أو الصداع المزمن أو اضطرابات الذاكرة والتركيز أو أعراض عصبية أخرى.
ويمكن لهذه الفحوصات أن تساعد في الكشف عن بعض الآثار العضوية المحتملة للإصابات السابقة، بما فيها بعض التغيرات الدماغية أو المناطق الإقفارية Zones ischémiques، إذا كانت موجودة.

ثالثًا: الفحوصات السمية والمخبرية

ينبغي، عند وجود مبررات طبية أو شرعية، إجراء تقييم مخبري شامل، وقد يشمل:

تحاليل الدم الأساسية والمتقدمة.

وظائف الكبد والكلى.

الشوارد والمعادن والفيتامينات عند الحاجة.

تحليل البول وزرعه عند وجود استطباب طبي.

الفحوصات السمية Toxicologie عند الاشتباه بالتعرض لمواد أو أدوية غير معروفة.

تحليل الشعر في بعض الحالات، إذ يمكن أن يقدم معلومات عن التعرض السابق لبعض المواد، مع العلم أن تفسير هذه الفحوصات يحتاج إلى مختبرات متخصصة ولا يجوز تحميل نتائجها أكثر مما تحتمل علميًا.

أما تحليل السائل المنوي Sperme، فلا ينبغي إجراؤه بصورة روتينية لمجرد كون الشخص أسيرًا محررًا، وإنما عند وجود استطباب طبي واضح أو شكوى أو ضرورة شرعية محددة.

رابعًا: البحث عن آثار التعذيب والأذى الجسدي

ينبغي أن تتم المعاينة الطبية الشرعية بصورة دقيقة ومنهجية، وتحت إضاءة جيدة، مع توثيق الإصابات بالصور والقياسات والوصف التشريحي.
ومن الأمور التي يمكن البحث عنها:

الجروح الحديثة والقديمة.

الندبات وآثار الجروح الملتئمة.

آثار الحروق المختلفة.

الكدمات Ecchymoses، مع تحديد مكانها وحجمها ولونها وشكلها.

آثار الإصابات الناجمة عن الضرب أو الضغط أو السقوط.

إصابات الرأس والكسور الانضغاطية أو الانطباعية Embarrure عند وجودها.

آثار شد الشعر أو نتفه، مع البحث عن مناطق فقدان الشعر Alopecia.

الندبات المتضخمة أو الجدرة Keloid.

تورم العقد اللمفاوية Ganglions عند وجوده، مع تقييم حجمها وألمها وصفاتها السريرية.

ويجب توثيق كل إصابة وفق موقعها التشريحي Anatomique، وأبعادها وشكلها وخصائصها، مع تجنب الاستنتاجات غير المدعومة بالأدلة.

خامسًا: فحص العين والسمع

يستحسن، بحسب الحالة، إجراء فحص عيني شامل، وقد يشمل:

فحص حدة البصر.

فحص قاع العين.

تصوير الشبكية La rétine عند الحاجة.

قياس ضغط العين في الجهتين.

تقييم أي أذية عصبية أو بصرية محتملة.

كما يمكن إجراء تقييم سمعي شامل، بما في ذلك Audiométrie للجهتين، مع فحوص إضافية عند وجود اضطرابات في السمع أو طنين أو أعراض أخرى.

سادسًا: الصحة النفسية والعصبية

إن الجانب النفسي لا يقل أهمية عن الجانب الجسدي.
فالأسر قد تترك آثارًا عميقة وطويلة الأمد، ولذلك ينبغي تقييم:

الذاكرة.

التركيز.

سرعة الاستيعاب.

القدرات المعرفية.

اضطرابات النوم.

القلق والاكتئاب.

نوبات الهلع.

التوتر المزمن.

اضطراب ما بعد الصدمة Syndrome de stress post-traumatique – PTSD.

ويجب أن يتم هذا التقييم من قبل اختصاصيين في الطب النفسي وعلم النفس، وبطريقة تحترم خصوصية المحرر وكرامته.
أما التنويم المغناطيسي Hypnose، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره وسيلة موثوقة لاستخراج “المعلومات السرية” أو كشف الحقائق؛ إذ إن الذاكرة البشرية قابلة للتأثر، وقد يؤدي استخدام الإيحاء إلى خلق ذكريات أو تشويهها. ولذلك لا يصح استخدامه كوسيلة تحقيق أو انتزاع معلومات.

سابعًا: القلب والجهاز التنفسي

قد يكون من المفيد، عند وجود أعراض أو عوامل خطورة، إجراء:

تخطيط القلب.

قياس ضغط الدم.

مراقبة نظم القلب بواسطة جهاز Holter عند الاشتباه باضطرابات النظم.

قياس نسبة الأكسجين.

اختبارات وظائف الرئة، ومنها Spirométrie.

تصوير الصدر عند وجود استطباب طبي.

ويمكن أن تساعد هذه الفحوصات في تقييم الآثار الصحية المحتملة للظروف التي عاشها الأسير خلال فترة الأسر.

ثامنًا: التغذية ونقص الفيتامينات

يجب تقييم الحالة الغذائية بصورة شاملة، ولا سيما:

الوزن ومؤشر كتلة الجسم.

الكتلة العضلية.

مستويات الحديد وبعض العناصر الغذائية.

فيتامين D.

فيتامين B12 والفولات عند الحاجة.

مؤشرات سوء التغذية.

ولا أرى مبررًا لأخذ خزعة من الكبد بصورة روتينية للتحري عن سوء التغذية؛ فهذا إجراء تدخلي لا يُجرى إلا عند وجود استطباب طبي واضح، وبعد تقييم الفوائد والمخاطر.

تاسعًا: الأمراض المزمنة والأدوية

ينبغي الحصول، قدر الإمكان، على التاريخ الطبي والدوائي السابق لكل محرر، ومعرفة ما إذا كان يعاني من أمراض مزمنة مثل:

السكري.

ارتفاع ضغط الدم.

أمراض القلب.

أمراض الرئة.

الحساسية.

الأمراض الاستقلابية.

الأمراض العصبية والنفسية.

كما ينبغي معرفة الأدوية التي كان يتناولها قبل الأسر، وما إذا استمر في الحصول عليها خلال فترة الاحتجاز.
أما احتمال إعطاء أدوية وهمية Placebo أو أدوية غير مناسبة، فلا يجوز إثباته أو نفيه إلا من خلال أدلة طبية ومخبرية موثوقة.

عاشرًا: الشعر كوسيلة توثيق

يمكن لفحص الشعر، في بعض الحالات، أن يساعد في دراسة التعرض السابق لبعض المواد أو الأدوية، ولكن تفسير نتائجه معقد ويتأثر بعوامل عديدة.
لذلك فإن مقارنة حالة الشعر قبل الأسر وبعده قد تكون مفيدة من الناحية التوثيقية، ولكن يجب عدم اعتبار الشعر وحده دليلًا قاطعًا على التعرض لمادة معينة.

حادي عشر: الجهاز التناسلي والآثار الجسدية الخاصة

عند وجود شكوى أو إصابة أو ادعاء يتعلق بالاعتداء أو الأذى التناسلي، ينبغي إجراء الفحص لدى اختصاصيين مناسبين، وبموافقة الشخص، وبأعلى درجات الخصوصية والاحترام.
وقد يشمل التقييم، عند وجود استطباب:

فحص الجهاز التناسلي.

تقييم الوظيفة الجنسية.

الفحوصات الهرمونية.

دوبلر الأوعية الدموية عند الحاجة.

تقييم الانتصاب واضطراباته.

البحث عن آثار رضوض أو إصابات سابقة.

كما يمكن تقييم الخصيتين عند وجود شكوى، بما في ذلك البحث عن دوالي الخصية Varicocèle أو أي تغيرات تشريحية أخرى.
أما القول بأن اختصاصي المسالك البولية لا علاقة له بهذه الحالات، فهو غير دقيق؛ إذ إن اختصاص المسالك البولية، والذكورة Andrologie، والطب الجنسي Sexologie قد تتداخل اختصاصاتها، ويُحال المريض إلى الاختصاص الأنسب بحسب المشكلة.

ثاني عشر: الأطراف السفلية والدورة الدموية

ينبغي الانتباه إلى المشكلات التي قد تنتج عن قلة الحركة أو الوقوف الطويل أو سوء الظروف الصحية، ومنها:

الدوالي Varices des membres inférieurs.

الوذمة.

اضطرابات الدورة الدموية.

آلام المفاصل والعضلات.

عوامل الخطورة القلبية الوعائية.

لكن لا يجوز اعتبار الوقوف أو قلة الحركة وحدهما سببًا مباشرًا لتصلب الشرايين Athérosclérose؛ فهذا مرض متعدد العوامل، ويتطلب تقييمًا طبيًا شاملًا لعوامل الخطورة.

ثالث عشر: الجانب النفسي والاجتماعي وإعادة التأهيل

لا يكفي أن نعيد الأسير إلى عائلته ثم نعتبر أن مهمتنا انتهت.
بل يجب الاهتمام بالمرحلة التي تلي التحرير، بما فيها:

الدعم النفسي.

الدعم الاجتماعي.

برامج التأهيل.

النشاط الرياضي.

الأنشطة الترفيهية.

المساعدة على استعادة الحياة الطبيعية.

توفير بيئة عمل مناسبة لقدرات كل شخص وحالته النفسية والجسدية.

ويجب دراسة كل حالة بصورة مستقلة؛ فليس جميع المحررين متشابهين، ولا ينبغي إخضاعهم لقالب واحد.

رابع عشر: الحذر من الاستغلال الأمني أو التجنيد

ومن زاوية أخرى، لا بد من الانتباه إلى أن الشخص الخارج من تجربة أسر قاسية قد يكون في وضع نفسي واجتماعي حساس.
وهنا يجب أن تكون المقاربة وقائية وقانونية وأخلاقية، لا أن تتحول الرعاية الطبية إلى وسيلة لاستدراج الأشخاص أو انتزاع معلومات منهم.
فالطبيب النفسي أو الطبيب الشرعي ليس رجل استخبارات، ولا يجوز استخدام المهنة الطبية كغطاء سري للاستجواب أو التجسس أو استخراج المعلومات.
كما أن اختبارات كشف الكذب Polygraphe / Détecteur de mensonges ليست وسيلة علمية قاطعة لإثبات الكذب، ولا ينبغي استخدامها كأساس وحيد لاتخاذ قرارات خطيرة بحق أي شخص.

خامس عشر: التاريخ الطبي والاجتماعي

من المهم، وبموافقة الشخص، توثيق تاريخه:

الطبي.

الجراحي.

الدوائي.

النفسي.

الإصابات السابقة.

الأمراض المزمنة.

التعرض السابق للمواد السامة أو المخدرات، عند وجود مبرر طبي.

العادات الصحية.

وينبغي أن يكون الهدف الأساسي هو الرعاية الطبية وإعادة التأهيل وحماية الشخص، وليس تحويل الملف الطبي إلى أداة للمراقبة أو الوصم.

وأخيرًا…

إن معاينة الأسرى المحررين حديثًا ليست مجرد فحص سريع للجسم.
إنها عملية طبية وشرعية ونفسية واجتماعية متكاملة، هدفها الأول توثيق ما يمكن توثيقه علميًا، ومعالجة ما يمكن علاجه، وكشف المضاعفات المحتملة، وحماية كرامة الإنسان وحقوقه.
ولا ينبغي أن نكون عاطفيين أو سطحيين أمام هذه الحالات، كما لا ينبغي في الوقت نفسه أن نسمح للشكوك والافتراضات بأن تتحول إلى حقائق من دون أدلة.
فالطب الشرعي يقوم على الدليل، والتوثيق، والمنهجية، والاستقلالية، واحترام الإنسان.
ومن هنا، فإن الأفضل هو إنشاء فريق متعدد الاختصاصات، يضم الطب الشرعي، والطب الباطني، والأعصاب، والعيون، والأنف والأذن والحنجرة، والصدرية، والقلب، والذكورة والمسالك البولية عند الحاجة، إضافة إلى الطب النفسي وعلم النفس وإعادة التأهيل.
ويجب أن تخضع كل حالة لتقييم مستقل ومتكامل، مع الحفاظ على السرية الطبية وحقوق الشخص وكرامته.
فالتحرير لا ينتهي عند عبور الحدود؛ بل تبدأ بعده مرحلة أخرى من العلاج، والتوثيق، وإعادة التأهيل، واستعادة الإنسان لحياته.
الدكتور محمد خليل رضا
خريج جامعات ومستشفيات فرنسا:
باريس – ليون – ليل
بيروت – لبنان

شاركها.