حين قالت «معاريف»: كربلاء في علي الطاهر
كتب باسم الموسوي
ليست كل الانتصارات العسكرية انتصارات في المعنى. قد يحتل جيش أرضاً، ويفجّر أنفاقاً، ويهدم منشأة، ثم يكتشف أن الرواية التي أراد بناءها فوق الركام لا تستقيم تماماً مع ما حدث تحت الأرض. شيء من هذا النوع وقع في مرتفع علي الطاهر. فالجيش الإسرائيلي أعلن، بعد أشهر من القتال والحصار، أنه أحكم «السيطرة العملياتية» على المرتفع ودمّر شبكة أنفاق ومركز قيادة تابعاً لحزب الله. لكن الصحافة الإسرائيلية، وهي تحاول تفسير سبب استغراق العملية كل هذا الزمن وشراسة المقاومة التي واجهتها القوات، وصلت إلى مفردة لم يكن متوقعاً أن تدخل قاموس هذه المعركة: كربلاء.
«معاريف» لم تقل إن معركة علي الطاهر هي كربلاء جديدة بالمعنى التاريخي أو الديني. ما نشرته، بحسب النص المنقول عنها في 11 أيلول، هو أن حزب الله حاول أن يصنع من المعركة «أسطورة بطولة» على غرار كربلاء، وأن المقاتلين الذين ظلوا في الموقع رفضوا، وفق الرواية الإسرائيلية، الخروج برايات بيضاء حين أتيحت لهم فرصة ذلك. والأهم أن مسؤولاً عسكرياً إسرائيلياً نُقل عنه أن حزب الله قاتل من أجل المرتفع بطريقة لم يقاتل بها من أجل مواقع أخرى.
هنا تبدأ القصة الحقيقية لعلي الطاهر، لا عند لحظة التفجير التي اهتز لها جنوب لبنان، ولا عند الصور التي أرادت إسرائيل منها أن تختصر شهوراً من القتال في مشهد واحد يوحي بأن كل شيء انتهى، بل عند السؤال الأبسط: لماذا احتاجت واحدة من أكثر الجيوش تفوقاً في التكنولوجيا والنيران والاستطلاع في المنطقة إلى كل هذا الوقت لكي تحسم موقعاً جغرافياً محدوداً؟ ولماذا احتاج الإعلام الإسرائيلي بعد ذلك إلى تفسير سلوك عشرات المقاتلين المحاصرين من خلال استدعاء رمز بحجم كربلاء؟
في 10 أيلول، أعلنت إسرائيل تدمير المجمع تحت الأرض في علي الطاهر بعد أن قالت إنها فرضت السيطرة فوق المرتفع وتحته. ووصفت شبكة تمتد لأكثر من كيلومترين، تضم غرف قيادة ومخازن ووسائل قتالية ومرافق تسمح بالبقاء فترة طويلة تحت الأرض. كما أعلنت القيادة السياسية الإسرائيلية أن القوات ستبقى في المنطقة لمنع حزب الله من إعادة بناء وجوده، بما يجعل ما جرى يتجاوز عملية اقتحام عسكرية إلى محاولة تثبيت «منطقة أمنية» داخل الأرض اللبنانية.
لكن الإعلان الإسرائيلي عن النهاية لا يجب أن يمحو طبيعة الطريق إليها. علي الطاهر لم يكن هدفاً سقط بضربة خاطفة. المعركة حوله امتدت أشهراً. القوات الإسرائيلية أغلقت مداخل، راقبت أخرى، قصفت المرتفع ومحيطه، استخدمت الطائرات والاستطلاع والقوة الهندسية، وحاولت عزل المقاتلين الموجودين في شبكة الأنفاق عن محيطهم. وحتى في 4 أيلول، حين أعلنت إسرائيل أنها أخرجت أو قتلت المقاتلين الموجودين تحت المرتفع، لم يكن واضحاً بصورة مستقلة إلى أي مدى كانت قواتها قد تقدمت داخل المنظومة نفسها. وأشار مصدر عسكري لبناني حينها إلى سيطرة القوات الإسرائيلية على بعض المداخل ومراقبتها مداخل أخرى، وهو فارق مهم بين السيطرة بالنار والسيطرة الفعلية على كل متر من شبكة تحت الأرض.
وهذا هو السياق الذي يعطي كلمة «كربلاء» معناها. ليست المسألة أن موقعاً عسكرياً في النبطية يعيد إنتاج واقعة حدثت في العراق قبل قرون. المقارنة التاريخية السطحية لا معنى لها. لكن كربلاء في الوعي الذي يستحضره الإسرائيليون هنا ليست خريطة ولا ميزان قوى ولا نوع سلاح؛ إنها نموذج لفكرة مختلفة عن النصر والهزيمة. أن يكون الإنسان محاصراً، وأن يعرف أن ميزان القوة المادي ليس لمصلحته، ثم يختار عدم التسليم، هو تحديداً ما يحوّل الهزيمة العسكرية المحتملة إلى مشكلة في رواية المنتصر.
كان ممكناً لإسرائيل أن تقول ببساطة: احتللنا المرتفع ودمرنا أنفاقه وانتهى الأمر. لكن ذلك لم يكن كافياً لتفسير ما حدث. لذلك تظهر في الرواية المنشورة تفاصيل من نوع أن المقاتلين لم يخرجوا عندما طُلب منهم الخروج، وأن القتال اشتد كلما اقتربت القوات الإسرائيلية من المراكز الأهم في المنظومة، وأن محاولات جرت لإيصال الإمدادات إلى المحاصرين. وبحسب «معاريف»، كانت المقاومة في هذا الموقع استثنائية قياساً إلى مواقع أخرى. وهذه ليست رواية صادرة عن حزب الله ليُقال إنها جزء من تعبئة جمهوره؛ إنها عناصر وردت داخل الرواية التي يريد الخصم نفسه أن يقدم من خلالها انتصاره.
هنا تكمن المفارقة. إسرائيل ربحت الموقع في النهاية. هذه حقيقة لا تحتاج إلى إنكار ولا إلى تجميل. دمرت بنية عسكرية مهمة، وأصبحت قواتها صاحبة اليد العليا في المرتفع، ثم فجرت منشآت تحت الأرض قالت إنها تابعة لوحدة بدر في حزب الله. كما أن خسارة موقع بهذه الأهمية ليست تفصيلاً بالنسبة إلى المقاومة، خصوصاً حين تتحول السيطرة عليه إلى جزء من مشروع إسرائيلي أوسع لتكريس وجود عسكري داخل الجنوب. ولكن الاعتراف بالخسارة المادية شيء، والقبول بالتفسير الإسرائيلي لها شيء آخر.
لأن الانتصار العسكري الكامل لا يُقاس فقط بمن بقي واقفاً على الأرض بعد المعركة، بل أيضاً بما أراد كل طرف تحقيقه وما استطاع تحقيقه وبالثمن الذي استلزمه ذلك. إذا كان جيش يملك الطائرات والسيطرة الجوية وأجهزة الرصد والمدفعية والقدرة على استدعاء نيران غير محدودة تقريباً يحتاج إلى حصار طويل ضد عشرات المقاتلين تحت الأرض، ثم يضطر إلى نسف المنشأة بكميات هائلة من المتفجرات بعد أشهر من بدء الصراع حولها، فهذه ليست صورة خصم انهار أمام أول ضغط. إنها، في الحد الأدنى، صورة دفاع كان اجتثاثه مكلفاً وصعباً.
المشكلة الأكبر للرواية الإسرائيلية أن الحرب مع حزب الله لم تكن يوماً مجرد حساب للمواقع. منذ نشأة هذا الصراع هناك نزاع على تعريف النصر نفسه. إسرائيل، بوصفها قوة عسكرية متفوقة، تميل إلى تعريف النصر بالأرض التي تحتلها، والمنشأة التي تدمرها، والقائد الذي تقتله، والقدرة التي تنتزعها من خصمها. أما خصومها فيبنون جزءاً كبيراً من مفهومهم للنصر على منع إسرائيل من تحويل تفوقها العسكري إلى استسلام سياسي أو معنوي.
وهنا يصبح علي الطاهر نموذجاً مكثفاً للمشكلة. فقد استطاعت إسرائيل، في النهاية، تغيير الواقع المادي على المرتفع. لكنها لم تستطع أن تجعل شهور الحصار تنتهي بالصورة التي كانت ستمنحها النصر الرمزي الكامل: مقاتلون يخرجون جماعياً رافعين الراية البيضاء أمام الكاميرات. إذا صحت الرواية الإسرائيلية نفسها عن عرض الاستسلام ورفضه، فإن إسرائيل حازت الأرض لكنها حُرمت المشهد الذي كان سيتيح لها تحويل السيطرة العسكرية إلى قصة انهيار نفسي.
لهذا كانت كربلاء كلمة خطرة في هذا السياق. لأن استدعاءها، حتى من باب القول إن حزب الله يريد أن يصنع «أسطورة»، يعترف ضمناً بأن ثمة مادة تسمح ببناء هذه الأسطورة. الأساطير لا تُصنع من الفراغ تماماً. تحتاج إلى واقعة: حصار، ثبات، تفاوت في القوة، موت أو نجاة، ورفض صورة الاستسلام. قد يختلف الناس بعد ذلك على تفسير الواقعة، وقد يضخمها هذا الطرف أو ذاك، لكن المادة الأولية تكون قد وُجدت.
ومن اللافت أيضاً أن الإسرائيليين فهموا ذلك جيداً. لذلك لم يكن الصراع حول علي الطاهر مجرد تدمير بنية تحتية. كان هناك حرص واضح على تقديم الموقع بوصفه «خط الدفاع الأخير» أو عقدة استراتيجية ضخمة، ثم تقديم تدميره على أنه انهيار لبنية حزب الله في تلك المنطقة. وكلما ارتفعت القيمة الدعائية للهدف قبل تدميره، ارتفع معها سؤال آخر بعد المعركة: إذا كان الموقع بهذه الضخامة، وإذا احتاج إلى كل هذه القوة وكل هذا الزمن، فهل تكفي صورة انفجار الجبل لكي تقول إن الطرف الموجود فيه كان قد انهار؟
لا.
الصورة تقول إن إسرائيل استطاعت في النهاية أن تستخدم تفوقها لكي تدمّر ما لم تستطع أن تستولي عليه سليماً. وهي تستطيع أن تجعل المرتفع غير صالح للاستخدام، وأن تقيم فوقه موقعاً، وأن تفرض واقعاً عسكرياً جديداً. لكن شيئاً آخر حدث خلال الطريق إلى تلك النتيجة: الخصم ترك في الرواية الإسرائيلية نفسها أثراً يصعب محوه.
في الحروب، شهادة العدو ليست بالضرورة الحقيقة الكاملة؛ الجيوش تكذب وتخفي وتضخم وتختار ما يناسب أهدافها. ولهذا ينبغي ألا تُقرأ رواية «معاريف» بوصفها وثيقة محايدة. لكن حين تحتوي رواية المنتصر نفسه على اعتراف بصعوبة القتال، وطول الحصار، وشدة المقاومة، ورفض الاستسلام، يصبح من المشروع أن نسأل ما الذي تحاول بقية اللغة الدعائية أن تخفيه.
قد تكون إسرائيل ربحت علي الطاهر جغرافياً. وقد تكون المقاومة خسرت منشأة بنتها على مدى سنوات. هذه ليست المسألة الأكثر إثارة اليوم. المسألة أن المعركة انتهت إلى مفارقة لم تكن إسرائيل تحتاج إليها: هي فجّرت الأنفاق، لكن الرواية التي خرجت من تحت الركام لم تكن رواية الاستسلام.
ولهذا ربما كان أكثر ما سيبقى من علي الطاهر، بعد أن تخبو صور الانفجارات، ليس ادعاء هذا الطرف أنه انتصر ولا إعلان الطرف الآخر أنه صمد. ستبقى عبارة ظهرت في صحيفة إسرائيلية وهي تبحث عن تفسير لما حدث: «على غرار كربلاء».
إنها كلمة واحدة، لكنها تقول أكثر مما أراد قائلها أن يقول. لأن الجيش يستطيع أن يحتل المكان ويهدمه، لكنه لا يستطيع دائماً أن يقرر وحده معنى الذين قاتلوا فيه.
