الحرب على إيران تتحول إلى حرب على الزمن الأميركي
كتب باسم الموسوي
بعد ستة أشهر على اندلاع الحرب الأميركية على إيران، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو حجم الضرر الذي تستطيع الولايات المتحدة إلحاقه بإيران. فالفارق في القوة العسكرية والاقتصادية بين البلدين لم يكن موضع شك أصلاً. السؤال الذي أخذ يفرض نفسه هو أكثر تعقيداً: هل تستطيع واشنطن تحويل تفوقها الهائل إلى نتيجة سياسية تبرر الحرب وتنهيها بالشروط التي وضعتها لنفسها؟
هذا هو المأزق الذي بدأت تظهر ملامحه بوضوح مع دخول الحرب شهرها السابع. فالحرب التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026، وقُدّمت في البداية باعتبارها مواجهة يمكن أن تحقق أهدافها خلال أسابيع، أصبحت نزاعاً مفتوحاً يصعب تحديد نقطة نهايته. وكلما امتدت، انتقل مركز الثقل من اختبار قدرة إيران على الصمود إلى اختبار قدرة الولايات المتحدة نفسها على تحمّل الزمن.
تكشف التقديرات الأميركية للكلفة جانباً من المشكلة. فالحرب، وفق حسابات حديثة، حمّلت الأسرة الأميركية أعباء تتجاوز 1200 دولار حتى الآن، عند احتساب الإنفاق العسكري وارتفاع أسعار الطاقة والتداعيات الاقتصادية المرتبطة بالمواجهة. وفي الوقت نفسه، يدور النقاش في الكونغرس حول عشرات المليارات من الدولارات الإضافية المطلوبة لتمويل استمرار العمليات.
لكن الأرقام، على ضخامتها، ليست المسألة الأهم. ففي الحروب، لا تصبح الكلفة مشكلة سياسية كبرى عندما يكون الهدف واضحاً والنهاية قريبة. تستطيع الحكومات أن تطلب من مجتمعاتها تحمّل أثمان مرتفعة عندما تستطيع أن تقول لها ماذا اشترت بهذه الأثمان. تصبح المشكلة أكثر خطورة عندما ترتفع الفاتورة فيما تزداد الإجابة عن سؤال «مقابل ماذا؟» غموضاً.
وهذا ما تواجهه واشنطن اليوم.
بدأت الحرب بمجموعة أهداف يمكن تقديمها بوصفها محددة: ضرب القدرات الإيرانية، فرض شروط تتعلق بالبرنامج النووي، تقليص قدرة طهران على تهديد المصالح الأميركية وحلفائها، وإجبار القيادة الإيرانية على تعديل حساباتها. لكن استمرار المواجهة من دون تسوية نهائية يدفع، بطبيعته، إلى توسيع تعريف النجاح.
وهذه إحدى الآليات الكلاسيكية للحروب الطويلة. تبدأ الحرب بهدف محدود، ثم يتبين أن النجاح العسكري لا ينتج النتيجة السياسية المطلوبة. عندها يتغير الهدف: من تدمير القدرات إلى تغيير السلوك، ومن تغيير السلوك إلى فرض شروط سياسية، ومن فرض الشروط إلى إعادة تشكيل البيئة التي تنتج ذلك السلوك. وكلما توسع الهدف أصبحت النهاية أبعد.
هنا تكمن المفارقة الأميركية في إيران. تستطيع الولايات المتحدة أن تضرب أكثر مما تستطيع إيران، وأن تحاصر اقتصاداً إيرانياً يعاني أصلاً اختلالات عميقة، وأن تعطل التجارة والتمويل وتفرض أثماناً متزايدة على الدولة والمجتمع. لكنها لا تستطيع بالقوة نفسها أن تجبر القيادة الإيرانية على اتخاذ القرار السياسي الذي تريده.
والفارق بين الأمرين هو الفارق بين التفوق العسكري والنصر السياسي.
قد تستطيع قوة عظمى تدمير آلاف الأهداف من دون أن تنتج بذلك وحده نظاماً إقليمياً جديداً. وقد تستطيع فرض عقوبات غير مسبوقة من دون أن يكون الطرف الآخر مستعداً لقبول شروطها. بل إن زيادة الضغط يمكن، في ظروف معينة، أن تنتج نتيجة معاكسة: أن يصبح التصعيد بالنسبة إلى الطرف المحاصر أقل كلفة من الاستسلام.
وهنا نفهم الانتقال الأميركي الأخير إلى ما سمّته الإدارة «D-Day الاقتصادي». بعدما لم تحقق القوة العسكرية وحدها النتيجة السياسية المطلوبة، انتقلت واشنطن إلى محاولة خنق إيران مالياً وتجفيف قنوات تجارتها وعائداتها النفطية، أملاً في أن يفعل الاقتصاد ما لم تفعله الضربات.

لكن الحرب الاقتصادية تحمل تناقضاً خاصاً بها.
إيران ليست دولة مغلقة يمكن فصلها عن الاقتصاد العالمي من دون آثار جانبية. إنها تقع على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وتملك موقعاً جغرافياً يسمح لها بنقل جزء من كلفة حصارها إلى الآخرين. ومن هنا يصبح مضيق هرمز أكثر من ممر بحري؛ يتحول إلى أداة لإعادة توزيع كلفة الحرب.
وهذه ربما أهم ورقة تمتلكها طهران.
لا تحتاج إيران إلى إغلاق هرمز بصورة كاملة حتى تحقق ذلك. يكفي أن تجعل المرور فيه أكثر خطراً وكلفة وأقل قابلية للتوقع. ارتفاع أقساط التأمين، وتعطل الملاحة، والخوف من استهداف ناقلات النفط والمنشآت، والبحث عن طرق بديلة، كلها تحول الجغرافيا الإيرانية إلى قوة اقتصادية.
وعند هذه النقطة تحدث مفارقة شديدة الأهمية: كلما حاولت الولايات المتحدة جعل الاقتصاد الإيراني يدفع ثمن الحرب، تستطيع إيران محاولة جعل الاقتصاد العالمي يدفع جزءاً من ثمن حصارها.
ولهذا لا تتوزع آثار الحرب بالتساوي. فالولايات المتحدة منتج كبير للطاقة، بينما تعتمد اقتصادات آسيوية وأوروبية بدرجات مختلفة على التدفقات القادمة من الخليج. أما دول الخليج نفسها فتجد أنها تقف جغرافياً في الخط الأول لمواجهة لم تكن هي صاحبة قرار إطلاقها.
وهنا تتحول المسألة من علاقة أميركية ـ إيرانية إلى مشكلة في النظام الإقليمي كله.
السعودية والإمارات وقطر وعُمان لا تريد هيمنة إيرانية على الخليج، لكنها لا تريد أيضاً حرباً مفتوحة تجعل منشآتها واقتصاداتها وممراتها البحرية رهينة دورة مستمرة من التصعيد. وكلما طالت الحرب، أصبحت مصالح هذه الدول في احتوائها أكثر استقلالاً عن رغبة واشنطن في زيادة الضغط.
ومن هنا يظهر أحد التحولات الأكثر عمقاً: الولايات المتحدة التي مثّلت لعقود «الثابت» الأمني في حسابات حلفائها بدأت تتحول، في نظر بعضهم، إلى مصدر من مصادر عدم اليقين. لم يعد السؤال فقط: كيف تحمينا أميركا من إيران؟ بل أصبح أيضاً: كيف نحمي مصالحنا من نتائج القرارات الأميركية نفسها؟
وهذا التحول أخطر استراتيجياً من خسارة معركة عسكرية منفردة.
لأن الهيمنة لا تقوم على القوة وحدها. تقوم أيضاً على الثقة بأن القوة المهيمنة تنتج نظاماً يمكن للآخرين بناء حساباتهم داخله. عندما تتحول قرارات القوة الكبرى إلى مصدر تقلب دائم، يبدأ الحلفاء بتنويع علاقاتهم، والبحث عن ضمانات بديلة، وبناء قدرات مستقلة، وفتح قنوات مع الخصوم.
لهذا ينبغي قراءة التحولات الخليجية الأخيرة في سياق أوسع من الحرب نفسها. فالسعي إلى طرق نفطية تتجاوز هرمز، وتنويع الشراكات، وتطوير القدرات العسكرية المحلية، وفتح قنوات سياسية متعددة الاتجاهات، ليست قرارات تقنية منفصلة؛ إنها مؤشرات إلى محاولة تقليل الارتهان لأي طرف واحد، سواء كان إيران أو الولايات المتحدة.
لكن هناك عنصراً آخر أكثر حساسية بالنسبة إلى واشنطن: الزمن.
تملك إيران خبرة طويلة في العيش تحت العقوبات. اقتصادها هش، وعملتها تعرضت لضغوط هائلة، والتضخم يضغط على المجتمع، والنظام يواجه أزمات شرعية وحوكمة حقيقية. كل ذلك يجعل الزمن مؤلماً لطهران.
لكن الزمن السياسي لا يعمل بالطريقة نفسها في النظامين.
القيادة الإيرانية تستطيع أن تراهن على أن المجتمع الأميركي والحياة السياسية الأميركية يعملان بإيقاع أسرع. هناك انتخابات نصفية، وأسعار طاقة، وموازنات، وكونغرس، ورأي عام، ومنافسة حزبية، وأسر تسأل لماذا تدفع أكثر.
لهذا يمكن لطهران أن تعتقد أن المطلوب ليس الانتصار على الولايات المتحدة بالمعنى التقليدي. يكفي منع الولايات المتحدة من الوصول إلى النهاية التي تريدها إلى أن تصبح كلفة الاستمرار أكبر من القيمة السياسية المتوقعة منه.
هذه هي قاعدة حروب الاستنزاف غير المتكافئة: الطرف الأضعف لا يحتاج إلى أن يصبح أقوى من خصمه؛ يحتاج إلى جعل خصمه عاجزاً عن تحويل قوته إلى نتيجة مقبولة الكلفة.
وهنا تصبح الانتخابات النصفية الأميركية جزءاً غير معلن من ميدان الحرب.
كل ارتفاع في أسعار الوقود، وكل طلب جديد لتمويل العمليات، وكل اضطراب في أسواق الطاقة، وكل سؤال في الكونغرس عن الهدف النهائي، يتحول في الحساب الإيراني إلى عنصر من عناصر الضغط المضاد.
لهذا فإن رقم الـ1200 دولار الذي تتحدث عنه التقديرات الأميركية ليس مجرد رقم اقتصادي. إنه مؤشر إلى لحظة تبدأ فيها السياسة الخارجية بالعودة إلى الداخل الأميركي.
وقد يكون هذا هو الرهان الإيراني الأهم: نقل الحرب من شاشات العمليات العسكرية البعيدة إلى فاتورة الأسرة الأميركية.
لا يعني ذلك أن الزمن يعمل حكماً لمصلحة إيران. استمرار العقوبات قد يفاقم الانهيار الاقتصادي، والضغط الاجتماعي يمكن أن يتحول إلى أزمة سياسية، كما أن البنية الداخلية للنظام ليست محصنة من التآكل. وإيران نفسها تدفع ثمناً باهظاً يفوق بكثير ما يدفعه المجتمع الأميركي مباشرة.
لكن الحرب ليست مسابقة لمعرفة من يعاني أكثر. السؤال الاستراتيجي هو: أي طرف يستطيع تحويل معاناته إلى تنازل من الطرف الآخر؟
بعد ستة أشهر، لا يبدو أن واشنطن استطاعت الإجابة عن هذا السؤال.
وهنا يلتقي منتقدون أميركيون ينطلقون من مواقع فكرية مختلفة. بعضهم يعارض الحرب أصلاً ويرى فيها استنزافاً غير ضروري، وبعضهم أكثر استعداداً لاستخدام القوة لكنه يخشى أن تكون الولايات المتحدة قد بدأت مواجهة لا تملك تصوراً واقعياً لإنهائها. الاختلاف بينهم كبير، لكن نقطة الالتقاء لافتة: القدرة على بدء الحرب لا تعني القدرة على إنهائها.
وهذه ربما المشكلة الأساسية في الاستراتيجية الأميركية الحالية.
فالولايات المتحدة تمتلك أدوات هائلة للضغط: حاملات الطائرات، القواعد العسكرية، الدولار، العقوبات، النظام المالي، الاستخبارات، التكنولوجيا، والتحالفات. لكن كل هذه الأدوات تجيب عن سؤال كيف نؤلم إيران؟ ولا تجيب تلقائياً عن السؤال الأصعب: كيف نجعل إيران تتخذ القرار الذي نريده؟
بين السؤالين تقع الحرب كلها.
ومع دخول المواجهة شهرها السابع، قد تكون المعركة الحقيقية قد بدأت تنتقل بالفعل. لم تعد فقط حرباً بين الصواريخ والعقوبات والأساطيل. إنها أيضاً حرب بين زمنين: زمن إيراني يراهن على الصمود والاستنزاف ونقل الكلفة إلى الخارج، وزمن أميركي تحكمه الانتخابات والأسواق والموازنة والرأي العام.
وهكذا قد تنقلب المعادلة التي بدأت بها الحرب. كان السؤال في شباط: كم تستطيع إيران أن تتحمل من القوة الأميركية؟
أما السؤال الذي يمكن أن يحدد نهايتها فهو مختلف تماماً:
كم تستطيع الولايات المتحدة أن تتحمل من حرب لا تستطيع تحويل تفوقها فيها إلى نهاية سياسية؟
