خاص مركز بيروت للأخبار

بقلم: مبارك بيضون 

ليس من السهل النظر إلى موقع محافظ بيروت باعتباره مجرد منصب إداري يمكن تغييره أو استبداله في أي وقت. فالعاصمة ليست مدينة عادية، ومحافظها لا يتولى مسؤوليات عادية. بيروت هي مركز القرار السياسي والاقتصادي والإداري، وهي واجهة لبنان في الداخل والخارج، وما يصيبها ينعكس حكماً على صورة الدولة واستقرارها.

ومن هنا، فإن موقع محافظ بيروت يحمل بعداً تنفيذياً بالغ الأهمية، إلى جانب المجلس البلدي الذي يتولى الجانب التشريعي المحلي، فيما يبقى المحافظ في موقع المسؤولية التنفيذية المباشرة عن عدد كبير من الملفات التي تمس حياة أهل العاصمة ومؤسساتها وشوارعها ومرافقها.

ولهذا السبب، فإن أي حديث عن المرحلة المقبلة لمحافظة بيروت يجب ألا يُقرأ فقط من زاوية الأسماء والتعيينات، بل من زاوية أوسع بكثير: ما الذي تحتاجه بيروت في هذه المرحلة؟ ومن هو القادر على حمل أثقالها المتراكمة؟

هذه هي المسألة الأساسية.

فبيروت اليوم تدخل مرحلة دقيقة وحساسة، في لبنان والمنطقة، لا تشبه المراحل الطبيعية التي يمكن فيها إجراء تغييرات إدارية من دون أن تكون لها تداعيات واسعة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الخبرة في إدارة الأزمات ومعرفة تفاصيل المدينة وقدرة المسؤول على التعامل مع ملفاتها المتشابكة عناصر لا تقل أهمية عن أي معيار آخر.

ومن هنا تبرز تجربة محافظ بيروت مروان عبود خلال السنوات الست الماضية.

لقد دخل عبود إلى موقعه في واحدة من أصعب المراحل التي عرفتها العاصمة اللبنانية. ولم تكن أمامه بيروت المستقرة التي يمكن أن تدار ملفاتها بالطرق التقليدية، بل بيروت المثقلة بالأزمات، والمفتوحة على احتمالات متعددة، والتي كانت تنتقل من مأساة إلى أخرى.

وكان انفجار مرفأ بيروت أول وأكبر هذه الأثقال.

محافظ بيروت كان متواجداً في الميدان عقب انفجار مرفأ بيروت
محافظ بيروت كان متواجداً في الميدان عقب انفجار مرفأ بيروت

كارثة هزت العاصمة والدولة والمجتمع، وأطلقت غضباً شعبياً عارماً، ووضعت الجميع أمام مسؤوليات ضخمة. وفي تلك اللحظة، وجد محافظ بيروت نفسه في قلب المأساة، وفي مواجهة شارع غاضب، ومدينة منكوبة، وملفات إنسانية واجتماعية واقتصادية تفوق قدرة أي إدارة على استيعابها بسهولة.

وكان عليه أن يتعامل مع المأساة وغضب الناس في الوقت نفسه، وأن يحافظ على الحد الأدنى من انتظام الحياة في مدينة تعرضت لضربة استثنائية.

ثم جاءت تداعيات ثورة 17 تشرين عام 2019، وما رافقها من اضطرابات وخراب وتدمير طال أجزاء أساسية من وسط بيروت ومؤسساتها ومصالحها الاقتصادية. وكانت هذه الملفات بدورها جزءاً من المسؤولية التي وجد المحافظ نفسه أمامها، في وقت كانت فيه الدولة تعاني من أزماتها الكبرى.

هنا لا يمكن النظر إلى السنوات الست باعتبارها مجرد فترة زمنية في موقع إداري.

إنها سنوات من الأزمات المتلاحقة، ومن القرارات الصعبة، ومن الملفات التي كانت تحتاج في كثير من الأحيان إلى السير في ممرات ضيقة، وأحياناً إلى التعامل مع ما يشبه الألغام السياسية والاجتماعية.

وهذا بالإضافة إلى واحد من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل داخل البازار السياسي والأمني في البلد، وهو مصلحة تسجيل السيارات والآليات، التي تولّاها بدوره المحافظ في مرحلة، كما وصفناها سابقاً، لم تكن صعبة فحسب، بل كانت متوّجة بالمخاطر.

ومن لا يعرف طبيعة هذا الملف الخطير، قد لا يدرك حجم الثقل الذي كان يشكله على الدولة اللبنانية، ولا حجم التجاذبات السياسية التي أحاطت به، في وقت كانت بعض القوى السياسية تتعاطى مع هذا الملف وكأنه حصة من الحصص الموزعة على الأقطاب السياسية، بحيث يتحول إلى رافعة في مكان ما، وإلى أداة تأثير في السياسة الداخلية، ولا سيما في الاستحقاقات الانتخابية.

فمصلحة تسجيل السيارات لم تكن مجرد إدارة لتسيير معاملات المواطنين، بل كانت، في مراحل معينة، مساحة تتقاطع فيها المصالح السياسية والأمنية والإدارية، وتتشابك فيها الحسابات الانتخابية مع النفوذ والمصالح.

وفي مواجهة هذا الواقع، وجد المحافظ نفسه أمام ملف بالغ الحساسية، لا يكفي فيه اتخاذ القرار الإداري، بل يحتاج إلى قدرة على التعامل مع شبكة واسعة من التجاذبات والضغوط، في بلد كثيراً ما تتداخل فيه الإدارة بالسياسة، والمصلحة العامة بالحسابات الخاصة.

لذلك، كان الحل بالتماشي مع ما يريده العهد، وعلى رأسه رئيس الجمهورية، حيث سار المحافظ في خطوات واضحة ومدروسة، أكدت الرئاسة دعمها لها وباركت ما قام به من ترتيبات وإجراءات لإعادة الحياة إلى هذا المرفق المهم والحيوي للدولة اللبنانية.

ولم تكن أهمية إعادة تفعيل هذا المرفق مرتبطة فقط بتسيير معاملات المواطنين، بل بالاعتبارات العديدة التي جعلت منه مرفقاً أساسياً في انتظام عمل الدولة، وبما يمثله من أهمية إدارية وأمنية واقتصادية، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الحياة اليومية للمواطنين.

وكانت هذه الخطوات، في حينها، جزءاً من مسار إعادة الانتظام إلى مؤسسة عانت طويلاً من التجاذبات والضغوط، بما سمح بإعادة وضعها على سكة العمل والإنتاج، بعيداً عن تحويلها إلى ساحة إضافية للصراع السياسي أو إلى أداة من أدوات النفوذ.

وفي ملف المساعدات، كان للجمعيات والمنظمات غير الحكومية دور أساسي في دعم بيروت وأهلها، كما وصلت مساعدات وتبرعات من جهات ودول مختلفة، ولا سيما من بعض الدول الأوروبية. وكان وجود جهة رسمية قادرة على التواصل مع هذه المبادرات وإدارتها ومتابعتها عاملاً مهماً في تلك المرحلة الحساسة.

وكانت الثقة بالمحافظ مروان عبود في تلك المرحلة جزءاً من هذه المعادلة.

ثم جاءت أزمات الكهرباء والمازوت وارتفاع كلفته ونقصه، في وقت كانت فيه مولدات العاصمة تعتمد بصورة أساسية على هذه المادة. وكانت بيروت مهددة بأن تعيش في عتمة كاملة، فوق كل ما كانت تعانيه من أزمات.

أما النظافة، فكانت قصة أخرى.

النفايات والكنس ورفع الأوساخ من الشوارع وتعثر عمل الشركات المعنية، كلها ملفات كان يمكن أن تحول العاصمة إلى مشهد إضافي من مشاهد الانهيار.

وفي تلك المرحلة، لم يبقَ المحافظ خلف مكتبه، بل نزل إلى الشارع وتواصل مع الجمعيات البيروتية، وسعى إلى الضغط على المؤسسات المعنية، ومتابعة مستحقات الشركات، وصولاً إلى إعادة انتظام عمليات رفع النفايات وتنظيف شوارع العاصمة.

ولم تكن هذه التفاصيل هامشية.

ففي أوقات الانهيار، تصبح الكهرباء والنظافة والطرقات والنفايات والمياه والمساعدات جزءاً من الأمن الاجتماعي للمدينة، ويصبح الحفاظ على الحد الأدنى من انتظام الحياة فيها إنجازاً لا يمكن الاستهانة به.

لهذا، فإن الحديث عن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: من سيأتي؟

بل من سؤال أكثر أهمية:

ما الذي تحتاجه بيروت؟

هل تحتاج العاصمة في هذه اللحظة إلى تجربة جديدة تبدأ من نقطة الصفر، أم أنها تحتاج إلى تراكم الخبرة والمعرفة والقدرة على التعامل مع الملفات التي أصبحت معروفة ومتشابكة؟

قد يكون محافظ مدينة بيروت مروان عبود، بعد ست سنوات من هذه المسؤولية الثقيلة، بحاجة إلى الراحة بعد ما تذوقه من مشقة وعذابات وما تحمله من أعباء خلال واحدة من أصعب مراحل العاصمة.

لكن المسألة هنا ليست مسألة راحة رجل أو استمرار شخص.

المسألة هي حاجة مدينة.

 

محافظ بيروت القاضي مروان عبود
محافظ بيروت القاضي مروان عبود

ففي مرحلة دقيقة وحساسة كهذه، قد تصبح الاستمرارية قيمة بحد ذاتها، عندما تكون مبنية على خبرة وتجربة ومعرفة بتفاصيل الملفات، وعلى قدرة أثبتت نفسها في أوقات لم تكن فيها الخيارات سهلة.

لبنان اليوم، وبيروت تحديداً، أمام مرحلة لا تحتمل الكثير من التجارب غير المحسوبة. المنطقة من حوله تتغير، والداخل اللبناني يعيش على وقع استحقاقات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة، والعاصمة تبقى في قلب كل هذه التحولات.

ولهذا، فإن وجود رجل يعرف بيروت من داخل أزماتها، وعاش ملفاتها الثقيلة، واحتك بجمعياتها ومؤسساتها وأهلها، وفهم طبيعة شوارعها وأحيائها وتوازناتها، قد لا يكون مجرد خيار إداري، بل حاجة تفرضها طبيعة المرحلة.

إن الرجالات الذين صدقوا وعاهدوا واستمروا، ولم يتركوا مواقع المسؤولية في أصعب الظروف، تصبح خبرتهم أثمن عندما تدخل البلاد مرحلة دقيقة.

وبيروت، في هذه اللحظة، تحتاج إلى من يعرف كيف يحمل أثقالها، لا إلى من يتعرف عليها للمرة الأولى.

لذلك، فإن استمرار مروان عبود في موقع محافظ بيروت، إذا كان القرار السياسي يرى فيه مصلحة العاصمة، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تمسكاً بشخص أو رفضاً للتغيير، بل باعتباره استثماراً في الخبرة والاستمرارية في مرحلة تحتاج فيها بيروت إلى من يعرفها ويعرف أزماتها ويستطيع أن يحمل مسؤولياتها.

ففي الأيام الطبيعية، يمكن أن يكون التغيير خياراً.

أما في الأيام الاستثنائية، فقد تكون الاستمرارية المدروسة هي عين التغيير الحقيقي: الحفاظ على ما أثبت قدرته على حماية المدينة، وتطويره بما يتناسب مع المرحلة الجديدة.

وبيروت اليوم ليست بحاجة فقط إلى من يديرها.

شاركها.