انهيار الهيمنة الأحادية: حدود القوة الأميركية في مواجهة إيران
صحيفة البناء: بقلم حسن حردان

تضع مقالة حسن حردان في جريدة «البناء» المواجهة الأميركية ـ الإيرانية في سياق أوسع من حدود الحرب المباشرة، باعتبارها اختباراً حقيقياً لموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي الجديد. فالمسألة، وفق القراءة التي يقدمها الكاتب، لا تتعلق فقط بقدرة واشنطن على استخدام تفوقها العسكري، بل بمدى قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى نتائج سياسية واستراتيجية في مواجهة خصم يمتلك أدوات غير تقليدية للردع والمواجهة.

ومن مضيق هرمز إلى التحالفات الخليجية، وصولاً إلى خيارات التصعيد والتفاوض، يرسم حردان صورة لمأزق أميركي تتراجع فيه القدرة على فرض الإرادة المنفردة، بالتوازي مع صعود توازنات إقليمية ودولية أكثر تعقيداً. فهل نحن أمام أزمة مؤقتة في الاستراتيجية الأميركية، أم أمام مؤشرات فعلية على انتقال النظام الدولي من الهيمنة الأحادية إلى تعددية الأقطاب؟

القراءة

ينطلق حردان من فرضية أساسية مفادها أنّ التفوق العسكري الأميركي لم يعد كافياً وحده لإنتاج الحسم السياسي. فالولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية هائلة، لكن تجربة المواجهة مع إيران، بحسب المقال، أظهرت أن استخدام القوة لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الخصم أو إجباره على تقديم التنازلات المطلوبة.

وهنا يبرز مفهوم الردع المتبادل. فإيران لا تحتاج إلى امتلاك القوة العسكرية الأميركية نفسها حتى تتمكن من تعطيل جزء من حساباتها؛ إذ تستطيع استخدام الصواريخ، والقدرات البحرية، والجغرافيا، وأدوات الحرب غير المتكافئة لرفع كلفة أي تصعيد أميركي. وبالتالي، تصبح المعادلة مختلفة: واشنطن تستطيع توجيه ضربات، لكنها لا تضمن أن تؤدي هذه الضربات إلى إنهاء قدرة طهران على المواجهة.

هرمز… الاختبار الأصعب

يمنح المقال مضيق هرمز أهمية مركزية لأنه يمثل أكثر من ممر بحري؛ إنه نقطة تتقاطع عندها الأمن والطاقة والاقتصاد العالمي. وأي تهديد مستمر لحركة الملاحة في المضيق يرفع مستوى المخاطر الاقتصادية على نطاق دولي، ويجعل المواجهة مع إيران قضية تتجاوز حدود المنطقة.

ومن هنا، يرى حردان أن أهمية هرمز تكمن في كشف حدود القوة البحرية الأميركية. فوجود الأساطيل والقواعد لا يعني بالضرورة القدرة على ضمان أمن الملاحة بصورة مطلقة، خصوصاً عندما يمتلك الطرف المقابل وسائل قادرة على تهديد الممرات البحرية ورفع كلفة حمايتها.

وبذلك تتحول الجغرافيا الإيرانية وموقع المضيق إلى عنصر من عناصر القوة الاستراتيجية، بحيث تصبح حرية الملاحة نفسها جزءاً من معادلة التفاوض والردع.

التحالفات الخليجية أمام اختبار جديد

الجانب الآخر الذي يركز عليه المقال هو انعكاس المواجهة على حلفاء واشنطن في المنطقة. فالدول الخليجية، وفق هذه القراءة، باتت أكثر إدراكاً بأن الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية لا يوفر بالضرورة حماية مطلقة من تداعيات أي حرب إقليمية.

وهذا لا يعني بالضرورة انهيار التحالفات الأميركية، وإنما يشير إلى تراجع الثقة بقدرتها على تأمين الاستقرار وحدها. ومن هنا يأتي اتجاه بعض الدول إلى تنويع علاقاتها الدولية، والبحث عن قنوات تفاوض وتهدئة مستقلة، والانفتاح على قوى مثل الصين وروسيا.

وبمعنى آخر، فإن واشنطن تواجه مشكلة تتجاوز الميدان العسكري: كلما ازدادت الدول الإقليمية استقلالاً في حساباتها، تقلصت قدرة الولايات المتحدة على إدارة المنطقة من مركز واحد.

المأزق الأميركي

يضع حردان الإدارة الأميركية أمام معادلة صعبة: التصعيد أو التراجع.

التصعيد الشامل قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة يصعب التحكم بمساراتها وتداعياتها على الطاقة والاقتصاد والأمن، بينما التراجع قد يُقرأ باعتباره اعترافاً بفشل سياسة الضغط والقوة في تحقيق أهدافها.

لذلك، تبدو واشنطن ـ بحسب المقال ـ أمام محاولة ثالثة تتمثل في إدارة الاستنزاف وفتح المسارات التفاوضية من موقع الضغط، من دون القدرة على فرض شروطها بالكامل.

وهنا تظهر أهمية العامل الدولي؛ إذ لم تعد إيران تواجه الولايات المتحدة في فراغ جيوسياسي، بل في بيئة تتداخل فيها مصالح قوى كبرى منافسة لواشنطن، وفي مقدمتها الصين وروسيا.

من الأحادية إلى تعددية الأقطاب

الخلاصة الأبرز في مقالة حردان هي أن المواجهة الأميركية ـ الإيرانية تُستخدم كمؤشر على تحول أوسع في بنية النظام الدولي.

فالكاتب لا يرى المسألة باعتبارها مجرد فشل تكتيكي في حملة عسكرية أو أزمة عابرة في السياسة الأميركية، بل يربطها بتحول في قواعد القوة نفسها. القوة لم تعد محصورة في حجم الترسانة العسكرية، وإنما باتت تشمل القدرة على تحمّل الاستنزاف، وتعطيل الممرات الحيوية، واستخدام الجغرافيا، وبناء التحالفات، واستثمار التناقضات الدولية.

وبالتالي، فإن العالم الذي تصفه المقالة هو عالم لا تستطيع فيه قوة واحدة أن تفرض قواعد اللعبة منفردة، فيما تتقدم توازنات الردع المتبادل والدبلوماسية متعددة الأطراف على منطق الإملاء الأحادي.

الخلاصة

تقدم المقالة قراءة تقول إن السؤال لم يعد: هل تستطيع الولايات المتحدة استخدام قوتها؟ بل: هل تستطيع تحويل هذه القوة إلى حسم سياسي مستدام؟

وهنا تكمن حدود الهيمنة الأميركية التي يتحدث عنها حردان. فالقوة ما زالت موجودة، لكن القدرة على استخدامها من دون كلفة استراتيجية متصاعدة تبدو أكثر تقييداً. وفي المقابل، تستفيد إيران من أدوات قوة غير متماثلة تجعل إخضاعها أكثر تعقيداً، بينما تستغل القوى الدولية المنافسة هذه التحولات لتوسيع حضورها.

وعليه، فإن معركة إيران والولايات المتحدة، وفق منطق المقال، ليست مجرد مواجهة بين دولتين، بل اختبار لمرحلة انتقالية في النظام العالمي: من زمن القوة الأحادية إلى زمن التوازنات المتعددة والردع المتبادل.

المحلل السياسي حسن حردان
المشهد الجيوسياسي

تتجلى في المشهد الجيوسياسي المعاصر تحوّلات عميقة تعيد تشكيل طبيعة النظام الدولي، وتبرز بوضوح في تراجع الهيمنة الأحادية الأميركية. وفي هذا السياق، تسلّط الأدبيات السياسية المعاصرة، لا سيما التحليلات الواردة في دوريات مثل “فورين أفيرز”، الضوء على عجز استراتيجيات الإكراه العسكري والضغوط الاقتصادية القصوى عن إخضاع إيران أو تأمين الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز. تعكس هذه الإخفاقات تحوّلاً بنيويّاً في موازين القوى، حيث تبرز القدرات غير المتماثلة كأداة فعّالة لتحييد التفوق التقليدي العسكري لواشنطن.

أولاً: حدود القوة التقليدية
وأزمة الردع…
فشلت استراتيجيات واشنطن القائمة على “الردع بالصدمة والترهيب” والحملات العسكرية واسعة النطاق في تدمير البنى التحتية الصاروخية والنووية لإيران، أو إجبار قيادتها على تقديم تنازلات جوهرية. وتكشف المعطيات الميدانية عن استنزاف متبادل، حيث عجزت القوة العسكرية المطلقة عن تحقيق حسم سياسي، مما أدى إلى تآكل مفهوم الردع التقليدي الذي طالما اعتمدت عليه الولايات المتحدة في فرض رؤيتها الأحادية على مسرح الشرق الأوسط. هذا العجز يعكس تراجع فعالية القوة العسكرية المجرّدة في بيئة دولية تعددية الأقطاب.

ثانياً: مضيق هرمز: نقطة اختناق
النظام المالي والطاقة العالمي
شكل مضيق هرمز اختباراً حقيقياً لهيمنة البحرية الأميركية. فعلى الرغم من تمركز الأساطيل والقواعد العسكرية الكبرى، أثبتت الاستراتيجيات الإيرانية القائمة على تعطيل حركة الملاحة وتهديد ناقلات النفط عجز واشنطن عن تأمين الممرات التجارية بشكل مطلق. أدى هذا الواقع إلى تحويل المضيق إلى نقطة اختناق عالمية تعاني من صدمات اقتصادية متكرّرة، وأثبت قدرة طهران على استخدام الألغام البحرية والصواريخ المتقدّمة لفرض معادلات ردع بحرية جديدة تربط استقرار الاقتصاد العالمي بمدى نجاح التسويات السياسية معها.

ثالثا: تصدّع التحالفات الإقليمية
والانكشاف الاستراتيجي
أدى تصاعد المواجهة وانعكاساتها المباشرة على أمن البنى التحتية والطاقة إلى إصابة منظومة التحالفات التقليدية للولايات المتحدة في الخليج بحالة من عدم اليقين. وأدركت العواصم الإقليمية أنّ الوجود العسكري الأميركي لم يعد مظلة حماية مطلقة، بل بات عاملاً يجرّ المنطقة إلى أزمات مكلفة. ونتيجة لذلك، اتجهت دول عديدة نحو تبنّي سياسات تهدئة مستقلة وتنويع الشراكات الدولية والإقليمية بعيداً عن الاحتكار الأميركي، مما قلص من نفوذ واشنطن الدبلوماسي والسياسي.

رابعا: مأزق
الخيارات الاستراتيجية الكبرى
تجد الإدارة الأميركية نفسها محاصرة بين خيارات محدودة ومريرة؛ فالتصعيد الشامل يهدّد بإشعال حرب إقليمية مكلفة تضرّ بالاقتصاد العالمي، بينما التراجع يُفسّر إقليمياً ودولياً كإقرار بهزيمة مدوية وتكريس لانهيار الهيمنة الأحادية. وقد دفع هذا المأزق واشنطن نحو محاولات إدارة صراع الاستنزاف عبر مسارات تفاوضية قسرية، تعجز فيها عن فرض شروط أحادية الجانب، وتضطر للتعامل مع واقع تتشابك فيه مصالح قوى دولية منافسة مثل الصين وروسيا في المنطقة.

خامساً: توازنات دقيقة
تقوم على الردع المتبادل
تؤكد هذه المؤشرات الآنفة الذكر أنّ التراجع الأميركي في مواجهة إيران وفتح مضيق هرمز ليس مجرد حدث عابر، بل هو انعكاس لحالة الانتقال نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب. وتتحرك المنطقة نحو واقع إقليمي أكثر تعقيداً تتبدّد فيه السيطرة المطلقة لصالح توازنات دقيقة تقوم على الردع المتبادل، والحروب بالوكالة، والاعتماد المتزايد على مسارات الدبلوماسية المتعددة الأطراف للحدّ من مخاطر الانهيار الشامل…

شاركها.