الزيدي يطلب مساعدة ايران لحصر السلاح.. الحرس: كلا!
شَكّلت زيارة الزيدي إلى طهران محطة سياسية بارزة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما مع تزايد الحديث عن ملف السلاح والفصائل المسلحة في العراق. وبينما ركزت البيانات الرسمية على التعاون الاقتصادي والطاقة والشراكة الثنائية، برزت في الإعلام تحليلات تحدثت عن نقاشات غير معلنة تتعلق بملفات أمنية حساسة، تقف خلفها تحركات وضغوط أمريكية غير مباشرة تحاول إعادة رسم المعادلة الإقليمية. وفي هذا التقرير نقدم قراءة استراتيجية تستند إلى التصريحات والرؤية الرسمية الإيرانية لفهم أسباب تمسك طهران بمواقفها الثابتة، ولماذا ترفض التدخل المباشر في القرارات العراقية المتعلقة بالفصائل المسلحة.
خلفيات الزيارة: أبعاد التنسيق بين الضغوط والأولويات
خلفيات الزيارة: أبعاد التنسيق بين الضغوط والأولويات
وصل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى العاصمة الإيرانية طهران على رأس وفد حكومي رفيع، حيث التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وعدداً من كبار المسؤولين. ووفق البيان الرسمي الصادر عن الرئاسة الإيرانية، تناولت المباحثات ملفات التعاون الاقتصادي والطاقة والتجارة والنقل والزراعة، إضافة إلى تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة التطورات الإقليمية. وأكد الجانبان أهمية تنفيذ الاتفاقيات السابقة وتوسيع مجالات التعاون بما يخدم مصالح البلدين واستقرار المنطقة، فيما شدد الزيدي على أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه لتهديد إيران، مؤكداً أن “أمن البلدين مترابط”، وهو ما تجسّد كركيزة أساسية أثناء زيارة الزيدي إلى طهران.
ما الذي تسعى واشنطن لتحقيقه عبر ورقة المطالبات؟
ما الذي تسعى واشنطن لتحقيقه عبر ورقة المطالبات؟
تتقاطع التحليلات السياسية عند الإشارة إلى أن بعض الطروحات والمطالب التي حُملت إلى طهران لم تكن وليدة بيئة محلية فحسب، بل تعكس رغبة وإرادة أمريكية واضحة تهدف إلى إضعاف محور المقاومة و تفكيك عناصر القوة التي تشكل حائط صد أمام المشاريع الغربية في المنطقة. وتدرك طهران أن واشنطن تسعى من خلال الدفع بملف الفصائل المسلحة إلى تجريد العراق من مكامن قوته الذاتية التي حمت الدولة ومؤسساتها خلال الأزمات، و تحويل بغداد إلى نقطة ضغط على أمن إيران القومي بدلاً من أن تكون شريكاً في استقرار المنطقة.
التعليل الاستراتيجي: لماذا تتمسك طهران بثوابتها؟
التعليل الاستراتيجي: لماذا تتمسك طهران بثوابتها؟
بعيداً عن التسريبات السياسية، فإن الموقف الإيراني المعلن يرتكز على رؤية استراتيجية عميقة كررتها القيادة الإيرانية في مناسبات عديدة، ومفادها أن طهران لا تتدخل في القرارات السيادية للدول الحليفة، وأن القضايا الداخلية تُحسم حصراً داخل مؤسسات تلك الدول. ومن زاوية التعليل الاستراتيجي الإيراني، فإن طهران تنظر إلى العراق بوصفه دولة ذات سيادة كاملة، وترى أن أي معالجة للملفات الأمنية يجب أن تنطلق من التفاهمات الداخلية العراقية، بعيداً عن الإملاءات والضغوط الأمريكية التي تحاول فرض إيقاع سياسي يخدم أجندات واشنطن وحلفائها. ولهذا تبدو القيادة الإيرانية حريصة على عدم الظهور بمظهر الطرف الذي يقرر نيابة عن بغداد، تأكيداً منها على أن استقرار العراق مسؤولية عراقية، وأن المقاربة الإيرانية تقوم على دعم ما تتوافق عليه القوى الوطنية والمؤسسات الرسمية بين البلدين.
ويمكن تفسير هذا التمسك الإيراني لعدة اعتبارات استراتيجية تزامنت مع زيارة الزيدي إلى طهران:
أولاً: تحرص إيران على ترسيخ نموذج مسؤول احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، قطعاً للـ الطريق أمام المحاولات الغربية للتشكيك في طبيعة تحالفاتها الإقليمية.
ثانياً:تفوّت طهران الفرصة على الإدارة الأمريكية التي تحاول انتزاع اعتراف رسمي بقدرة إيران على فرض قرارات على الفصائل، لاستخدام ذلك كذريعة لتكثيف الضغوط والاتهامات الموجهة لجمهورية إيران الإسلامية.
ثالثاً: تؤمن القيادة الإيرانية بأن التوازنات داخل العراق هي شأن وطني يُعالج عبر الأطر الدستورية، وليس نتاج نفوذ خارجي أو إملاءات تفرضها واشنطن.
الأمن القومي ومفهوم السيادة المتبادلة
الأمن القومي ومفهوم السيادة المتبادلة
تؤكد التصريحات الإيرانية الرسمية أن أمن العراق يمثل امتداداً حيوياً لأمن المنطقة برمتها، وأن استقرار بغداد هو ضمانة حقيقية للأمن القومي الإيراني. وفي هذا السياق، تفسر طهران استمرارها في دعم التعاون الأمني مع الحكومة العراقية باعتباره امتداداً طبيعياً للتنسيق الميداني التاريخي الذي أثبت نجاحه في إسقاط مشاريع التمدد التكفيري والرعاية الأجنبية لها خلال الحرب ضد تنظيم داعش، وليس سعياً لإدارة المشهد الأمني العراقي. كما تؤكد إيران في بيانات وزارة الخارجية والحكومة أن هدفها المعلن والمبدئي هو منع أي تصعيد قد يؤدي إلى زعزعة استقرار العراق أو فتح جبهة جديدة تخدم المصالح الأمريكية.
الملف النووي والنفوذ الإقليمي: إدارة الصراع ورسم خطوط الردع
الملف النووي والنفوذ الإقليمي: إدارة الصراع ورسم خطوط الردع
تزامنت زيارة الزيدي إلى طهران مع استمرار الضغوط والتوترات المتعلقة بالملف النووي الإيراني، وهو ما يفسر استراتيجياً ثبات الموقف الإيراني ورفضه للتنازل في ملفات النفوذ الإقليمي. وتؤكد إيران رسمياً أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية وركيزة سيادية لا خضوع فيها للشروط الأمريكية، كما تعتبر أن قوة حلفائها ونفوذها الإقليمي يمثلان عمود الفقرة في منظومة الردع القومي ضد أي مغامرات عسكرية خارجية. ولهذا ترى القيادة الإيرانية أن تقديم أي تنازلات تحت الضغط الأمريكي في ملف حيوى سيفسَّر على أنه تراجع في معادلة الردع، وهو ما ترفضه طهران مطلقاً في إدارتها للصراع المباشر وغير المباشر مع واشنطن.
التعاون الاقتصادي: الركيزة الصلبة في مواجهة الحصار
التعاون الاقتصادي: الركيزة الصلبة في مواجهة الحصار
رغم المحاولات الأمريكية لفرض العزلة، بقيت الملفات الاقتصادية الشريان الحيوي في صدارة الزيارة، ولا سيما التعاون في قطاع الطاقة، حيث يشكل الغاز الإيراني شرياناً أساسياً لتشغيل محطات الكهرباء العراقية، إضافة إلى مشروعات التجارة والنقل والترانزيت والاستثمارات المشتركة التي تكسر حواجز العقوبات الظالمة. وتؤكد الحكومتان باستمرار أهمية استمرار هذا التعاون لما له من تأثير مباشر على رفاهية الشعبين العراقي والإيراني واستقلال قتراحهما الاقتصادي.
تكشف زيارة الزيدي إلى طهران أن العلاقات العراقية الإيرانية تستند إلى تحالف استراتيجي صلب يوازن بين المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي العالي، بينما تعي طهران تماماً حجم الضغوط والمطالب الأمريكية المستمرة لإرباك هذا التحالف. ومن خلال مراجعة المواقف الرسمية الإيرانية، يتضح أن طهران تدير الملف بذكاء استراتيجي عبر التأكيد على عدم التدخل في القرارات السيادية العراقية، مع تمسكها المطلق بعناصر قوتها ونفوذها الإقليمي وبرنامجها السلمي، كجزء لا يتجزأ من معادلة الردع الشاملة في مواجهة الضغوط الدولية والإملاءات الأمريكية بالمنطقة.