هل يمكن بناء ساعة لا تخسر أو تكسب ثانية واحدة إلا بعد مرور أكثر من 300 مليار عام؟ هذا هو المستوى المذهل من الدقة الذي اقترب منه فريق من العلماء في سنغافورة، بعد تطوير ساعتين ذريتين بصريتين تعتمدان على أيونات عنصر اللوتيتيوم، وإجراء مقارنة مباشرة بينهما أظهرت تطابقاً غير مسبوق في قياس الوقت.

ونجح الباحثون من مركز التقنيات الكمومية في جامعة سنغافورة الوطنية في الوصول إلى مستوى دقة عند الرقم العشري التاسع عشر، مع عدم يقين ترددي بلغ نحو 1×10⁻¹⁹ لكل ساعة، فيما أظهرت المقارنة بين ساعتين مستقلتين اتفاقاً عند مستوى 5.7×10⁻¹⁹ بعد نحو 200 ساعة من القياسات. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature في 23 سبتمبر/أيلول 2026.

ساعة اللوتيتيوم.. دقة عند الرقم 19

ساعة اللوتيتيوم.. دقة عند الرقم 19
ساعة اللوتيتيوم.. دقة عند الرقم 19

تعتمد ساعة اللوتيتيوم الذرية التي طورها الباحثون في سنغافورة على أيون واحد من نظير اللوتيتيوم ^176Lu⁺، محصور داخل مصيدة أيونية، ويجري قياس انتقال ذري بصري باستخدام الليزر.

وأظهرت الدراسة أن كل واحدة من الساعتين حققت عدم يقين ترددي مُقيّماً قريباً من 1×10⁻¹⁹، وهو مستوى وصفه الباحثون بأنه الأدنى المُبلغ عنه حتى الآن لأي ساعة ذرية بصرية. كما جرت مقارنة مباشرة بين ساعتين مستقلتين من النوع نفسه، وكانت نتيجة المقارنة عند مستوى 5.7×10⁻¹⁹، في تجربة امتدت لنحو 200 ساعة.

ويقول موراي باريت، الباحث الرئيسي في مركز التقنيات الكمومية والأستاذ المشارك في قسم الفيزياء بجامعة سنغافورة الوطنية، إن الفريق واثق من أن هذه الساعة تمثل حالياً أكثر الساعات دقة، مستنداً إلى القياسات التي أظهرت تفوقها على أنظمة سابقة تعتمد على عناصر مختلفة.

ماذا يعني الرقم 10⁻¹⁹؟

ماذا يعني الرقم 10⁻¹⁹؟
ماذا يعني الرقم 10⁻¹⁹؟

يصعب تصور مستوى الدقة الذي تشير إليه هذه الأرقام في الحياة اليومية. ولتبسيط الصورة، يمكن ترجمة هذا المستوى إلى أن الساعة، نظرياً، لن تنحرف بمقدار ثانية واحدة إلا بعد فترة زمنية هائلة تتجاوز 300 مليار عام وفق التقريب المستخدم لتوضيح حجم الدقة.

وهذا الرقم لا يعني أن العلماء شغّلوا الساعة لمدة 300 مليار عام، وإنما هو تحويل تقريبي لمقدار عدم اليقين في قياس التردد إلى مقياس زمني مفهوم.

وللمقارنة، يبلغ عمر الكون نحو 13.8 مليار عام، ما يجعل فترة 300 مليار عام أكثر من عشرين ضعف عمر الكون تقريباً.

لماذا اللوتيتيوم؟

لماذا اللوتيتيوم؟
لماذا اللوتيتيوم؟

تكمن إحدى نقاط قوة ساعة اللوتيتيوم في أن الانتقال الذري الذي تعتمد عليه أقل حساسية للتأثيرات البيئية مقارنة بالعديد من الأنظمة الأخرى.

وتشير الدراسة إلى أن هذا الانتقال يمتلك حساسية منخفضة للغاية تجاه إشعاع الجسم الأسود والمجالات المغناطيسية، وهما من العوامل التي يمكن أن تؤثر في دقة الساعات الذرية.

كما أن الكتلة الذرية الكبيرة نسبياً للوتيتيوم تجعل النظام أقل تأثراً ببعض التأثيرات المرتبطة بالحركة مقارنة بالعناصر الأخف.

وقال باريت إن هذه الخصائص تجعل من الممكن تحقيق دقة مرتفعة حتى في نطاق واسع من الظروف البيئية، وهي ميزة مهمة إذا انتقلت هذه التكنولوجيا مستقبلاً من المختبرات إلى تطبيقات عملية.

كيف تعمل الساعة الذرية؟

كيف تعمل الساعة الذرية؟
كيف تعمل الساعة الذرية؟

تقوم فكرة الساعة الذرية على استخدام تردد ثابت مرتبط بانتقال محدد داخل الذرة بوصفه مرجعاً للوقت.

في الساعات التقليدية، يمكن أن يكون المذبذب بندولاً أو بلورة كوارتز، أما في الساعة الذرية البصرية فيُستخدم ليزر مضبوط على تردد محدد للغاية، بحيث يتفاعل مع الذرة عند انتقال ذري معين.

ويؤدي عدّ التذبذبات الضوئية إلى توفير مقياس للزمن أكثر دقة بكثير من الموجات المستخدمة في الساعات الذرية التقليدية القائمة على الميكروويف.

وتوضح جامعة سنغافورة الوطنية أن تردد الساعة القائمة على اللوتيتيوم يصل إلى نحو 350 تريليون ذبذبة في الثانية، وهو أعلى بكثير من ترددات الساعات الذرية القائمة على السيزيوم.

من السيزيوم إلى الساعات البصرية

من السيزيوم إلى الساعات البصرية
من السيزيوم إلى الساعات البصرية

يعتمد التعريف الحالي للثانية في النظام الدولي للوحدات على تردد انتقال محدد في ذرة السيزيوم، لكن الساعات البصرية تمثل جيلاً جديداً من تقنيات قياس الوقت.

فالانتقال من ترددات الميكروويف إلى الترددات البصرية يعني استخدام موجات ذات تردد أعلى بكثير، وبالتالي إمكانية تقسيم الثانية إلى وحدات أصغر وقياس الفروق الزمنية بدقة أكبر.

ولهذا السبب تعمل الأوساط العلمية الدولية على دراسة إمكانية إعادة تعريف الثانية في النظام الدولي للوحدات اعتماداً على معيار بصري جديد، إلا أن اعتماد معيار عالمي جديد يتطلب اختبارات ومقارنات دقيقة بين الأنظمة المختلفة.

الاختبار الأصعب.. ساعتان بدلاً من واحدة

الاختبار الأصعب.. ساعتان بدلاً من واحدة
الاختبار الأصعب.. ساعتان بدلاً من واحدة

لم يكتف الباحثون بقياس أداء ساعة واحدة، بل بنوا ساعتين مستقلتين تعمل كل منهما باستخدام أيون لوتيتيوم ^176Lu⁺، ثم قارنا ترددهما مباشرة.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن امتلاك ساعة ذات عدم يقين نظري منخفض لا يكفي وحده لإثبات قدرتها عملياً؛ إذ يجب التحقق من ذلك من خلال مقارنة ساعات مستقلة من النوع نفسه.

واستخدم الفريق تقنية تعرف باسم مطيافية الارتباط (Correlation Spectroscopy)، ما سمح بإجراء المقارنة مع تقليل تأثيرات ضوضاء الليزر المشتركة.

وبعد نحو 200 ساعة من المتوسط والقياس، أظهرت الساعتان اتفاقاً عند مستوى 5.7×10⁻¹⁹، وهو ما وصفته الدراسة بأنه أكثر مقارنة دقيقة بين ساعتين من هذا النوع حتى الآن.

سباق عالمي نحو الساعة الأكثر دقة

سباق عالمي نحو الساعة الأكثر دقة
سباق عالمي نحو الساعة الأكثر دقة

لا تعمل سنغافورة وحدها في هذا المجال؛ إذ يشهد تطوير الساعات الذرية البصرية منافسة دولية واسعة تشمل أنظمة تعتمد على عناصر مختلفة، من بينها السترونشيوم والإيتربيوم والألومنيوم.

وتسعى الأبحاث العالمية إلى الوصول إلى نظام يمكن الاعتماد عليه بوصفه معياراً دولياً جديداً للثانية.

لكن الطريق إلى إعادة تعريف وحدة الزمن لا يعتمد على تسجيل رقم قياسي واحد، بل يتطلب إثبات قدرة النظام على التحكم في مصادر الخطأ، وتقييم التأثيرات البيئية، ثم إجراء مقارنات مستقلة تثبت صحة مستوى الدقة المعلن.

الجاذبية قد تصبح قابلة للقياس بالساعات

الأستاذ المشارك موراي باريت (يسار) وطالب الدكتوراه مايكل لي وكبير الباحثين كايل أرنولد (الفريق البحثي)
الأستاذ المشارك موراي باريت (يسار) وطالب الدكتوراه مايكل لي وكبير الباحثين كايل أرنولد (الفريق البحثي)

لا تقتصر أهمية الساعة الذرية فائقة الدقة على معرفة الوقت.

وفقاً للنسبية العامة، يتغير معدل مرور الزمن باختلاف شدة مجال الجاذبية. وكلما اقتربت الساعة من مركز مجال جاذبي أقوى، يمر الزمن بالنسبة إليها بمعدل مختلف مقارنة بساعة موجودة على ارتفاع أكبر.

وتشير الدراسة إلى أن مستوى الدقة الذي حققه النظام يمكن أن يساهم في تطوير ما يعرف باسم التسوية الزمنية الجيوديسية (Chronometric Levelling) على مقياس المليمترات.

وبمعنى آخر، قد تصبح الساعات شديدة الدقة أداة لقياس فروق الارتفاعات والجاذبية، وليس مجرد وسيلة لمعرفة الوقت.

من GPS إلى اكتشاف أسرار الكون

من GPS إلى اكتشاف أسرار الكون
من GPS إلى اكتشاف أسرار الكون

غيّرت الساعات الذرية السابقة العالم من خلال تطبيقات عملية مثل أنظمة الملاحة والاتصالات وشبكات تحديد المواقع.

وتعتقد جامعة سنغافورة الوطنية أن الساعات البصرية قد تفتح الباب أمام تطبيقات جديدة لا يمكن تحديدها بالكامل في الوقت الحالي.

كما يمكن استخدام هذه الدقة في اختبارات الفيزياء الأساسية، بما في ذلك اختبار النسبية العامة، والبحث عن انتهاكات محتملة لتناظر لورنتز، ودراسة ثبات الثوابت الأساسية في الطبيعة، إضافة إلى البحث عن تأثيرات محتملة مرتبطة بـ المادة المظلمة.

وتشارك تقنيات الساعات الذرية فائقة الدقة بالفعل في مشاريع بحثية تسعى إلى اكتشاف جسيمات أو تأثيرات فيزيائية جديدة، وهو ما يجعل تطوير ساعات أكثر دقة خطوة تتجاوز مجرد تحسين أدوات قياس الزمن.

هل نحن أمام مستقبل جديد لقياس الزمن؟

هل نحن أمام مستقبل جديد لقياس الزمن؟
هل نحن أمام مستقبل جديد لقياس الزمن؟

إنجاز فريق جامعة سنغافورة الوطنية لا يعني أن تعريف الثانية تغير بالفعل، لكنه يقدم دليلاً تجريبياً قوياً على قدرة ساعات اللوتيتيوم البصرية على العمل عند مستوى بالغ الصعوبة من الدقة.

وتشير نتائج الدراسة المنشورة في Nature إلى أن النظام حقق عدم يقين قريباً من 10⁻¹⁹، مع مقارنة مستقلة بين ساعتين عند مستوى 5.7×10⁻¹⁹، ما يضع هذه التقنية في قلب السباق العلمي نحو الجيل المقبل من معايير الوقت.

وقد يكون الأهم أن هذه الدقة لا تمنح العلماء ساعة أفضل فحسب، بل أداة جديدة يمكن استخدامها لرصد فروق صغيرة جداً في الجاذبية واختبار النظريات الفيزيائية والبحث عن إشارات لظواهر لم تُكتشف بعد.

أدق ساعة ذرية في التاريخ ليست مجرد ساعة لا تتأخر أو تتقدم بسهولة، بل أداة علمية تصل بدقة قياس الزمن إلى حدود غير مسبوقة.

فبعد تطوير ساعتين بصريتين تعتمدان على أيونات اللوتيتيوم ومقارنتهما مباشرة لمدة نحو 200 ساعة، تمكن فريق سنغافوري من إثبات اتفاق بينهما عند مستوى 5.7×10⁻¹⁹، مع عدم يقين لكل نظام قريب من 1×10⁻¹⁹.

وإذا استمرت هذه التكنولوجيا في التطور، فقد لا يكون مستقبلها محصوراً في ضبط الوقت، بل قد تمتد استخداماتها إلى رسم خرائط الجاذبية، وتحسين الملاحة، واختبار النسبية، والبحث عن المادة المظلمة، وربما الكشف عن فيزياء جديدة.

شاركها.