بريطانيا تصعّد ضد المستوطنات الإسرائيلية بعقوبات تجارية
تتجه الحكومة البريطانية إلى فرضعقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة تعكس تشدداً متزايداً في موقف لندن من سياسة الاستيطان الإسرائيلية، وتأتي ضمن خطة أعلنتها حكومة رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام لإعادة ضبط العلاقات مع إسرائيل.
ومن المقرر أن يعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند تفاصيل الإجراءات أمام مجلس العموم، اليوم الثلاثاء، في وقت أشارت فيه الحكومة إلى إمكانية فرض قيود تجارية على السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وتؤكد التقارير أن الإجراءات تستهدف المستوطنات تحديداً، ولا تمثل حظراً شاملاً على البضائع الإسرائيلية.
وتأتي الخطوة البريطانية في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للتوسع الاستيطاني الإسرائيلي، ولا سيما المشاريع المرتبطة بمنطقة «إي 1» في الضفة الغربية، والتي تقول لندن إنها تهدد إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ضمن حل الدولتين.
تشكل العقوبات البريطانية على المستوطنات الإسرائيلية تحولاً لافتاً في سياسة لندن تجاه إسرائيل، خصوصاً أن الحكومة الجديدة تسعى إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً من التوسع الاستيطاني.
ومن المنتظر أن تشمل الإجراءات قيوداً على التجارة مع المستوطنات، فيما أشارت تقارير إلى أن التركيز قد يكون بصورة خاصة على المنتجات الزراعية والسلع التي يتم إنتاجها داخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. كما تتجه الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تستهدف أفراداً وشركات مرتبطة بالاستيطان وتحقيق الأرباح منه.
وأكد مسؤولون بريطانيون أن هذه الإجراءات لا تستهدف التجارة مع إسرائيل بصورة عامة، بل تركز على المستوطنات الواقعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقال وزير العمل والمعاشات البريطاني بات ماكفادن إن الإجراءات تستهدف تحديداً التوسع الاستيطاني، موضحاً أن الهدف يتمثل في الحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
إد ميليباند يعلن «إعادة ضبط» العلاقات
من المنتظر أن يقدّم إد ميليباند بياناً أمام مجلس العموم يوضح من خلاله تفاصيل السياسة البريطانية الجديدة تجاه إسرائيل.
وكان ميليباند قد تعهد بإجراء «إعادة ضبط شاملة» للسياسة البريطانية تجاه إسرائيل، مؤكداً أن لندن لن تقبل بما يهدد إمكانية تنفيذ حل الدولتين.
وتعتبر الحكومة البريطانية أن التوسع الاستيطاني المتزايد، خصوصاً في منطقة «إي 1»، يمكن أن يؤدي إلى تقويض التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما يصعّب إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
وتأتي هذه السياسة بعد أشهر من تصاعد الضغوط داخل حزب العمال البريطاني والبرلمان لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الاستيطان الإسرائيلي.
وبحسب رويترز، من المقرر الإعلان عن حظر تجاري على السلع المصنوعة في المستوطنات خلال اليوم، بينما أوضح مسؤولون بريطانيون أن إسرائيل ستبقى شريكاً تجارياً مهماً للمملكة المتحدة وأن الإجراءات لا تمثل مقاطعة شاملة للمنتجات الإسرائيلية.
وتتركز نسبة مهمة من المنتجات المتأثرة المحتملة في المنتجات الزراعية، في حين تواجه الحكومة البريطانية تحديات عملية تتعلق بكيفية تحديد مصدر المنتجات والتمييز بين السلع المنتجة داخل المستوطنات وتلك القادمة من داخل إسرائيل.
إسرائيل تهدد بالرد على بريطانيا
في المقابل، سارعت إسرائيل إلى التحذير من تداعيات أي عقوبات بريطانية تستهدف المستوطنات.
وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إسرائيل سترد إذا اتخذت بريطانيا إجراءات ضدها، في موقف يعكس حجم التوتر الدبلوماسي المتزايد بين لندن وتل أبيب.
وكان ساعر قد حذّر من أن أي تحرك بريطاني ضد إسرائيل سيقابله تحرك إسرائيلي ضد بريطانيا، في إشارة إلى احتمال اتخاذ إجراءات دبلوماسية أو سياسية رداً على العقوبات المرتقبة.
ويأتي التصعيد في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين خلافات متزايدة حول الاستيطان والحرب في غزة والسياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
هرتسوغ: بريطانيا ستكون في «الجانب الخطأ من التاريخ»
هرتسوغ: بريطانيا ستكون في «الجانب الخطأ من التاريخ»
بدوره، انتقد الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ التوجه البريطاني، محذراً من أن فرض عقوبات على المستوطنات سيضع المملكة المتحدة في ما وصفه بـ«الجانب الخطأ من التاريخ».
وقال هرتسوغ إن انضمام دول أخرى إلى العقوبات سيكون، من وجهة نظره، «سوء تقدير»، في موقف يعكس الرفض الإسرائيلي المتزايد للتحركات الأوروبية التي تستهدف الاستيطان.
ويأتي الموقف الإسرائيلي في ظل توسع دائرة الدول التي تتخذ إجراءات ضد المستوطنات أو السلع المنتجة فيها، وسط نقاش دولي متواصل بشأن الوضع القانوني للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وتعتبر الأمم المتحدة ومعظم الحكومات، بما فيها بريطانيا، المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مخالفة للقانون الدولي.
بن غفير يرد بالحديث عن جزر فوكلاند
وفي تصعيد لافت، دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاعتراف رسمياً بجزر فوكلاند باعتبارها «أراضي أرجنتينية محتلة».
وجاءت دعوة بن غفير رداً على الموقف البريطاني المتوقع بشأن المستوطنات، في خطوة تعكس رغبة بعض المسؤولين الإسرائيليين في استخدام ملفات دولية حساسة للضغط على لندن.
ويحمل ملف جزر فوكلاند حساسية خاصة بالنسبة إلى بريطانيا والأرجنتين، إذ تخضع الجزر للإدارة البريطانية بينما تطالب بها الأرجنتين.
وتحول الملف، بفعل تصريحات بن غفير، إلى إحدى أدوات الرد السياسي على التحرك البريطاني ضد المستوطنات الإسرائيلية.
وكتب سموتريتش على منصة «إكس» دعوة مباشرة إلى طرد السفير البريطاني، منتقداً بشدة سياسة الحكومة البريطانية تجاه إسرائيل.
ووصف الوزير الإسرائيلي الحكومة البريطانية بأنها معادية لإسرائيل، وربط موقفها تجاه المستوطنات بما وصفه بتراجع بريطانيا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أعلن أن مرحلة الانتداب البريطاني في فلسطين انتهت، في إشارة إلى الخلفية التاريخية التي يستند إليها الخطاب الإسرائيلي في مواجهة بريطانيا.
خلاف بريطاني إسرائيلي يتجاوز الاستيطان
لا تقتصر الخلافات الحالية بين لندن وتل أبيب على ملف المستوطنات، بل تمتد إلى مجموعة من القضايا المرتبطة بالحرب في غزة والوضع في الضفة الغربية وآفاق حل الدولتين.
وفي المقابل، ترى الحكومة الإسرائيلية أن الضغوط الدولية والعقوبات على المستوطنات تمثل تدخلاً في سياستها الداخلية وخياراتها الأمنية والسياسية.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه حكومة بنيامين نتنياهو ضغوطاً دولية متزايدة بشأن التوسع الاستيطاني، بالتزامن مع استمرار التوتر في الضفة الغربية.
مشروع «إي 1» يشعل الخلاف
مشروع «إي 1» يشعل الخلاف
يُعد مشروع «إي 1» الاستيطاني أحد أبرز أسباب التصعيد البريطاني الأخير.
وكانت إسرائيل قد مضت في إجراءات مرتبطة ببناء أكثر من 1200 وحدة سكنية في المنطقة، وهو ما أثار مخاوف دولية من أن يؤدي المشروع إلى فصل أجزاء من الضفة الغربية عن القدس الشرقية.
ويرى المسؤولون البريطانيون أن تنفيذ المشروع يمكن أن يجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر صعوبة، وهو ما دفع لندن إلى اعتبار الملف نقطة حمراء في سياستها الجديدة تجاه إسرائيل.
وقال ميليباند إن المشروع يهدد حل الدولتين، في حين أشارت الأمم المتحدة إلى المخاطر التي يمثلها المشروع بالنسبة إلى إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
مواجهة دبلوماسية مفتوحة
ومع اقتراب الإعلان البريطاني، تتجه العلاقات بين لندن وتل أبيب إلى مرحلة أكثر توتراً، خصوصاً مع التهديدات الإسرائيلية باتخاذ إجراءات مضادة.
كما أن الموقف البريطاني قد يثير انتقادات من الولايات المتحدة، الحليف الأبرز لإسرائيل، إذ بحث رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام الملف مع الرئيس الأمريكي ترامب خلال اتصال هاتفي سبق الإعلان عن الإجراءات.
وبذلك، فإن العقوبات البريطانية على المستوطنات الإسرائيلية لا تحمل أبعاداً تجارية فقط، بل تعكس تحولاً في السياسة الخارجية البريطانية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد تفتح الباب أمام مواجهة دبلوماسية أوسع بين لندن وتل أبيب.
ماذا تعني العقوبات البريطانية؟
إذا دخلت الإجراءات حيز التنفيذ، فإنها ستشكل رسالة سياسية قوية ضد التوسع الاستيطاني، مع تركيزها على المستوطنات والجهات الاقتصادية المرتبطة بها بدلاً من فرض مقاطعة شاملة على إسرائيل.
وتسعى لندن من خلال هذه الخطوة إلى الضغط على الحكومة الإسرائيلية لمنع المزيد من التوسع الاستيطاني والحفاظ على إمكانية تطبيق حل الدولتين.
لكن في المقابل، قد تؤدي العقوبات إلى مزيد من التوتر في العلاقات البريطانية الإسرائيلية، خصوصاً في ظل التهديدات الإسرائيلية بالرد، والانتقادات المتوقعة من واشنطن.