بقلم الدكتور: محمد خليل رضا
الحلقة الثانية والأخيرة (2/2)
هل تقارير الأطباء الشرعيين في لبنان صحيحة مئة بالمئة؟ أم فيها خلل وشكوك وثغرات وغموض وملاحظات في العمق؟
سبق أن ذكرت في الحلقة الأولى من هذه المقالة المختصرة جدًا عن الشكوك، والغموض، والخلل، والثغرات، والملاحظات العميقة، التي أطرحها من باب الحرص على سمعة الطب الشرعي في لبنان والخارج.
وهي أسئلة مبررة، علمية، غير خبيثة، ومنطقية وصائبة، ويمكن طرحها بكل مسؤولية ومن دون تردد.
لقد أوردت حالة من الحالات التي حصلت في لبنان، وهي ليست سرًا، بل تناقلتها وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، والجميع يعرف تفاصيل هذه الحادثة.
أسباب النزيف داخل الرأس
كنت قد أشرت في الحلقة الأولى إلى أسباب النزيف داخل الرأس، وذكرت من ضمنها انفجار:
أم الدم التوتية (Berry Aneurysm)
وسأكمل هنا الحديث عن بعض الحالات الأخرى، خصوصًا لجهة التشوهات الخلقية في تمدد الشرايين الدماغية، وكذلك أمّهات الدم الدماغية الدقيقة (Micro Aneurysms)، وغيرها من الحالات الموجودة داخل الدماغ، والتي قد يؤدي انفجارها إلى نزيف دماغي، ثم إلى إعاقات عصبية دائمة أو وفاة.
أذكر هذه الحالات من باب إحقاق الحق، وحتى لا يُظلم أحد.
بعض أنواع تمددات الأوعية الدموية الدماغية
Aneurysm de Charcot-Bouchard
وهي تمددات شريانية دقيقة جدًا، وكذلك:
Micro Aneurysm
وهذه التمددات موجودة داخل الدماغ وفي أماكن تشريحية عميقة، منها:
المهاد (Thalamus).
المخيخ (Cervelet).
العقد القاعدية (Ganglions de la base).
جسر جذع الدماغ (Pons du tronc cérébral).
وغيرها.
وكما ذكرت سابقًا، فإن انفجار هذه التمددات داخل الدماغ يؤدي إلى نزيف، وإعاقات عصبية دائمة، وقد يؤدي إلى الوفاة.
متلازمة إهلرز دانلوس (Ehlers-Danlos)
تعطي هذه المتلازمة علامات جلدية مثل:
مطاطية الجلد وتمددّه.
علامات مفصلية.
وترتبط بضعف في الأنسجة الضامة (Tissu conjonctif)، وقد تزيد خطر حدوث تمددات أو تشوهات في الأوعية الدموية، بما فيها الأوعية الدماغية.
ويُعتبر النمط الرابع من هذا المرض من أخطر الأنماط على الشرايين، بسبب الخلل في إنتاج الكولاجين (Collagène)، ما يؤدي إلى ترقق وضعف جدران الشرايين والشعيرات الدموية في الجسم والدماغ.إثبات حالة الصرع من الناحية الطبية والشرعية
لكن تشخيص الصرع لا يعتمد فقط على الاحتمال، بل يحتاج إلى علامات وأدلة طبية موثقة.
ومن العلامات غير المباشرة التي قد تُلاحظ بعد الوفاة:
عضّ اللسان.
التبول اللاإرادي.
وجود كدمات أو إصابات في الرأس نتيجة السقوط أثناء النوبة.
وجود علامات أخرى تظهر خلال الفحص الطبي الشرعي.
كما يمكن الاستعانة بالفحوصات الشعاعية، ومنها:
التصوير الطبقي المحوري (Scanner).
التصوير بالرنين المغناطيسي (IRM).
وذلك لفحص الدماغ والبحث عن أي إصابات أو تشوهات أو أمراض محتملة.
كما يمكن أخذ عينات من أنسجة الدماغ وفحصها في مختبر الأنسجة العصبية:
(Histologie Neuro-Chirurgie)
مع استخدام صبغات خاصة:
(Coloration)
للوصول إلى تشخيص علمي وطبي وقانوني أكثر دقة، وإرفاق التقرير النسيجي ضمن الملف الطبي الشرعي والقانوني عند الحاجة.
الملف الطبي السابق للمريض
وللتأكد من أن الشخص كان يعاني فعلًا من مرض الصرع، يجب الرجوع إلى الملف الطبي الشامل، ومعرفة ما إذا كان قد خضع لفحص تخطيط كهربائية الدماغ:
(EEG – Electroencéphalographie)
ومراجعة التقارير الطبية عبر السنوات.
كما يمكن التأكد من تناول أدوية الصرع بصورة منتظمة عبر بعض الفحوصات المخبرية، ومنها أخذ عينات من الدم أو الشعر عند الحاجة.
أسئلة موجهة إلى التقارير الطبية الشرعية
أعود إلى التقارير الطبية الشرعية الثلاثة المختلفة، والصادرة بعد تشريح الجثة عن ثلاثة أطباء شرعيين لبنانيين، كما ورد في وسائل الإعلام.
وأطرح هذه الأسئلة بكل احترام ومهنية ومسؤولية:
هل تم تشريح الجثة بطريقة منهجية (Systématique) وعلمية ووفق الأصول الطبية الشرعية؟
هل تم فتح الجمجمة بالمنشار الكهربائي؟
هل تمت معاينة وضع الدماغ بالعين المجردة؟
هل كان هناك نزيف داخل الدماغ أم لا؟
هل وُجدت جروح في فروة الرأس (Cuir chevelu)؟
هل تم فحص الرأس من جميع الجهات؟
هل وُجدت كسور أو كسور ضاغطة في الجمجمة (Embarrure)؟
هل تم توثيق هذه الأمور بالصور الشعاعية، مثل التصوير الطبقي أو الرنين المغناطيسي؟
هل تم تدوين جميع الملاحظات والمشاهدات التي ظهرت أثناء التشريح في التقرير النهائي؟
فحص الدماغ أثناء التشريح
خلال تشريح الجثة، وخصوصًا في الحالات المشابهة، يجب فحص الدماغ بدقة للبحث عن:
نزيف دماغي.
وذمة دماغية (Œdème).
علامات انفتاق أو تغيرات داخل الجمجمة.
أورام دموية خارج أو داخل الأم الجافية:
(Hématome extra ou intra-dural)
كما يجب توثيق وزن الأعضاء، ومنها الدماغ، وفق الإجراءات المتبعة في الطب الشرعي.
وهذا ما تعلمناه في معاهد الطب الشرعي في فرنسا، ومنها:
جامعة ومستشفى كلود برنار (Université Claude Bernard) في ليون.
مستشفى إدوار هيريو (Hôpital Édouard Herriot) في ليون.
تحت إشراف أستاذي في الطب الشرعي البروفسور:
دانيال ماليسييه (Daniel Malicier).
وكذلك في مدينة ليل:
معهد الطب الشرعي (Institut de Médecine Légale – IML).
مستشفى روجيه سالانغرو (Hôpital Roger Salengro).
تحت إشراف أستاذي البروفسور:
غوسّيه (Gosset).
أذكر هذه التفاصيل للتوضيح فقط، بعدما ظهرت أحيانًا نتائج بحث على الإنترنت لا تُظهر مسيرتي الدراسية كاملة، وللأمانة أذكر بعض المؤسسات التي درست فيها.مسؤولية الطبيب الشرعي
أعود إلى صلب الموضوع لأشير إلى أن الطبيب الشرعي يجب أن يذكر ويصف كل ما يشاهده خلال تشريح الجثة، لأن ذلك يدخل ضمن:
المسؤولية الطبية
(La Responsabilité Médicale)
وهذه العبارة لها وزن كبير جدًا في فرنسا، لأنها ترتبط بالدقة والمهنية والمحاسبة القانونية.
أما في دول أخرى، فالأمر يعود إلى أنظمة القضاء والرقابة الطبية فيها، وأتمنى ألا يكون لبنان ضمن أي حالة تثير القلق أو الشكوك حول الطب الشرعي.
إعادة التشريح والخبرة المضادة
لماذا أطرح هذه التساؤلات؟
ليس بهدف الانتقاد أو تعبئة الأسطر، بل لأن المسؤولية الطبية تفرض الدقة.
فإذا قررت المحكمة أو القاضي إعطاء الإذن بـ:
نبش القبر (Exhumation)
واستخراج الجثة وإعادة معاينتها وتشريحها وأخذ عينات جديدة، فقد تظهر أمور لم تكن واضحة في التقرير الأول.
فإذا لم يكن الطبيب الشرعي قد فتح الجمجمة وفحص الدماغ بدقة وخبرة ومهنية، فقد تضيع بعض الأدلة المهمة، مثل:
وجود نزيف دماغي.
انفجار أم الدم التوتية: (Berry Aneurysm).
وجود تشوهات خلقية في شرايين أو أوردة الدماغ.
وجود كسور في الجمجمة.
كما أن رأي طبيب الأشعة يجب أن يكون واضحًا ودقيقًا، بعيدًا عن الغموض أو النقص.
آثار التعذيب والضرب والعنف
أعود إلى السؤال:
من أين جاء النزيف الذي ورد في وسائل الإعلام، والذي تحدث عنه والد الضحية، عندما قال إن ابنه تعرض للضرب والتعذيب والعنف؟
فإذا تعرض شخص للضرب المبرح، فإن آثار ذلك قد تظهر على الجثة من خلال:
الكدمات (Ecchymoses).
اختلاف ألوانها.
قياس طولها وعرضها.
تحديد موقعها التشريحي (Anatomique).
كما يستطيع الطبيب الشرعي، بخبرته، أن يحدد ما إذا كانت هذه الكدمات حدثت:
قبل الوفاة (Ante-mortem).
بعد الوفاة (Post-mortem).
وهذا يتم وفق فحوصات ومعايير الطب الشرعي.
توثيق الإصابات
يجب تصوير الإصابات فورًا، وتوثيق مكانها وتاريخها، وذكر جميع التفاصيل في التقرير.
وإذا ثبت أن الإصابات حدثت والضحية كان حيًا، فهذا يشكل عنصرًا مهمًا في التحقيق الطبي والقضائي.
لكن الطبيب الشرعي الواثق من علمه وخبرته ومصداقيته، والذي يؤدي واجبه المهني ويحترم قسمه الطبي، يكون مرتاحًا عندما يقدم تقريرًا:
شاملًا.
دقيقًا.
واقعيًا.
مبنيًا على العلم والأدلة.
ويكون مستعدًا للدفاع عنه أمام أي جهة قضائية، مهما كانت الظروف، لأنه يعتمد على المعرفة والخبرة والموضوعية.ملاحظات حول الحالة المذكورة
إن الحالة التي ذكرتها في الحلقة الأولى، والمتعلقة بالشاب اللبناني (X.Y) البالغ من العمر 31 سنة، تثير، من وجهة نظري، تساؤلات حول احتمال وجود خلل أو ثغرات أو ملاحظات في التقارير الطبية الشرعية المتعلقة بها.
وأكرر أن هذا الكلام يخص هذه الحالة تحديدًا، ولا يشكل حكمًا عامًا على جميع الأطباء الشرعيين.
فإذا وُجد أي تقصير أو نقص في أي تقرير طبي شرعي، فإن ذلك يكون أمرًا مقلقًا ومزعجًا، وقد ينعكس سلبًا على صورة الطب الشرعي في لبنان أو في أي بلد آخر، وعلى ثقة أهالي الضحايا بالعدالة الطبية والقضائية.
نظرة الطب الشرعي الدولي
لو وصلت أخبار عن وجود تقارير شرعية غير دقيقة أو غير مكتملة إلى أطباء شرعيين في دول لها تاريخ طويل في الطب الشرعي، ومنها فرنسا وغيرها، فمن الطبيعي أن تطرح لديهم تساؤلات علمية ومهنية حول مستوى الإجراءات المتبعة.
فالطب الشرعي يعتمد على:
الدقة.
الموضوعية.
التوثيق.
احترام القواعد العلمية.
تحمل المسؤولية الطبية.
فحوصات إضافية في الطب الشرعي
هناك فحوصات متقدمة يمكن اللجوء إليها في بعض الحالات، ومنها:
تصوير الشرايين التاجية بعد الوفاة
(Coronarographie Post-mortem)
وذلك لدراسة شرايين القلب بعد الوفاة، ومعرفة:
هل كانت الشرايين سالكة (Perméables)؟
هل يوجد تضيق شديد جدًا (Sténose très serrée)؟
هل يوجد انسلاخ في الشرايين التاجية (Dissection)؟
هل توجد أم دم أو تشوهات أخرى؟
وهذه الفحوصات قد تكون مفيدة في بعض الحالات الخاصة عندما يكون سبب الوفاة غير واضح.
أهمية التطوير في الطب الشرعي
إن تطوير الطب الشرعي يتطلب:
اعتماد أحدث الوسائل العلمية.
تدريب الأطباء باستمرار.
التعاون بين القضاء والخبراء.
طلب الخبرات المضادة عند الحاجة:
(Contre-expertise Médico-Légale)
فالخبرة الطبية الشرعية يجب أن تبقى مفتوحة أمام المراجعة العلمية، لأن الهدف الأساسي هو الوصول إلى الحقيقة وعدم ظلم أي إنسان.
الخاتمة
أختم بالقول:
“من عمل عملًا فليتقنه.”
فالطب الشرعي مسؤولية كبيرة، والتحقيق الطبي الشرعي:
(Expertise Médico-Légale)
ليس مجرد كتابة تقرير، بل هو عمل علمي وقانوني وإنساني له أثر مباشر على حياة الناس وحقوقهم.
وفي حال وجود شكوك جدية، فإن القانون يتيح اللجوء إلى:
نبش القبر (Exhumation)
وإعادة فحص الجثة وأخذ العينات وإجراء الخبرات اللازمة.
لذلك يجب إعطاء المجال لأهل الخبرة، وعدم التمسك بالرأي الواحد، بل اعتماد العلم والتواضع والموضوعية.
الدكتور محمد خليل رضا
خريج جامعات ومستشفيات فرنسا:
باريس – ليون – ليل
بيروت – لبنان
