الرصد الإخباري – خاص مركز بيروت للأخبار (BNC)
تصاعد السجال السياسي بين الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ووزارة الخارجية الأميركية، على خلفية انتقادات وجّهها جنبلاط إلى اتفاق الإطار الذي رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وتشكيكه في قدرة المسار الدبلوماسي الحالي على تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.
وفي ردّه على الموقف الأميركي، تمسّك جنبلاط بحقه في انتقاد الاتفاق، مشيرًا إلى أن مجلس النواب ومجلس الوزراء لم يُستشارا قبل توقيعه، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول آليات اتخاذ القرارات المصيرية في لبنان وحدود المشاركة المؤسساتية في الملفات السيادية.
ويأتي رد جنبلاط على الخارجية الأميركية في مرحلة حساسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، مع استمرار الخلافات بشأن تنفيذ اتفاق الإطار، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل سلاح حزب الله.

جنبلاط: لم يُستشر أحد قبل توقيع الاتفاق
في حديث إلى صحيفة «لوريان لوجور»، ردّ جنبلاط على الانتقادات الأميركية التي طالته، مؤكدًا أن من حقه التعبير عن موقفه من اتفاق الإطار.
وقال جنبلاط، بحسب التصريح المنقول عنه:
«أذكّر بأنّه قبل توقيع الإطار الثلاثي مع إسرائيل، لم يُستشر أحد في لبنان: لا مجلس النواب ولا مجلس الوزراء. ولذلك، يحق لي إبداء رأيي».
وتضع هذه التصريحات مسألة المشاركة في القرار السياسي في صلب النقاش، إذ يعتبر جنبلاط أن اتفاقًا بهذه الحساسية يستوجب نقاشًا داخل المؤسسات اللبنانية، خصوصًا في ظل ارتباطه بقضايا الأمن والسيادة والعلاقة مع إسرائيل.
وكان جنبلاط قد انتقد في تصريحات سابقة بعض بنود الاتفاق، ولا سيما عدم تضمينه إشارة واضحة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949، وفق ما نقلته تغطية المؤسسة اللبنانية للإرسال عن مقابلة جنبلاط في أيلول الماضي.

واشنطن تهاجم جنبلاط وتشكك في دوافعه
لم يمر موقف جنبلاط من المسار التفاوضي دون رد أميركي.
فقد وجّه متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية انتقادات شخصية إلى الزعيم الدرزي، معتبرًا أنه يتخذ مواقف تخدم مصالحه السياسية.
وبحسب تقرير لبنان 24 عن الموقف الأميركي، اتهم المتحدث جنبلاط بتقديم مصلحته الشخصية على الاعتبارات المبدئية، في ردّ حمل لهجة حادة وغير معتادة في السجال العلني.
ولم تقتصر الانتقادات الأميركية على شخص جنبلاط، بل شملت أيضًا دفاعًا عن المسار الذي تدعمه واشنطن، ورفضًا لفكرة العودة إلى تفاهمات قد تسمح لحزب الله بالاحتفاظ بسلاحه مقابل انسحاب إسرائيلي.
ويعكس هذا التباين اختلافًا في قراءة الخيارات المتاحة أمام لبنان، بين من يرى أن المسار الأميركي يشكل فرصة للتوصل إلى تسوية، ومن يشكك في قدرته على تحقيق النتائج المطلوبة.

لماذا يفضّل جنبلاط مسار إسلام آباد؟
كان جنبلاط قد أثار الجدل عندما اعتبر أن لبنان أخطأ في عدم اختيار مسار إسلام آباد، مقابل السير في المسار المرتبط بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
وفي مقابلة مع شبكة «IMI»، عبّر عن اعتقاده بأن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بصيغتها الحالية لن تؤدي إلى نتائج ملموسة ما دام الاحتلال الإسرائيلي مستمرًا في الجنوب.
ويمكن مراجعة تصريحات جنبلاط بشأن مسار إسلام آباد وروبيو، التي نُشرت في 26 تشرين الأول 2026.
كما رأى جنبلاط أن الاعتقاد بإمكانية ممارسة الولايات المتحدة ضغطًا حاسمًا على إسرائيل للانسحاب يمثل رهانًا غير مضمون، مشددًا على أهمية البحث عن خيارات دبلوماسية أخرى.
ولا يعني هذا الموقف رفض جنبلاط مبدأ التفاوض مع إسرائيل بصورة مطلقة، إذ سبق أن أعلن تأييده لمسار التفاوض، مع تسجيل اعتراضات على بعض مضامين اتفاق الإطار.

ماذا يتضمن اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل؟
يعود اتفاق الإطار إلى حزيران 2026، عندما جرى التوصل إلى تفاهم برعاية أميركية يربط بين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية وترتيبات تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة.
وبحسب تقرير لوريان توداي عن اتفاق الإطار، واجه تنفيذ الاتفاق عراقيل، مع استمرار الخلافات حول آليات الانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ الالتزامات المتبادلة.
وفي أواخر أيلول، شدد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، خلال لقائه ماركو روبيو في واشنطن، على ضرورة وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الاتفاق، إلى جانب اعتماد آلية موثوقة للتحقق من الالتزام ببنوده.
كما أكد سلام أهمية ربط الترتيبات الأمنية باستعادة السيادة اللبنانية، ودعم المؤسسات الشرعية، وإعادة الإعمار، وتأمين عودة السكان إلى المناطق المتضررة.
وتُظهر هذه المواقف أن النقاش حول اتفاق الإطار لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى ملفات سياسية وإنسانية واقتصادية مرتبطة بمستقبل الجنوب اللبناني.

هل يتحول الخلاف إلى أزمة سياسية أوسع؟
يفتح رد جنبلاط على الخارجية الأميركية الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين القوى السياسية اللبنانية والجهات الدولية الراعية للمفاوضات.
فمن جهة، تسعى واشنطن إلى الدفاع عن الاتفاق باعتباره مسارًا للوصول إلى ترتيبات أمنية جديدة. ومن جهة أخرى، يطالب جنبلاط بإعادة النظر في المقاربة المعتمدة، مع التشديد على أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي يضعف فرص نجاح المفاوضات.
ويبرز في هذا السياق خلاف حول ترتيب الأولويات: هل ينبغي أن يتقدم الانسحاب الإسرائيلي على الخطوات الأمنية الأخرى، أم أن تنفيذ الالتزامات يجب أن يجري بصورة متوازية؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل استمرار التوترات على الحدود الجنوبية، والحاجة إلى ضمانات عملية تمنع تعثر أي تفاهم جديد.

لبنان بين الضغوط الأميركية وتعقيدات الداخل
تتجاوز تداعيات السجال حدود الخلاف الشخصي بين جنبلاط والخارجية الأميركية، لتلامس قضية أوسع تتعلق بقدرة لبنان على بلورة موقف داخلي موحد من المفاوضات.
فالتوصل إلى تفاهمات خارجية لا يلغي الحاجة إلى نقاش داخلي حول آليات التنفيذ والالتزامات المترتبة عليها، خصوصًا عندما تتصل القرارات بمسائل سيادية وأمنية حساسة.
كما أن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطًا بمدى التزام الأطراف المعنية ببنوده، وتوافر آليات واضحة للتحقق من التنفيذ، وقدرة المؤسسات اللبنانية على التعامل مع تداعياته.
وفي هذا الإطار، يشكل رد جنبلاط على الخارجية الأميركية مؤشرًا إلى استمرار الجدل اللبناني بشأن الخيارات الدبلوماسية المطروحة، ومدى قدرة الوساطة الأميركية على تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل وتسوية مستدامة.

مواجهة مفتوحة حول مستقبل اتفاق الإطار
في المحصلة، أعادت تصريحات وليد جنبلاط وردّ وزارة الخارجية الأميركية طرح أسئلة أساسية بشأن اتفاق الإطار ومستقبل المفاوضات مع إسرائيل.
وبين انتقادات جنبلاط لغياب التشاور المؤسساتي، ودفاع واشنطن عن المسار الذي رعته، يبقى الاختبار الأساسي مرتبطًا بالنتائج التي يمكن تحقيقها على الأرض.
فهل تنجح الضغوط الدبلوماسية في تحريك ملف الانسحاب الإسرائيلي، أم أن تعثر التنفيذ سيدفع القوى اللبنانية إلى المطالبة بمراجعة المسار الحالي؟
اقرأوا أيضا في مركز بيروت للأخبار:
https://beirutnewscenter.com/?p=1225404&src=wa
