بروباغندا السيطرة على علي الطاهر: بين تناقضات الرواية «الإسرائيلية» وصمت المقاومة
بروباغندا السيطرة على علي الطاهر: بين تناقضات الرواية «الإسرائيلية» وصمت المقاومة صحيفة البناء: حسن حردان
يفتح الكاتب حسن حردان في صحيفة «البناء» ملفّ الإعلان الإسرائيلي عن «السيطرة العملياتية» على مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، واضعاً هذا الإعلان في إطار أوسع يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى البعد الدعائي والسياسي. فالرواية الإسرائيلية، بحسب المقال، لا تبدو متماسكة عند إخضاع مصطلحاتها وتوقيتها ونتائجها الميدانية للتدقيق، ولا سيما مع استمرار عمليات التدمير والتحييد والحديث عن إعادة انتشار دفاعي لاحقاً.
تلة علي الطاهر
ويحاول المقال تفكيك الصورة التي يسعى الاحتلال إلى تقديمها للرأي العام، من خلال إبراز الفارق بين التوغّل المؤقت أو تنفيذ عمليات هندسية في موقع عسكري، وبين فرض سيطرة ميدانية دائمة. وفي المقابل، يقرأ الكاتب صمت المقاومة باعتباره خياراً مقصوداً لتجنّب منح الرواية الإسرائيلية زخماً إعلامياً، فيما يضع موقف الجيش اللبناني من النقطة ضمن حسابات عسكرية وأمنية مرتبطة بواقع الموقع وقدرته على الدفاع عنه.
ينطلق حردان من نقطة أساسية تتمثل في تفكيك مفهوم «السيطرة العملياتية» الذي استخدمه الجيش الإسرائيلي. فالمقال يرى أن المصطلح لا يساوي احتلالاً ميدانياً دائماً، وأن استمرار عمليات تدمير البنى التحتية والتحضير لإعادة الانتشار الدفاعي يشير، وفق قراءة الكاتب، إلى أن الأمر أقرب إلى عملية عسكرية محدودة منه إلى تثبيت سيطرة استراتيجية مستدامة.
كما يركّز المقال على التناقض بين الخطاب الإسرائيلي والواقع الميداني، خصوصاً في الانتقال من الحديث عن استهداف فتحات أنفاق أو منشآت محددة إلى تصوير العملية على أنها سيطرة على موقع استراتيجي كبير. ويرى الكاتب أن هذا الانتقال في المصطلحات يخدم تضخيم صورة الإنجاز العسكري، بما يرفع منسوب التأثير النفسي والإعلامي للعملية.
وفي الجانب السياسي، يربط حردان توقيت الإعلان الإسرائيلي بالحسابات الداخلية في إسرائيل، معتبراً أن تقديم عمليات عسكرية محدودة باعتبارها إنجازات كبرى يمكن أن يشكل وسيلة لتعزيز صورة الحكومة والقيادة العسكرية أمام الجمهور، خصوصاً في ظل ملفات ضاغطة، وفي مقدمتها ملف الأسرى والحرب وتداعياتها السياسية.
أما النقطة الأبرز في المقال فتتعلق بـ صمت المقاومة. فالكاتب لا يقرأ هذا الصمت بوصفه غياباً عن المشهد، بل باعتباره سياسة مقصودة تقوم على عدم الدخول في سجال إعلامي مع الرواية الإسرائيلية. ومن وجهة نظر المقال، فإن عدم الرد المباشر يحرم الاحتلال من مادة يمكن استخدامها لتثبيت روايته أو تحويل الإعلان العسكري إلى مواجهة إعلامية متبادلة.
ويخصص حردان مساحة أيضاً لموقف الجيش اللبناني، رابطاً عدم تسلّمه النقطة بحسابات عسكرية عملية، وبطبيعة موقع علي الطاهر وظروف استهدافه المتكرر. وبالتالي، فإن المسألة لا تُقرأ فقط من زاوية من يسيطر على التلة، وإنما من زاوية مدى إمكانية تثبيت أي وجود عسكري فيها وتأمينه والدفاع عنه فعلياً.
وفي الخلاصة، يقدم المقال ثلاث أفكار مركزية: الأولى أن الإعلان الإسرائيلي عن «السيطرة» يحتاج إلى قراءة تتجاوز العنوان الدعائي إلى حقيقة الانتشار والاستقرار الميداني؛ والثانية أن صمت المقاومة يمكن فهمه كجزء من إدارة المعركة الإعلامية وعدم منح الخصم فرصة لتثبيت روايته؛ والثالثة أن موقع علي الطاهر يظل مرتبطاً بتعقيدات جغرافية وعسكرية وسياسية أوسع، ولا يمكن اختزاله بمجرد إعلان عسكري إسرائيلي.
بمعنى آخر، يحاول المقال نقل النقاش من سؤال: «هل سيطر الجيش الإسرائيلي على علي الطاهر؟» إلى سؤال أكثر دقة: «هل ما جرى يمثل سيطرة عسكرية ثابتة، أم عملية محدودة جرى تضخيمها وتحويلها إلى إنجاز سياسي وإعلامي؟» وهذه هي الفكرة المحورية التي يبني عليها حردان قراءته للمشهد.
الكاتب والمحلل السياسي حسن حردان
أثار إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي عن تحقيق ما أسماه “سيطرة عملياتية” في مرتفعات علي الطاهر جنوب لبنان تساؤلات واسعة حول دقة الرواية الرسمية “الإسرائيلية”، فرغم الضجيج الإعلامي الذي رافق هذا الإعلان، تكشف قراءة تفاصيل الخطاب الميداني والتوقيت السياسي عن تناقضات جوهرية وفجوات واضحة بين “البروباغندا الإسرائيلية” والواقع على الأرض.
أولاً: التناقضات والثغرات
في الخطاب “الإسرائيلي”
يكشف التدقيق في المصطلحات العسكرية التي استخدمها الاحتلال عن مفارقات واضحة؛ فمفهوم “السيطرة العملياتية” لا يعني بأيّ حال من الأحوال سيطرة ميدانية شاملة أو تمركزاً دائماً. ومما ينسف ادّعاء السيطرة اعتراف جيش العدو نفسه بأنّ أعمال التحييد وتدمير البنى التحتية تحت الأرض ما زالت مستمرة، تليها خطة لـ “إعادة الانتشار دفاعياً”. هذا يعني بوضوح أنّ ما جرى هو عمليات توغل وتفجير هندسي خاطفة وليست سيطرة استراتيجية مستدامة، فضلاً عن الخلط المقصود بين “استهداف فتحات الأنفاق” والادّعاء بالسيطرة على “منشأة كبرى واستراتيجية”.
كما يبرز التناقض في الجزم “الإسرائيلي” بعدم وجود عناصر أجنبية أو إيرانية داخل المواقع المستهدفة، وهو استنتاج دعائي يعجز الجيش “الإسرائيلي” عن إثباته بمعطيات فعلية، ويهدف فقط لنسج هالة من التهويل حول حجم الإنجاز الوهمي.
ثانياً: التوقيت السياسي
والتوظيف الانتخابي
يتطابق توقيت إطلاق هذه المزاعم العسكرية مع منعطفات سياسية حساسة داخل الكيان “الإسرائيلي”، لا سيما تزامنه مع ملفات داخلية وإقليمية كملف الأسرى والتحضيرات للانتخابات. يسعى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى تسويق “انتصارات تكتيكية نارية” للرأي العام الداخلي، لتعويض الإخفاقات الاستراتيجية في تحقيق أهداف الحرب، مستغلاً اتفاق الإطار الأخير لتبرير استمرار الاعتداءات ونسف المنازل تحت ذرائع أمنية واهية.
ثالثاً: موقف المقاومة
والجيش اللبناني
في المقابل، حافظت المقاومة على اعتماد استراتيجية “الغموض البناء”، متجنّبة إعطاء العدو مادة تفاعلية لتكريس سرديّته، ومؤكدة أنّ تلة علي الطاهر تقع جغرافياً خارج منطقة جنوب الليطاني وترتيبات القرار 1701، وتخضع بالأساس لمسار الحوار الداخلي واستراتيجية الأمن الوطني اللبناني. من جهته، رفض الجيش اللبناني تسلّم النقطة انطلاقاً من قراءة عسكرية واقعية تدرك أنّ التلة تخضع لاستهداف متواصل منذ سنوات، وأنّ أيّ تمركز فيها دون ضمانات حقيقية يفتقر إلى مقومات الدفاع الفعالة.
رابعاً: خلاصات المشهد
*الخلاصة الأولى، فبركة الإنجاز: الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة على تلال علي الطاهر يمثل عملاً دعائياً موظفاً سياسياً وانتخابياً، يفتقر إلى السيطرة الميدانية الحقيقية والدائمة.
*الخلاصة الثانية، إدارة الصمت: صمت المقاومة وعدم انخراطها في السجال الإعلامي يعكس ثقة عالية وإدارة واعية للمعركة، تاركة الرواية الإسرائيلية تتخبط في تناقضاتها الذاتية.
*الخلاصة الثالثة، الواقع الجغرافي: بقاء النقطة خارج نطاق القرار 1701 يعزلها عن الترتيبات الحدودية المباشرة، ويجعلها جزءاً من التعقيدات الاستراتيجية الأوسع للصراع.