الدولار بين السيادة والهيمنة: الحاجة إلى نظام نقدي لا تملكه دولة واحدة

كتب باسم الموسوي

ليست أزمة الدولار، في جوهرها، أزمة عملة تتراجع لتحل محلها عملة أخرى. وليست المسألة سباقاً بسيطاً بين الدولار واليوان، ولا انتظار اللحظة التي تستيقظ فيها الأسواق لتكتشف أن القرن الأميركي انتهى وأن القرن الصيني بدأ. المشكلة أعمق من ذلك بكثير. إنها كامنة في بنية النظام النقدي العالمي نفسه: العالم يحتاج إلى عملة دولية لكي تعمل التجارة والديون والاحتياطيات والتحويلات، لكن تحويل عملة وطنية إلى عملة عالمية يمنح الدولة التي تصدرها امتيازاً لا يمكن فصله عن القوة السياسية. وهنا يبدأ التناقض.

منذ أن أصبح الدولار محور النظام النقدي العالمي، تحولت الولايات المتحدة إلى دولة مختلفة عن سائر الدول. تستطيع أن تقترض بعملتها، وأن تموّل عجزها بعملة يحتاجها الآخرون، وأن تصدر الدين الذي تحتفظ به البنوك المركزية بوصفه احتياطياً، وأن تستخدم النظام المالي نفسه أداةً للعقوبات والحصار. لا يتعلق الأمر فقط بقوة الاقتصاد الأميركي، بل بموقع الدولار داخل البنية التحتية للاقتصاد العالمي. فالتجارة الدولية، وأسواق الائتمان، واحتياطيات البنوك المركزية، وتسعير النفط والسلع، كلها نسجت خلال عقود شبكة تجعل الدولار أكثر من مجرد عملة أميركية. إنه، إلى حد بعيد، لغة مالية عالمية.

لكن هذا الامتياز يحمل داخله تناقضاً متزايداً. فكلما استخدمت واشنطن الدولار أداةً للقوة السياسية، ازدادت دوافع الدول الأخرى للبحث عن بدائل. وكلما بحثت هذه الدول عن بدائل، اضطرت الولايات المتحدة إلى استخدام أدوات نفوذها المالي بصورة أكثر كثافة للحفاظ على مركز الدولار. وهكذا تدخل الهيمنة في دائرة غريبة: استعمال القوة من أجل تثبيت القوة قد يؤدي، مع الزمن، إلى إضعاف الأساس الذي تقوم عليه.

حادثة تدخل الخزانة الأميركية لدعم الين الياباني في تموز 2026 تكشف هذه المفارقة بوضوح. ظاهرياً بدت واشنطن كأنها تسارع لإنقاذ حليف يواجه هبوط عملته. لكن المشكلة الحقيقية كانت أميركية. اليابان هي أحد أكبر حاملي سندات الخزانة الأميركية، وكان الدفاع عن الين قد يدفع طوكيو إلى بيع جزء من هذه السندات للحصول على السيولة. بيع واسع كهذا قد يرفع معدلات الفائدة الأميركية ويزيد تكلفة خدمة الدين الأميركي، التي أصبحت مرتفعة أصلاً. لذلك تدخلت الولايات المتحدة لا لحماية اليابان بقدر ما تدخلت لحماية قدرتها هي على الاقتراض. Le-Monde-diplomatique-2026-09.pdf

هذه الواقعة مهمة لأنها تكشف تحولاً في العلاقة بين المركز والأطراف. لعقود طويلة كان العالم يراكم الدولار لأنه الأصل الأكثر أماناً وسيولة. أما اليوم فتظهر علامات على أن حماية هذه السيولة نفسها باتت تحتاج إلى تدخل سياسي متزايد. بل إن الاحتياطي الفيدرالي طلب من اليابان، عملياً، ألا تبيع سنداتها الأميركية وأن تستخدمها ضماناً مقابل السيولة. وهنا يظهر السؤال المزعج: ما قيمة الاحتياطي الذي يُطلب من صاحبه ألا يستخدمه عندما يحتاج إليه؟ Le-Monde-diplomatique-2026-09.pdf

مع ذلك، سيكون خطأً استنتاج أن الدولار ينهار أو أن استبداله باليوان مسألة وقت قصير. فالدولار ما يزال يمثل القسم الأكبر من الاحتياطيات الرسمية، والأسواق الأميركية ما تزال الأعمق والأكثر سيولة، وحجم الديون والائتمان المقوّمة بالدولار يجعل التخلص منه فجأة أقرب إلى هدم البنية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. ولهذا جاءت استعارة «نصل الدولار والجرح النقدي» دقيقة: السكين سببت الجرح، لكنها أصبحت أيضاً جزءاً من الوضع الذي يمنع النزيف. نزعها بلا بديل قد يزيد الأزمة بدلاً من حلها. Le-Monde-diplomatique-2026-09.pdf

الدولار بين السيادة والهيمنة: الحاجة إلى نظام نقدي لا تملكه دولة واحدة
هنا تظهر المشكلة الثانية، وهي أن النظام النقدي الراهن لا يضع الدول فقط تحت سلطة الدولة التي تصدر العملة المهيمنة، بل يضعها أيضاً تحت سلطة حركة رأس المال العالمي. ومنذ انهيار نظام بريتون وودز القديم وتحرير أسواق المال، أصبح على الحكومات أن تراعي باستمرار رد فعل المستثمرين وأسعار الصرف وحركة الأموال. نظرياً كان الاقتصادي روبرت ماندل يقول إن الدولة تستطيع الجمع بين اثنين فقط من ثلاثة عناصر: استقلال السياسة النقدية، وثبات سعر الصرف، وحرية حركة رأس المال. لكن الواقع الحالي يكشف شيئاً أكثر قسوة: الأسواق المالية نفسها تستطيع معاقبة الدولة التي تحاول ممارسة استقلال نقدي لا يروق لها. وهكذا يتحول السؤال من «أي سعر فائدة نريد؟» إلى سؤال سياسي أعمق: من يملك القرار، المجتمع أم رأس المال المتنقل بلا حدود؟ Le-Monde-diplomatique-2026-09.pdf

لهذا فإن استبدال الدولار باليوان لا يحل المشكلة. سيكون مجرد نقل مركز الهيمنة من واشنطن إلى بكين. بل إن الصين نفسها تدرك المأزق. لكي يصبح الرنمينبي عملة عالمية مكتملة، يجب أن تفتح الصين أسواقها المالية بصورة أوسع وأن تسمح بحركة أكثر حرية لرؤوس الأموال. لكن ذلك يعني أيضاً منح الأسواق المالية العالمية قدرة أكبر على التأثير في السياسة الاقتصادية الصينية. ومن هنا تمسك بكين بقيود رأس المال، حتى ولو حدّ ذلك من قدرة عملتها على منافسة الدولار. Le-Monde-diplomatique-2026-09.pdf

إذن، النظام البديل الحقيقي لا ينبغي أن يبحث عن «دولار جديد». المطلوب هو الخروج من الفكرة التي تجعل عملة دولة واحدة أساس النظام العالمي.

وهنا تستعيد أهميتها فكرة جون ماينارد كينز التي طُرحت في مفاوضات بريتون وودز ولم تعتمد: إنشاء عملة دولية مشتركة لا تكون ملكاً لأي دولة، سماها كينز «البانكور». الفكرة بسيطة في ظاهرها وثورية في نتائجها. تحتفظ كل دولة بعملتها الوطنية، فلا تضطر إلى التخلي عن سياستها النقدية كما يحدث في الاتحاد النقدي الأوروبي، لكن التجارة الدولية والتسويات بين البنوك المركزية تتم بواسطة وحدة حساب دولية مشتركة. Le-Monde-diplomatique-2026-09.pdf

بهذا المعنى لا يكون البانكور «عملة عالمية» يحملها المواطنون في جيوبهم، بل طبقة نقدية فوق العملات الوطنية. البنك المركزي المصري أو الصيني أو الفرنسي لا يحتاج إلى تخزين سندات دولة أجنبية كي يحتفظ باحتياطيه، بل يحتفظ بأرصدة في مؤسسة دولية للمقاصة. الصادرات والواردات لا تخلق تلقائياً طلباً على عملة دولة بعينها، ولا يستطيع بلد ما أن يحول موقع عملته إلى أداة عقوبات أو حصار.

الأكثر أهمية أن نظام كينز لم يكن يعالج العجز فقط، بل الفائض أيضاً. وهذه نقطة شديدة الأهمية سياسياً. في النظام الحالي يُطلب عادةً من الدولة التي تعاني عجزاً تجارياً أن تخفض الإنفاق، والأجور، والاستيراد، وأن تتبنى التقشف. أما الدولة التي تراكم فائضاً ضخماً فغالباً ما تُعامل باعتبارها نموذجاً ناجحاً. لكن من الناحية الحسابية، لا يمكن أن تكون كل الدول صاحبة فائض في الوقت نفسه. فائض طرف يقابله عجز طرف آخر. ولهذا كان كينز يريد نظاماً يفرض تعديلات على الجانبين: لا يسمح بالعجز المزمن، ولا يسمح أيضاً بتراكم فوائض ضخمة بلا حدود. Le-Monde-diplomatique-2026-09.pdf

هنا يكمن البعد الأكثر راديكالية في المشروع البديل. فالمشكلة ليست تقنية نقدية فحسب، بل هي مسألة توزيع للقوة. بدلاً من أن تقرر الأسواق وحدها سعر العملات واتجاه رأس المال، تصبح هناك قواعد دولية متفق عليها. وبدلاً من أن تستطيع الأموال الفرار من دولة تحاول فرض الضرائب أو حماية قطاعاتها الإنتاجية، تخضع حركة رأس المال لرقابة متبادلة بين الدول. كينز كان يدرك أن دولة واحدة لا تستطيع ضبط رأس المال بسهولة، لأن الأموال ستجد دائماً ملاذاً آخر. أما الضبط الجماعي فيغيّر قواعد اللعبة كلها. Le-Monde-diplomatique-2026-09.pdf

من هنا يمكن تصور نظام نقدي عالمي جديد يقوم على ثلاث قواعد: احتياط دولي لا تصدره دولة بعينها، أسعار صرف تُدار بالتنسيق بدلاً من تركها للمضاربة الكاملة، وضوابط دولية على حركة رأس المال تسمح للدول باستعادة جزء من سيادتها الاقتصادية. ليست هذه عودة إلى إغلاق الاقتصادات أو نهاية التجارة الدولية. على العكس، هي محاولة لجعل التجارة تعمل من دون أن تتحول كل أزمة مالية في دولة كبرى إلى أزمة لبقية العالم.

لكن قيام مثل هذا النظام يواجه عقبة سياسية قبل أن يواجه عقبة تقنية: القوى المهيمنة لا تتخلى طوعاً عن امتيازاتها. الولايات المتحدة رفضت مشروع كينز بعد الحرب العالمية الثانية لأنها كانت تخرج من الحرب صاحبة أكبر اقتصاد وأكبر احتياطي ذهب، وكان من مصلحتها أن يصبح الدولار مركز النظام. واليوم، رغم التغيرات الهائلة، لا تزال الفائدة السياسية من الدولار ضخمة. ولذلك فإن إصلاح النظام النقدي العالمي لن ينتج على الأرجح من قرار أميركي طوعي، بل من تراكم الضغوط من الصين، ودول الجنوب، ومجموعات مثل بريكس، ومن الأزمات التي تكشف تدريجياً حدود النظام الحالي.

المفارقة أن تراجع الهيمنة الأميركية قد لا يقود تلقائياً إلى نظام أكثر عدلاً. يمكن أن يقود إلى عالم تتنافس فيه كتل نقدية مختلفة: دولار، يوان، يورو، عملات رقمية، وتسويات ثنائية. وهذا قد يقلل قدرة واشنطن على فرض إرادتها، لكنه قد يزيد أيضاً الانقسام والفوضى النقدية. لذلك فالخيار الحقيقي ليس بين هيمنة أميركية وهيمنة صينية، بل بين نظام عملة مهيمنة ونظام نقدي متعدد الأطراف لا تملكه دولة واحدة.

وهنا تكمن المسألة السياسية الكبرى في السنوات المقبلة. العالم متعدد الأقطاب لا يحتاج فقط إلى تعدد في القوى العسكرية والاقتصادية. يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء المؤسسات التي تنظّم العلاقات بينها. وإلا فإن تعدد الأقطاب سيبقى محكوماً ببنية مالية صُنعت لعالم أحادي المركز.

إن تجاوز الدولار، بهذا المعنى، لا يعني التخلص من ورقة نقدية خضراء. بل يعني التخلص من نظام يمنح دولة واحدة الحق في إصدار الأصل الذي يحتاجه الجميع، ويمنح الأسواق المالية القدرة على معاقبة الحكومات التي تحاول الخروج عن إرادتها. النظام البديل يبدأ عندما تصبح العملة الدولية خدمة مشتركة للاقتصاد العالمي لا ملكية سيادية لإمبراطورية، وعندما تعود حركة المال أداةً في الاقتصاد بدلاً من أن يصبح الاقتصاد والمجتمع أداتين في خدمة حركة المال.

شاركها.