خريف النظام الدولي: كيف تقوّض سياسة البلطجة الأميركيّة أسس استقرار ما بعد 1945؟
خريف النظام الدولي: كيف تقوّض سياسة البلطجة الأميركيّة أسس استقرار ما بعد 1945؟
صحيفة الأخبار: بقلم أديب إسماعيل محفوض
يناقش أديب إسماعيل محفوض في صحيفة «الأخبار» التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، واضعاً إياها في إطار ما يعتبره تراجعاً تدريجياً لقواعد النظام الذي تأسس بعد عام 1945. وينطلق المقال من فرضية أن تصاعد استخدام القوة والعقوبات والأدوات المالية والقانونية في إدارة الصراعات الدولية أسهم في إضعاف مبادئ السيادة وعدم التدخل وحظر استخدام القوة، وفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى العالمية. ويتوقف الكاتب عند نماذج من فنزويلا والشرق الأوسط والاقتصاد العالمي، وصولاً إلى الحديث عن صعود التعددية القطبية بوصفها أحد مسارات التحول في النظام الدولي.
قراءة المقال:
يرى أديب إسماعيل محفوض أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تتجاوز حدود الأزمات الدولية المتفرقة، معتبراً أن النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية يمر بمرحلة تراجع في قواعده ومؤسساته. ويضع الكاتب المسؤولية الأساسية، وفق قراءته، على التحول في السياسة الأميركية من إدارة النظام الدولي عبر التحالفات والمؤسسات إلى استخدام أدوات الضغط والقوة بصورة مباشرة ومتزايدة.
خريف النظام الدولي: كيف تقوّض سياسة البلطجة الأميركيّة أسس استقرار ما بعد 1945؟
ويبدأ المقال من ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ المساواة في السيادة بين الدول، ليقول إن انتهاء الحرب الباردة وصعود الولايات المتحدة إلى موقع القوة المهيمنة أتاحا لواشنطن، بحسب تحليله، هامشاً أوسع لتجاوز بعض القواعد الدولية عندما تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.
وفي الحالة الفنزويلية، يستعرض الكاتب محطات يعتبرها نموذجاً على التدخل في شؤون الدول، بدءاً من الاعتراف الأميركي بخوان غوايدو عام 2019، مروراً بقضية أليكس صعب، وصولاً إلى العملية العسكرية الأميركية التي يشير المقال إلى أنها انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة. ويستخدم الكاتب هذه التطورات للاستدلال على ما يراه انتقالاً من الضغوط السياسية والاقتصادية إلى التدخل المباشر في سيادة الدول.
وينتقل المقال إلى الشرق الأوسط، حيث يربط بين الحرب الإسرائيلية على غزة والدعم الأميركي لها، والتصعيد في البحر الأحمر، والحرب على لبنان، ثم المواجهة الأميركية والإسرائيلية مع إيران في 2025 والتصعيد اللاحق في 2026. ويطرح الكاتب هذه التطورات ضمن سياق أوسع يعتبره تراجعاً في احترام مبدأ حظر استخدام القوة، محذراً من أن استمرار الحروب والتدخلات العسكرية يفاقم أزمة النظام الدولي ويضعف قدرة المؤسسات الدولية على فرض قواعدها.
وفي الجانب الاقتصادي، يربط المقال بين عسكرة الممرات البحرية والتوترات الجيوسياسية وبين اضطراب الأسواق وسلاسل التوريد، مع تركيز خاص على أزمة مضيق هرمز. ويرى الكاتب أن تحويل الممرات الاستراتيجية إلى ساحات صراع لا ينعكس على الدول المتواجهة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
ويخصص محفوض مساحة لما يسميه «الحرب القانونية»، أو استخدام الأدوات القانونية والقضائية والمالية لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن وجهة نظره، فإن توظيف العقوبات وتجميد الأصول والضغوط القانونية في الصراعات الدولية يطرح إشكالية تتعلق بانتقائية تطبيق القواعد الدولية، ويؤدي إلى تراجع الثقة بالمؤسسات التي يفترض أن تضبط العلاقات بين الدول.
كما يتناول المقال النظام المالي العالمي، ولا سيما العقوبات واستخدام البنية التحتية المالية الدولية والدولار كأدوات للضغط. ويذهب الكاتب إلى أن توسيع استخدام العقوبات يدفع الدول المستهدفة والقوى الصاعدة إلى البحث عن بدائل مالية وتجارية، بما يمكن أن يسرّع الاتجاه نحو تقليص الاعتماد على النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وفي الخلاصة، يربط المقال بين هذه التطورات وبين صعود مفهوم التعددية القطبية، مستنداً إلى نقاشات في العلاقات الدولية وإلى مسار «بريكس» وتوسيع استخدام العملات المحلية وآليات الدفع البديلة. ويرى الكاتب أن الإفراط في استخدام القوة والعقوبات قد يؤدي، paradoxically، إلى تسريع التحولات التي تحد من قدرة القطب الواحد على إدارة النظام العالمي.
ويختتم محفوض مقاله بالقول إن العالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين القوى، وإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً تدريجياً من نظام أحادي الهيمنة إلى نظام أكثر تعددية، مع بقاء السؤال الأساسي حول قدرة المؤسسات الدولية على استعادة دورها في تنظيم العلاقات بين الدول على أساس السيادة والقانون والتوافق.
لا يمكن قراءة الاضطراب الجسيم الذي يضرب مفاصل العالم اليوم بوصفه مجرد أزمة عابرة في العلاقات الدولية، بل هو مخاض عسير لولادة نظام جديد ينبثق من أنقاض صرح عام 1945 الذي بات متداعياً تحت ثقل تناقضاته. لقد اقترن بناء هذا الصرح تاريخياً بتعهد القوى الكبرى بحماية السلم وتكريس سيادة الدول. إلا أن التحوّل الدراماتيكي في السلوك الاستراتيجي الأميركي، وانتقاله من الهيمنة الناعمة إلى ما يمكن وصفه بسياسة البلطجة المنظّمة، أدّى إلى تصدّع الركائز الأخلاقية والقانونية لهذا النظام. نحن نعيش اليوم خريف القواعد، حيث لم تعد القوة وسيلة لحماية القانون، بل أصبح القانون أداة لتبرير سطوة القوة الفجّة.
قام نظام ما بعد 1945 على قاعدة جوهريّة كرّسها ميثاق الأمم المتّحدة صراحةً في المادة (2)، الفقرة (1)، والمتمثّلة في مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضاء المنظّمة. كان الهدف هو كبح جماح النزعات الإمبراطوريّة، وخلق بيئة دوليّة تلتزم بحظر التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها ضدّ سلامة الأراضي.
بَيْدَ أنّ انفراد الولايات المتّحدة بالقمّة عقب انهيار القطبيّة الثنائيّة، حوّلها من ضامن للنظام إلى متجاوز له. وفي قراءة مُنظِّر العلاقات الدولية جون ميرشايمر، يمكن فهم هذا التحوّل بأن سياسة الهيمنة الليبرالية التي اتبعتها واشنطن بعد نهاية الحرب الباردة، ومحاولتها تحويل النظام الدولي إلى أداة هندسة سياسية لخدمة مصالحها، أفضتا إلى نتائج عكسية وأضعفتا استقرار النظام الدولي (جون ميرشايمر، الوهم الكبير: الأحلام الليبرالية والواقعيات الدولية، 2018). إنّ التحوّل من نظام القواعد إلى نظام الإرادة الأميركيّة المنفردة هو الجوهر الحقيقيّ لسياسة البلطجة؛ حيث تُستخدم المؤسّسات كغطاء شرعيّ للاعتداءات، أو يتمّ تجاوزها كليّاً حين ترفض الانصياع لمزاج القوّة الواحدة.
الاختطاف المنهجيّ للسيادة في الحالة الفنزويليّة
تمثّل الحالة الفنزويليّة محطّة مفصليّة في مسار الاعتداءات الأميركيّة على السيادة الدوليّة. في البدء، تجلّى هذا النهج عام 2019 عبر الاعتراف بخوان غوايدو رئيساً انتقالياً لفنزويلا، رغم افتقاره إلى السيطرة الفعلية على أجهزة الدولة، في محاولة صريحة لتجريد شعب بأسره من حقّه في تقرير مصيره؛ وهو ما يثير إشكالية قانونية جدّية من منظور مبدأ عدم التدخل (إعلان مبادئ القانون الدوليّ المتعلّقة بالعلاقات الوديّة والتعاون بين الدول، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625، 1970).
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تدحرج ليأخذ شكل القرصنة العابرة للحدود؛ فقد اعتُقل أليكس صعب في كابو فيردي عام 2020، ثم نُقل إلى الولايات المتحدة عام 2021، في قضية أثارت نزاعاً دولياً حاداً حول صفته كمبعوث خاص ومدى تمتعه بالحصانة، ولا سيما في ضوء حكم محكمة عدل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) الصادر في 15 آذار/مارس 2021، والذي خلص إلى عدم قانونية احتجازه وأمرَ بجبر الضرر عنه.
غير أنّ ذروة هذه الغطرسة تمثّلت في العمليّة العسكرية الأميركية غير المسبوقة التي نُفّذت داخل الأراضي الفنزويلية في 3 كانون الثاني/يناير 2026، والتي انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما قسراً إلى الولايات المتحدة. إنّ مشهد رئيس دولة ذات سيادة وهو محتجز داخل مركز احتجاز أميركي، يعلن للعالم أنّ السيادة الوطنيّة أمست مجرّد حبر على ورق أمام سطوة التشريعات المحليّة الأميركيّة. ويكشف هذا المشهد بوضوح عن انتقال السياسة الأميركية من أدوات الضغط غير المباشر إلى الاستخدام المباشر للقوة لتطويع إرادة الدول وإعادة تشكيل بيئتها السياسية.
العدوان المفتوح وتهاوي الخطوط الحُمر في الشرق الأوسط
لم تقف حدود هذه البلطجة عند الجغرافيا اللاتينيّة، بل تجلّت في أبشع صورها العسكريّة حين انتقلت واشنطن وتل أبيب إلى مرحلة العدوان المفتوح في الشرق الأوسط. فقد شكّلت حرب التدمير الشامل التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزّة، بتغطية سياسيّة وتسليحيّة أميركيّة كاملة، إعلاناً عن انهيار قواعد القانون الدوليّ الإنسانيّ (اتفاقيّات جنيف الأربع، 1949). وقد تعزّز هذا التوصيف في ضوء أمر محكمة العدل الدولية الصادر في 26 كانون الثاني/يناير 2024 في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، والذي ألزم إسرائيل باتخاذ تدابير مؤقتة لمنع ارتكاب الأفعال الداخلة في نطاق المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية؛ وهو إلزامٌ أمميّ ضربت به تل أبيب عرض الحائط، متكئةً على مظلّة الفيتو والحماية الأميركيّة التي شرعنت لها التمرّد على المحكمة والإفلات التامّ من العقاب.
تمثّل الحالة الفنزويليّة محطّة مفصليّة في مسار الاعتداءات الأميركيّة على السيادة الدوليّة
ولم يقتصر هذا النهج التدميريّ على فلسطين، بل تمدّد إلى ساحات إقليميّة أخرى. فمع استمرار الحرب في غزة، دخلت واشنطن عسكرياً في مواجهة مباشرة مع جماعة أنصار الله في اليمن، ابتداءً من كانون الثاني/يناير 2024، تحت عنوان حماية الملاحة الدوليّة وردع الهجمات على السفن في البحر الأحمر، قبل أن تتصاعد المواجهات وتتحوّل إلى مسار عسكري ممتدّ.
وبالتوازي، اتسعت دائرة الحرب إلى لبنان، حيث تحوّلت المواجهات التي بدأت على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى حرب همجيّة واسعة خلال عام 2024.
ثم انتقل التصعيد إلى مستوى أخطر مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية الأولى على إيران في حزيران/يونيو 2025، والتي شهدت مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وإيران، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً بصورة مباشرة ضد المنشآت النووية الإيرانية.
وبعد أقل من عام، اندلعت جولة ثانية من الحرب في 28 شباط/فبراير 2026، إثر هجوم أميركي-إسرائيلي واسع ومنسّق على إيران، لتدخل المنطقة منذ ذلك التاريخ في دورة جديدة من العمليات العسكرية والتصعيد المتبادل، لا تزال تداعياتها ومواجهاتها الميدانيّة مستمرة حتى الآن.
وتكشف هذه السلسلة المتتابعة من الحروب والتدخلات عن انتقال مُتدرِّج من إدارة الصراعات بالوكالة والضغط السياسي والاقتصادي إلى الاستخدام المباشر للقوة العسكرية، بما يثير إشكاليات جوهرية في ضوء مبدأ حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة، ومبدأ احترام السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول.
ارتدادات عسكرة الجغرافيا على الاقتصاد العالميّ
لم تنحصر تداعيات هذه الرعونة العسكريّة في الإطار الجيوسياسيّ، بل تدحرجت لتضرب عصب الاقتصاد العالميّ، وهو ما تجلّى بوضوح إبّان اضطرابات أزمة مضيق هرمز المتصاعدة في عام 2026. إنّ التصعيد المتبادل وسعي واشنطن الدؤوب لفرض إرادتها، أدّيا عملياً إلى عسكرة الممرات المائية الاستراتيجية، في التفاف صريح على نظام “المرور العابر” وحرية الملاحة (اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، 1982)، وهو ما تعتبر الولايات المتحدة نفسها أنّ أحكاماً جوهرية منه، ولا سيما نظام المرور العابر، تعكس القانون الدولي العرفي. لقد برهنت هذه الأزمة أنّ سياسة إشعال الحرائق ترتدّ عكسيّاً على استقرار الأسواق وتضرب سلاسل التوريد.
تسييس العدالة وسلاح الحرب القانونيّة
ترتكز سياسة البلطجة الأميركيّة المعاصرة على ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بمصطلح «الحرب القانونيّة» (Lawfare)، وهي استراتيجيّة تُوظَّف فيها الأدوات القانونية والقضائية، وأحياناً الأطر المتصلة بمكافحة الفساد، لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية ضد الخصوم. ففي فنزويلا، كما في ساحات أخرى، استُخدم هذا السلاح لتسويغ استهداف السياسيين وتجميد الأصول السياديّة. وفي هذا السياق، ينسجم هذا الواقع مع القراءة النقدية التي قدّمها المفكّر منير شفيق مبكراً لمساعي الغرب إلى عولمة قوانينه المحليّة ليجعل منها سوطاً يجلد به كلّ من يحاول الخروج من فلك التبعيّة (منير شفيق، النظام الدولي الجديد وخيار المواجهة، 1992). هنا يكمن الجوهر الفعليّ لمفهوم البلطجة؛ إذ يتمّ تحويل العدالة إلى أداة انتقائيّة تُفعّل بقسوة ضدّ رافضي الهيمنة، بينما تُعطّل بالكامل متى ما تعلّق الأمر بجرائم الحلفاء.
الاستعمار الماليّ وتحدّي الهيمنة الدولاريّة
لا يمكن الفصل بين البلطجة العسكريّة وما يمكن تسميته بالاختطاف الماليّ. لقد تحوّل استخدام البنية التحتية المالية الدولية، بما فيها شبكة المراسلة الماليّة (SWIFT)، إلى أداة لتنفيذ أنظمة العقوبات وخنق الدول. وقد تترك القيود المفروضة على وصول الدول إلى أرصدتها وأصولها السياديّة آثاراً مدمّرة لا تقف عند حدود الحصار الاقتصاديّ، بل تمسّ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحق الشعوب في الصحة والغذاء (ألينا دوهان، تقرير التأثير السلبي للتدابير القسرية الانفرادية، الأمم المتحدة، 2021).
وقد دفع هذا السلوك اقتصاديين وباحثين إلى التحذير من التداعيات الاستراتيجية لتسليح النظام المالي واستخدام الدولار أداةً للضغط الجيوسياسي. وتأسيساً على ذلك، فإنّ تجميد الأصول السياديّة لدول كفنزويلا وإيران وروسيا، وتوالد حزم العقوبات الخانقة – والتي كان أحدثها العمليّة التي أطلقتها وزارة الخزانة الأميركيّة في 24 آب/أغسطس 2026 تحت اسم “عملية المنبوذ الاقتصاديّ” لاستهداف طهران (إعلان وزارة الخزانة الأميركيّة، 2026) -يمثّلان فعلاً انتحاريّاً؛ فمن خلال تحويل المنظومة المصرفيّة إلى أداة ابتزاز سياسيّ، تُقوِّض واشنطن عنصر الثقة، وتدفع الأسواق الصاعدة نحو البحث عن بدائل كضرورة أمن قوميّ.
مسار التشظّي والتحلّل الوظيفيّ للنظام القائم
إنّ المآل الطبيعيّ لنظام يقوم على البلطجة هو التحلّل الوظيفيّ العميق للمؤسّسات الدوليّة. وفي هذا السياق، يبرز تحليل أستاذ العلاقات الدوليّة ستيفن والت، الذي يجادل بأنّ السياسة الخارجيّة الأميركيّة أمست تتّسم بالعدوانيّة القسريّة كنتيجة مباشرة لتراجع قدرتها على القيادة بالإقناع وتخبّط نخبتها السياسية (ستيفن والت، جحيم النوايا الحسنة: نخبة السياسة الخارجية الأميركية وتراجع التفوّق، 2018). إنّ الاعتداءات السافرة على السيادات الوطنيّة لا تمثّل علامات قوّة، بل هي انعكاس لأزمة شرعيّة تعانيها واشنطن، ما يدفع النظام العالميّ نحو مرحلة ما بعد الغرب.
التعدّدية القطبيّة كبديل واقعيّ لاستعادة السيادة
إنّ البديل عن بلطجة القطب الواحد ليس نظاماً طوباويّاً، بل هو نظام تعدّدية واقعيّة يعيد الاعتبار لمفهوم “التوازن الصلب للقوى”. وفي هذا السياق، تلتقي هذه الرؤية مع الطرح الذي قدّمه ألكسندر دوغين حول العالم المتعدد الأقطاب كضرورة حتميّة لاستعادة التوازن الثقافيّ والسياسيّ المفقود (ألكسندر دوغين، نظرية العالم المتعدد الأقطاب، 2012). وقد بدأت تتشكّل ملامح هذا البديل عبر ركائز أساسيّة، من أهمها ما ورد في (إعلان قمة بريكس السادسة عشرة، قازان، 2024)، والذي أكّد على تعزيز استخدام العملات المحلية وتطوير آليات دفع موازية عبر الحدود. لقد أسهم الإفراط في توظيف أدوات العقوبات المالية في تحفيز القوى الصاعدة على البحث عن بدائل جزئية، لكسر احتكار الدولار وتأسيس توازن قوى صلب يمكن أن يضع حداً تدريجياً لحقبة المهيمن الأوحد.
نحو توازن جديد للعدالة والسيادة
إنّ خريف النظام الدوليّ الذي نعيشه اليوم هو النتيجة المنطقيّة لغرور القوّة. ومع أنّ الأُحاديّة القطبيّة قد تبدو في ذروة جبروتها، إلّا أنّ الحروب المفتوحة والأزمات المتلاحقة أثبتت تآكل هذا النظام. إنّ ما نشهده من ممانعة صلبة لدى القوى الرافضة للتبعيّة، يؤكّد أنّ العالم بات أمام حتميّة السير نحو بناء توازنات جديدة لا تملك فيها دولة أن تقرّر مصير أخرى عبر حروب التدمير أو العقوبات الجائرة. لقد تسبّبت واشنطن، من حيث أرادت إحكام قبضتها، في تفكيك النظام الذي وفّر لها الغطاء، فواشنطن اليوم، وبكل بساطة، تقطع الغصن الذي تجلس عليه، وتجعل العبور نحو شرعيّة دوليّة تنبع من التوافق مساراً تاريخيّاً لا محيد عنه.