حلب تشعل الشرق السوري: حملات «توحيد الدولة» تعمّق الانقسام وتربك حسابات دمشق وأنقرة
بذريعة «توحيد سوريا» و«بسط سلطة الدولة»، يواصل النظام السوري الجديد برئاسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع شنّ عمليات عسكرية وحملات تحريض ذات طابع ديني وإثني ومناطقي ضد جماعات سورية مختلفة. وكان آخر هذه العمليات الهجوم على حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الغالبية الكردية في مدينة حلب، قبل أن يمتدّ التصعيد إلى جبهات دير حافر ومسكنة غرب نهر الفرات، حيث تتقاطع خطوط التماس بين قوات الشرع و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وسط استعداد الطرفين لمواجهة وشيكة.
وأدّت المعارك في حلب إلى خروج قوات «الأسايش» الكردية من الحيَّين باتجاه شرق الفرات، في ظل غياب موقف حاسم من «التحالف الدولي»، الذي بدا أنّ دعمه لـ«قسد» ما زال محصوراً جغرافياً بشرق النهر. ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة تفاهمات عام 2018 بين واشنطن وأنقرة، التي نصّت على إخراج القوات الكردية من مناطق غرب الفرات، وهو اتفاق سبق لـ«قسد» أن ماطلته بتغطية أميركية.
ميدانياً، لم تغيّر قوات الشرع من أسلوبها المعتمد، إذ شاركت في الحملة فصائل تركمانية خاضعة لعقوبات أوروبية وبريطانية، ومقاتلون أجانب، إلى جانب مجموعات عشائرية، مع تسجيل حضور لافت لعناصر «الذئاب الرمادية» المرتبطة بالاستخبارات التركية. وعلى الرغم من التعليمات الرسمية بمنع توثيق الانتهاكات، انتشرت عشرات المقاطع المصوّرة التي تُظهر جرائم تشبه تلك التي رافقت حملات سابقة في الساحل وريف دمشق والسويداء.
أما المعركة المرتقبة في دير حافر ومسكنة، فلا تبدو نتائجها محسومة. فـ«قسد» تستعدّ للدفاع عن المنطقة باعتبارها خطاً متقدّماً لحماية شرق الفرات، مستندة إلى موجة تضامن كردي أعقبت أحداث حلب، في حين تسعى قوات الشرع إلى استثمار المرونة الأميركية المؤقتة تجاه تحرّكات دمشق. غير أن عامل الوقت قد لا يكون في صالح الأخيرة، مع بدء تراجع هذا التساهل وعودة التأكيد الأميركي على اعتبار «قسد» شريكاً استراتيجياً، إلى جانب تحذيرات صدرت من الكونغرس ضد أي هجوم جديد على الأكراد.
سياسياً، تبدو نتائج التصعيد سلبية على حكومة دمشق، إذ عمّقت عملياتها الانقسامات الاجتماعية ونسفت فرص الاندماج الوطني، وفتحت الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية، بما فيها الإسرائيلية. كما أسهمت العمليات السابقة في السويداء وحلب في رفع سقف المطالب السياسية، من اللامركزية وصولاً إلى الطروحات الانفصالية، سواء في الجنوب أو في المناطق الكردية.
في المقابل، تنفي أنقرة مشاركة قواتها النظامية مباشرة في معارك حلب، رغم دعمها قوات الشرع بطائرات مسيّرة. وتتحرّك تركيا بدافع القلق من انهيار مسار المفاوضات مع عبدالله أوجلان، ومن اتساع الغضب الكردي إقليمياً، ولا سيّما في العراق وإيران. وتسعى أنقرة إلى حصر «قسد» شرق الفرات والسيطرة الكاملة على مجرى النهر، في محاولة لاحتواء النفوذ الكردي ومنع امتداده إلى الداخل التركي، وسط مخاوف متزايدة من عودة «المسألة الكردية» إلى صدارة المشهد الإقليمي.
