«تصحيح الرواتب»… اقتطاع مقنّع وضرب للوظيفة العامة
تحت شعار «إنصاف موظفي القطاع العام وتصحيح رواتبهم»، تتجه السلطة السياسية في لبنان إلى تمرير مشروع يُعدّ، في جوهره، مساساً مباشراً بالمكتسبات التاريخية للموظفين، من رواتب وتقديمات اجتماعية وأمان وظيفي. فبدلاً من إقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة تعكس حجم الانهيار النقدي، كلّفت السلطة مجلس الخدمة المدنية إعداد مشروع يقوم على استمرار سياسة «الترقيع» المعتمدة منذ عام 2020، والتي لا تعيد سوى نحو 77% من قيمة الرواتب الحقيقية لعام 2019، وعلى فترة تمتد حتى عام 2030.
المشروع، الذي أُعدّ بإشراف شركة «سيغما» الأميركية وبالاستناد إلى توصيات البنك الدولي وصندوق النقد، يشطب عملياً فكرة التصحيح الجذري للأجور، ويستبدلها بمضاعفة تدريجية لأساس الراتب، بعد إلغاء جميع الزيادات والتعويضات التي أُقرّت منذ عام 2020، بما فيها بدلات البنزين والمثابرة. وبذلك تُعاد الرواتب إلى مستوياتها السابقة بالليرة، قبل البدء برفعها تدريجياً، ما يُدخل الأجور مجدداً في دوّامة الفوضى والملحقات المؤقّتة.
كما يقترح المشروع تحديد حدّ أدنى لرواتب موظفي الإدارات العامة عند 20 مليون ليرة، من دون إعادة هيكلة شاملة للرواتب أو تنظيم واضح للتقديمات الاجتماعية. وإلى جانب ذلك، يتضمّن تغييرات جوهرية في نظام الموظفين، أبرزها رفع سنّ التقاعد من 64 إلى 66 عاماً، وتقليص التقديمات الاجتماعية لمن ينهون خدماتهم طوعاً، وحصر استفادتهم بالخدمات الصحية فقط.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يمنح المشروع الإدارات صلاحيات أوسع في تنظيم الدوام وساعاته، ويقيّد مدّة الوضع خارج الملاك بخمس سنوات كحدّ أقصى، ما يفرض على عدد كبير من الموظفين العودة القسرية إلى وظائفهم أو إنهاء خدماتهم.
في المقابل، ورغم كل الاقتطاعات التي تطاول موظفي القطاع العام، يشمل التصحيح المقترح كامل التعويضات التي يتقاضاها رؤساء الجمهورية والنواب والوزراء، ما يكرّس ازدواجية المعايير ويعزّز الشعور بأن «تصحيح الرواتب» ليس سوى عنوان لخفض الحقوق وتفريغ الوظيفة العامة من ضماناتها الأساسية.
