باسم الموسوي: من استنزاف إيران إلى استنزاف الهيمنة الأميركية

كتب باسم الموسوي

بدأت الحرب على إيران باعتبارها اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على استخدام تفوقها العسكري والاقتصادي لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط. لكن بعد ستة أشهر، يبرز سؤال مختلف: ماذا لو كانت الحرب، بدلاً من أن تعيد تثبيت الهيمنة الأميركية، تسرّع التحولات التي تجعل هذه الهيمنة أصعب وأعلى كلفة؟

المسألة لا تتعلق بانقلاب سريع في موازين القوى. الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأهم في العالم، والدولار يحتل موقعاً مركزياً في النظام المالي الدولي، والقواعد الأميركية تنتشر في مناطق استراتيجية، والتحالفات التي بنتها واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية لم تختف. الصين أيضاً ليست في طريقها ببساطة إلى وراثة إمبراطورية أميركية كاملة.

المشكلة أكثر تركيباً: قد تبقى الولايات المتحدة القوة الأكبر، فيما تتراجع قدرتها على تحويل هذه القوة إلى طاعة سياسية وإلى نظام دولي يعمل وفق تفضيلاتها.

والحرب على إيران تقدم مختبراً استثنائياً لهذا التحول.

كان الافتراض الأميركي التقليدي أن التفوق يسمح بتصعيد الضغط إلى أن تصبح كلفة المقاومة على الخصم أعلى من كلفة الامتثال. العقوبات تعزل الاقتصاد، والقوة العسكرية تدمر القدرات، والضغط الدبلوماسي يقلص الخيارات، ثم يصل الطرف المقابل إلى لحظة يقرر فيها أن التراجع أقل كلفة من الاستمرار.

لكن هذه المعادلة تفترض ضمناً أن كلفة الضغط تبقى محصورة إلى حد كبير في الدولة المستهدفة. إيران تكشف حدود هذا الافتراض، لأنها تمتلك قدرة جغرافية وسياسية على إعادة توزيع جزء من الكلفة.

وهنا يأتي مضيق هرمز.

المضيق ليس مجرد ممر بحري تمر عبره الطاقة، بل نقطة تستطيع عندها دولة أضعف عسكرياً أن تجعل التفوق الأميركي أقل حسماً. إيران لا تحتاج إلى السيطرة على المحيطات، ولا إلى امتلاك أسطول يوازي الأسطول الأميركي. يكفيها أن تستطيع جعل واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي أكثر خطراً وأعلى كلفة وأقل قابلية للتنبؤ.

بهذا المعنى، تتحول الجغرافيا إلى وسيلة لمعادلة جزء من اختلال القوة.

كلما حاولت واشنطن عزل إيران اقتصادياً، تستطيع طهران التلويح بنقل جزء من الكلفة إلى أسواق الطاقة والملاحة والتأمين وسلاسل الإمداد. ولا يعني ذلك أن إيران لا تتضرر؛ هي تدفع ثمناً بالغاً. لكن الهدف في حرب الاستنزاف ليس منع الألم، بل منع الخصم من احتكار القدرة على إنتاجه.

وهذه النقطة هي التي تجعل الحرب أكبر من مواجهة أميركية ـ إيرانية.

الخليج واكتشاف مشكلة الحماية

منذ عقود، قامت معادلة أمن الخليج على افتراض بسيط نسبياً: الولايات المتحدة هي القوة الخارجية التي تضمن حرية الملاحة وتوازن إيران وتحمي النظام الإقليمي.

لكن ماذا يحدث عندما تصبح القوة التي توفر الحماية طرفاً في حرب تجعل المنطقة نفسها أكثر تعرضاً للخطر؟

هنا يظهر تناقض جديد.

السعودية والإمارات وقطر وعُمان لا تريد أن تصبح إيران القوة المهيمنة في الخليج. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع حرب طويلة حول هرمز باعتبارها مسألة أميركية ـ إيرانية بعيدة. منشآتها النفطية وموانئها ومدنها واستثماراتها وممراتها البحرية تقع في قلب الميدان.

وهكذا يتغير السؤال الخليجي تدريجياً. لم يعد فقط: كيف تحمينا الولايات المتحدة من إيران؟ بل أصبح أيضاً: كيف نقلل تعرضنا للمخاطر الناتجة من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران؟

الفرق بين السؤالين كبير.

الأول ينتج اعتماداً على واشنطن. الثاني ينتج تنويعاً استراتيجياً.

ومن هنا يمكن فهم السعي إلى خطوط طاقة تتجاوز هرمز، وتطوير الصناعات العسكرية المحلية، وتوسيع العلاقات مع الصين وآسيا، والمحافظة على قنوات مع إيران، وبناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

وفي هذا السياق تحديداً يصبح اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان مهماً.

لا ينبغي المبالغة في اعتباره بديلاً جاهزاً من الولايات المتحدة. التفاوت بين الدول الثلاث كبير، ومصالحها ليست متطابقة، وباكستان تحمل معها صراعها التاريخي مع الهند، وتركيا لديها أجندة مستقلة، والسعودية لا تريد استبدال اعتماد مطلق على واشنطن باعتماد على أنقرة أو إسلام آباد.

لكن أهمية الاتفاق تكمن في الاتجاه الذي يشير إليه: قوى إقليمية بدأت تفكر في نفسها بوصفها منتجة للأمن، لا مجرد مستهلكة لضمانات قوة عظمى.

وهذا تحول سياسي بالغ الأهمية.

عندما تصبح أميركا «متغيراً»

لخص جون ألترمان جانباً من المشكلة بصورة شديدة الدلالة عندما تحدث عن الولايات المتحدة التي اعتادت دول كثيرة التعامل معها باعتبارها «ثابتاً» في استراتيجياتها، لكنها أصبحت بصورة متزايدة «متغيراً».

الثابت هو الذي تبني حساباتك حوله. أما المتغير فعليك أن تبني احتياطاتك ضده أيضاً.

هذه ربما إحدى أكبر الكلف غير المرئية للحرب على إيران.

فالهيمنة ليست عدداً من حاملات الطائرات والقواعد والصواريخ فحسب. إنها أيضاً قابلية للتوقع. الحليف يقبل الاعتماد على القوة المهيمنة لأنه يفترض أن سياساتها توفر إطاراً مستقراً يستطيع التخطيط داخله.

عندما يصبح قرار القوة المهيمنة نفسه مصدراً للمخاطر، يبدأ الحليف بالتحوط.

لا يعني التحوط الانتقال إلى المعسكر الآخر. السعودية لا تحتاج إلى الانفصال عن الولايات المتحدة حتى تصبح أكثر استقلالاً عنها، والإمارات لا تحتاج إلى التحالف مع الصين حتى توسع علاقاتها ببكين، وتركيا لا تحتاج إلى مغادرة الأطلسي حتى تتصرف في بعض الملفات باعتبارها قوة مستقلة.

وهذه هي النقطة التي تجعل العالم متعدد الأقطاب مختلفاً عن الحرب الباردة.

قد لا يكون العالم المقبل مقسماً بين معسكر أميركي ومعسكر صيني. يمكن أن يكون عالماً تحتفظ فيه عشرات الدول بعلاقات متداخلة مع الطرفين، وتشتري السلاح من جهة، والتكنولوجيا من أخرى، وتبيع الطاقة إلى ثالثة، وتبني تحالفات مؤقتة بحسب القضية.

بالنسبة إلى القوة المهيمنة، هذا العالم أكثر صعوبة من عالم الاصطفافات.

الصين التي لا تحتاج إلى وراثة أميركا

هنا تدخل الصين بطريقة مختلفة عما توحي به الصورة التقليدية لصراع الإمبراطوريات.

ليس ضرورياً أن ترسل بكين حاملات طائرات إلى الخليج أو أن تنشئ عشرات القواعد العسكرية كي تستفيد من تراجع الاحتكار الأميركي للأمن.

الصين تستطيع تحقيق قسم كبير من فوائد القوة العظمى من دون تحمل جميع تكاليف الإمبراطورية الأميركية.

تشتري الطاقة، تمول البنية التحتية، تبيع التكنولوجيا، توسع التجارة، تستخدم احتياطياتها وقدرتها الاقتصادية لامتصاص الصدمات، وتحافظ في الوقت نفسه على مسافة من الالتزامات العسكرية المباشرة.

وهذا النموذج يختلف جذرياً عن النموذج الأميركي الذي ربط النفوذ بشبكة هائلة من القواعد والالتزامات الدفاعية والانتشار العسكري.

الحرب على إيران تكشف المفارقة: الولايات المتحدة تتحمل كلفة حماية النظام الأمني الخليجي وفي الوقت نفسه كلفة الحرب التي تهزه، بينما تستطيع الصين الاستفادة من رغبة دول المنطقة في تنويع علاقاتها من دون أن تتحمل حتى الآن المسؤوليات العسكرية نفسها.

قد تكون هذه إحدى أهم سمات النظام الدولي الناشئ: القوة التي تدفع كلفة الإمبراطورية ليست بالضرورة القوة التي تجني وحدها فوائد النظام.

الدولار كسلاح ومشكلة الإفراط في القوة

الأمر نفسه ينطبق على العقوبات.

امتلاك الولايات المتحدة مركز النظام المالي العالمي منحها سلاحاً لم تمتلكه إمبراطوريات سابقة بهذا الحجم. تستطيع واشنطن أن تجعل الوصول إلى الدولار والأسواق والمؤسسات المالية جزءاً من أدوات السياسة الخارجية.

لكن كل سلاح يحمل مشكلة عندما يُستخدم بكثافة: الخصوم يبدأون البحث عن وسائل لتقليل فاعليته.

لن يختفي الدولار قريباً لمجرد أن إيران أو روسيا أو الصين تريد ذلك. بنيته أعمق بكثير من أن تنهار بقرار سياسي. لكن المسألة ليست سقوط الدولار، بل نمو بنى موازية تسمح بإجراء جزء متزايد من التعاملات خارج المجال الذي تستطيع واشنطن التحكم به.

كل شركة واجهة، وتسوية بالعملة المحلية، ونظام مدفوعات بديل، وشبكة تجارية لا تعتمد بالكامل على المؤسسات الغربية، قد تكون صغيرة بمفردها. لكن تراكمها يعبر عن محاولة جماعية لتقليل قابلية الاقتصادات للعقاب الأميركي.

وهكذا تظهر مفارقة أخرى: العقوبات تثبت قوة النظام المالي الأميركي، لكنها تمنح الآخرين في الوقت نفسه حافزاً دائماً لبناء أدوات تقلل اعتمادهم عليه.

القوة، عندما تستخدم بلا حدود، تستطيع أن تنتج مقاومة لبنيتها نفسها.

إيران لا تحتاج إلى إسقاط الهيمنة الأميركية

من الخطأ هنا الانتقال إلى استنتاج معاكس مبالغ فيه والقول إن إيران تهزم الولايات المتحدة أو تنهي النظام الأميركي.

إيران لا تملك هذه القدرة.

لكنها لا تحتاج إليها.

يكفيها، في هذه المواجهة، أن تجعل تحويل القوة الأميركية إلى نتيجة سياسية أكثر كلفة، وأن تمنع واشنطن من الحصول بسهولة على النهاية التي تريدها.

وهذا هو جوهر الاستراتيجية غير المتكافئة.

الطرف الأضعف لا يوازن قوة خصمه دبابة بدبابة أو طائرة بطائرة. يبحث عن النقاط التي لا يستطيع فيها الخصم استخدام تفوقه بكفاءة كاملة: الجغرافيا، الزمن، السياسة الداخلية، الحلفاء، الأسواق، الرأي العام، وكلفة الالتزام.

في أفغانستان لم تكن طالبان أقوى من الولايات المتحدة. وفي فيتنام لم تكن هانوي تملك اقتصاداً أو قوة نارية توازي واشنطن. السؤال لم يكن من يمتلك القوة الأكبر، بل من يستطيع الاستمرار إلى أن يفقد الطرف الآخر الإرادة السياسية لتحويل قوته إلى مشروع دائم.

إيران تراهن على نسخة مختلفة من هذه المعادلة، في بيئة مختلفة تماماً.

الإمبراطورية ومشكلة الكلفة

من هنا نصل إلى السؤال الأكبر.

ما الذي يجعل الهيمنة تتراجع؟

نادراً ما يكون السبب أن قوة أخرى تهزم الدولة المهيمنة عسكرياً في لحظة واحدة. الإمبراطوريات والنظم المهيمنة تتآكل أيضاً عندما تصبح كلفة الحفاظ على النظام أعلى بصورة متزايدة من العائد الذي تحصل عليه القوة المهيمنة منه.

وهنا تصبح الحرب على إيران جزءاً من لوحة أكبر: أوكرانيا، أوروبا، شرق آسيا، البحر الأحمر، الخليج، أمن الطاقة، حماية طرق التجارة، الردع النووي، المنافسة التكنولوجية مع الصين.

كل ملف بمفرده يمكن للولايات المتحدة التعامل معه. المشكلة في التراكم.

القوة الأميركية هائلة، لكنها ليست بلا حدود. وكل دولار وكل سفينة وكل منظومة دفاع جوي وكل التزام سياسي يستخدم في منطقة هو مورد لا يستخدم في منطقة أخرى.

لهذا يصبح تعدد الأزمات جزءاً من ميزان القوى نفسه.

الصين لا تحتاج إلى مواجهة الولايات المتحدة في كل مكان. يكفيها أن تعمل داخل عالم تصبح فيه واشنطن مضطرة إلى توزيع مواردها بين عدد متزايد من الالتزامات.

باسم الموسوي: من استنزاف إيران إلى استنزاف الهيمنة الأميركية
وهنا قد تكون المفارقة التاريخية الكبرى للحرب على إيران: حرب أطلقت جزئياً لإظهار أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على فرض قواعد اللعبة في الشرق الأوسط يمكن أن تسرّع الاتجاه الذي يدفع دول المنطقة إلى بناء عالم تستطيع فيه العيش من دون الاعتماد الكامل على القوة الأميركية.

ما بعد «القرن الأميركي»

هذا لا يعني أن الشرق الأوسط سيصبح صينياً.

وقد يكون هذا تحديداً هو الخطأ في تصور المرحلة المقبلة. نفترض أن نهاية الهيمنة الأميركية لا بد أن تعني بداية هيمنة صينية مماثلة، كما لو أن التاريخ يحتاج دائماً إلى إمبراطور واحد يدير النظام.

الأرجح أننا أمام شيء أكثر فوضوية وتعقيداً: أميركا قوية ولكن أقل قدرة على الإملاء، الصين قوية ولكن أكثر حذراً من تحمل أعباء الإمبراطورية، روسيا قادرة على التعطيل والمنافسة، وقوى وسطى مثل السعودية وتركيا والهند والبرازيل تسعى إلى توسيع استقلالها بين هذه المراكز.

في هذا العالم، تصبح السيادة مساحة للمساومة لا مجرد شعار.

تستطيع الدولة أن تكون شريكاً عسكرياً لأميركا، وشريكاً تجارياً للصين، ومنسقاً في الطاقة مع روسيا، وعضواً في ترتيبات إقليمية مستقلة، من دون أن ترى تناقضاً ضرورياً بين هذه العلاقات.

وهذا بالضبط ما تخشاه أي قوة مهيمنة: ليس انتقال الجميع إلى معسكر الخصم، بل توقفهم عن الاعتقاد بأن عليهم اختيار معسكرها أصلاً.

من هنا تتجاوز كلفة حرب إيران أرقام الموازنة وأسعار الوقود. الكلفة الأعمق قد تكون سياسية: كل شهر إضافي من الحرب يدفع دولاً إلى التفكير في كيفية حماية نفسها من نتائجها، وكل محاولة أميركية لزيادة الضغط تدفع خصوماً وشركاء إلى البحث عن هوامش أوسع للاستقلال، وكل اضطراب في هرمز يطرح السؤال عن نظام أمني لا تكون واشنطن مركزه الوحيد.

لهذا يمكن أن تتحول حرب الاستنزاف في اتجاه لم يكن مقصوداً عند بدايتها.

بدأت باعتبارها محاولة لاستنزاف قدرة إيران على المقاومة. لكنها، كلما امتدت، تختبر شيئاً أكبر بكثير: قدرة الولايات المتحدة على دفع كلفة النظام الذي بنت هي نفسها قواعده.

ولعل السؤال الذي سيبقى بعد توقف الصواريخ لن يكون من ربح الجولة العسكرية، بل ماذا تغير في سلوك الدول التي شاهدتها.

فالقوة المهيمنة تبدأ بفقدان موقعها، ليس فقط عندما يصبح خصومها أقوى، وإنما عندما يبدأ حلفاؤها أيضاً في الاعتقاد بأن من الأكثر أماناً ألا يضعوا مستقبلهم كله بين يديها.

شاركها.