كيف يمكن لكتاب لا يتجاوز 254 صفحة أن يختصر 76 عاماً من تاريخ العالم الحديث، بكل ما شهدته من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتكنولوجية منذ عام 1950 وحتى اليوم؟ هذا هو التحدي الذي يتصدى له المؤرخ البريطاني جيرمي بلاك في كتابه الجديد «تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا»، الصادر عام 2026 عن دار أركتوروس في لندن، والذي يقدم قراءة مكثفة لمسار العالم منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى عصر العولمة والرقمنة والذكاء التكنولوجي.
ويحاول الكتاب تقديم صورة شاملة للتحولات التي أعادت تشكيل حياة البشر، من الانفجار السكاني والتغير المناخي والاحتباس الحراري، إلى انتشار التعليم والقيم الليبرالية الجديدة، ودخول التلفزيون إلى المنازل، وظهور الحاسوب والإنترنت، فضلاً عن الاكتشافات الفضائية والتقدم الطبي والتكنولوجي.
ويستند المؤلف، وهو أستاذ للتاريخ في جامعة إكستر البريطانية، إلى تقسيم موضوعي يتيح تناول التحولات الكبرى عبر مجموعة من المجالات، بدلاً من الاكتفاء بسرد الأحداث السياسية والعسكرية وفق تسلسلها الزمني.
جيرمي بلاك يختصر 76 عاماً من تاريخ العالم في كتاب واحد
جيرمي بلاك يختصر 76 عاماً من تاريخ العالم في كتاب واحد
يحمل الكتاب عنوان «تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا»، ويقع في 254 صفحة، ويغطي مرحلة تاريخية امتدت على مدى 76 عاماً، شهدت تغيرات عميقة في بنية المجتمعات وأنماط الحياة والعلاقات الدولية.
ويقسم بلاك مؤلفه إلى فصول تتناول البيئة، والإنسانية، والمجتمع، والتقنيات، والاقتصاد، والثقافة، والسياسة العالمية، والسياسة القومية، وصولاً إلى استشراف المستقبل.
وتكمن أهمية هذا التقسيم في أنه لا يحصر التاريخ الحديث في صراعاتالدول والحروب وتبدل الأنظمة السياسية، بل يربط الأحداث بالتغيرات التي طالت حياة الإنسان اليومية، وطريقة تفكيره وتواصله وإنتاجه واستهلاكه للمعرفة والثقافة.
الثقافة العالمية بين الحرب الباردة والعولمة
يخصص العرض جانباً مهماً للتحولات الثقافية، التي كانت في منتصف القرن العشرين متأثرة بصورة مباشرة بالصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي خلال الحرب الباردة.
فقد تبنى المعسكر الشرقي، بقيادة الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية المتحالفة معه، مفهوم «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما اتجه المعسكر الغربي، بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، نحو التجريب الفني والحرية في الشكل والمضمون.
ولم يقتصر هذا التنافس الثقافي على الدول الكبرى، بل امتد تأثيره إلى بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، كما انعكس على النقاشات الفكرية في عدد من الدول العربية، حيث احتدم الجدل بين مفهوم «الفن للفن» ومفهوم «الفن للمجتمع».
ومع بداية الألفية الثالثة، بدأت الثقافة تتحرك بصورة متزايدة نحو العولمة، بالتوازي مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، نتيجة اتساع التعليم ومحو الأمية وارتفاع أعداد المتعلمين في دول العالم الثالث، إلى جانب الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية.
كرة القدم والسينما.. عندما أصبحت الثقافة جزءاً من السياسة
يبرز الكتاب العلاقة المتنامية بين الثقافة والسياسة، ولا سيما في المجال الرياضي، حيث لم تعد الرياضة مجرد منافسة بدنية، بل تحولت إلى مساحة للتعبير عن المواقف السياسية والصراعات الدولية.
وتشكل مقاطعة العديد من الدول لجنوب أفريقيا خلال فترة نظام الفصل العنصري بين البيض والسود أحد الأمثلة على توظيف الرياضة في الضغط السياسي، كما يشير العرض إلى الخلافات التي أحاطت بمشاركة روسيا في دورة الألعاب الأولمبية لعام 2024، على خلفية حربها في أوكرانيا.
أما السينما، فقد شهدت توسعاً كبيراً في تأثير النموذج الأميركي، مع انتشار المدن الترفيهية المستوحاة من «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا، ثم في طوكيو وباريس، حيث استقبلت مدينة ديزني لاند باريس، وفق الرقم الوارد في العرض، 375 مليون زائر في عام 2022.
لكن السينما الأميركية لم تحتكر المشهد العالمي، إذ واجهت منافسة من مدارس سينمائية متعددة، أبرزها السينما الإيطالية التي برزت من خلال حركة الواقعية الجديدة منذ أواخر أربعينات القرن الماضي، والسينما الفرنسية مع حركة الموجة الجديدة في أواخر الخمسينات.
كما ظهرت السينما الألمانية الجديدة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1962 و1982، وبرزت السينما الهندية المعروفة باسم «بوليوود»، والسينما النيجيرية المعروفة باسم «نوليوود»، فيما بقيت السينما الصينية أكثر ارتباطاً بالبيئة السياسية والنظام الحاكم.
ومن الأعمال السينمائية التي تناولت السياسات الأميركية بجرأة فيلم «يوم القيامة الآن» الصادر عام 1979، والذي قدم إدانة سينمائية لحرب الولايات المتحدة في فيتنام.
التلفزيون يعيد تشكيل المجتمعات وينافس السينما والإذاعة
وأدى صعود الشاشة الصغيرة إلى تراجع نسبي في أعداد متابعي الإذاعة والسينما، بالتزامن مع تحول نجوم التلفزيون إلى شخصيات جماهيرية تحظى بشهرة تضاهي شهرة نجوم الأفلام السينمائية.
وتوسعت صناعة المسلسلات الاجتماعية والفكاهية والبوليسية، وازدادت ساعات البث التلفزيوني، وظهرت قنوات فضائية جديدة أسهمت في نقل الإنتاج الثقافي بين المجتمعات.
وبرزت المسلسلات التركية وبعض الأعمال الدرامية العربية ضمن الإنتاجات التي حققت نسب مشاهدة مرتفعة، بما يعكس انتقال التأثير الثقافي عبر الحدود وتراجع احتكار الدول الغربية للمشهد التلفزيوني العالمي.
من الوجودية إلى ما بعد الحداثة.. تحولات الفلسفة والفكر
الفرنسي جان بول سارتر
على المستوى الفلسفي، يتتبع العرض انتقال التأثير الفكري من الوجودية التي برزت بقوة في العقود التالية للحرب العالمية الثانية، إلى البنيوية، ثم تيارات ما بعد الحداثة.
لكن تأثير الوجودية بدأ يتراجع تدريجياً مع صعود البنيوية، التي ارتبطت بأسماء مثل فردينان دي سوسير وكلود ليفي شتراوس ورولان بارت.
وأعقبت ذلك تيارات ما بعد الحداثة، ومن أبرزها التفكيكية التي ارتبطت بالفيلسوف جاك دريدا، إلى جانب أعمال ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير، والتي تفاعلت مع مرجعيات فكرية متعددة، من بينها الماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.
ويرى العرض أن هذه الفلسفات بقي تأثيرها في الغالب ضمن المجال الأوروبي والغربي، ولم تترك الأثر نفسه في المجتمعات الإسلامية والصينية، حيث اتخذ النقاش الفكري في العالم العربي مساراً مختلفاً، تمحور بصورة أساسية حول العلاقة بين الرؤية الدينية والرؤية العلمانية للعالم.
الرواية من الحداثة الفكرية إلى أدب الانتشار الجماهيري
جيمس جويس
وفي مجال الأدب الروائي، يرصد العرض تحولاً في طبيعة الأعمال الأكثر انتشاراً، مع تراجع نسبي في حضور الروايات الحداثية المعقدة لصالح أعمال جماهيرية واسعة الانتشار.
فقد شكلت أعمال جيمس جويس و أندريه جيد و توماس مان و فرانز كافكا نماذج بارزة للرواية الحداثية العميقة من حيث البناء والمضمون، قبل أن تتسع مساحة الروايات الأكثر رواجاً تجارياً وجماهيرياً.
وتبرز أجاثا كريستي بوصفها واحدة من أبرز الأسماء في هذا التحول، إذ ترجمت أعمالها إلى أكثر من مائة لغة، وحققت انتشاراً عالمياً واسعاً.
كما تحولت رواياتها إلى أعمال سينمائية حققت نجاحاً جماهيرياً، من بينها «جريمة في قطار الشرق السريع» عام 1974، و«موت على النيل» عام 1984.
ويعكس هذا التحول التداخل المتزايد بين صناعة الأدب والسينما والثقافة الجماهيرية، حيث لم تعد الرواية مجرد إنتاج أدبي مستقل، بل أصبحت مادة قابلة لإعادة الإنتاج والتوزيع عبر وسائل إعلامية متعددة.
الصور والخرائط.. كيف يرسم الكتاب صورة العالم الحديث؟
لا يعتمد كتاب جيرمي بلاك على النصوص وحدها في تقديم قراءته للتاريخ الحديث، بل يضم مجموعة من الخرائط والرسوم البيانية والصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن مختلفة.
ومن خلال الجمع بين الكلمة والصورة، يسعى المؤلف إلى تقديم سرد تاريخي مكثف يختصر المسافة بين الأحداث الكبرى والتغيرات اليومية التي عاشتها المجتمعات.
هل يمكن اختصار تاريخ العالم الحديث في 254 صفحة؟
تكمن أهمية تجربة جيرمي بلاكفي محاولته تجاوز السرد التاريخي التقليدي، الذي غالباً ما يضع الحروب والثورات والتحولات السياسية في مركز الاهتمام، ليقدم التاريخ بوصفه شبكة مترابطة من التحولات البيئية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والفكرية.
فالعالم الذي خرج من الحرب العالمية الثانية لم يكن مجرد عالم يعيد ترتيب موازين القوى، بل كان يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع، بفعل التعليم والإعلام والتكنولوجيا والاتصال العالمي.
ومن الحرب الباردة التي قسمت العالم إلى معسكرين، إلى العولمة التي وسعت انتقال الأفكار والمنتجات والثقافات، مروراً بصعود التلفزيون والسينما والإنترنت، تتضح ملامح انتقال البشرية إلى واقع مختلف في أدواته وعلاقاته ومصادر تأثيره.
لكن اختصار هذه التحولات في كتاب واحد يفرض بالضرورة الانتقاء والتركيز، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى خريطة عامة لفهم العالم الحديث منه إلى موسوعة تفصيلية تستوعب جميع أحداثه وتناقضاته.
وبذلك يقدم الكتاب مدخلاً معرفياً لفهم العقود التي صنعت عالمنا المعاصر، ويعيد طرح سؤال جوهري: كيف تحولت البشرية خلال أقل من قرن من عالم تحكمه الحرب الباردة والانقسامات الأيديولوجية إلى عالم تتشابك فيه الثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة عبر الحدود؟