الحرب الأوكرانية الروسية على مفترق طرق مسارات التهدئة وضغوط التسوية الكبرى

جريدة البناء: بقلم حسن حردان

تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة تتراجع فيها رهانات الحسم العسكري لمصلحة مسارات الاستنزاف والبحث عن تسويات سياسية، في ظل تبدّل الحسابات الدولية وتزايد الضغوط الاقتصادية والعسكرية على مختلف أطراف الصراع. وفي هذا السياق، تبرز التحركات الأميركية لإعادة فتح قنوات التفاوض، بالتوازي مع تمسّك موسكو بشروطها الإقليمية والسياسية ورفض كييف تقديم تنازلات تعتبرها مساساً بسيادتها. وبين احتمالات التسوية والجمود الطويل والانهيار المفاجئ لإحدى الجبهات، تبدو الحرب أمام مفترق طرق قد يعيد رسم موازين القوى داخل أوروبا وعلى مستوى النظام الدولي ككل.

القراءة:

يرى حسن حردان في مقاله أن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين موسكو وكييف، بل تحولت إلى محطة أساسية في إعادة تشكيل النظام الدولي. فبعدما طغت في بداية الحرب رهانات الحسم العسكري، فرض الواقع الميداني نفسه من خلال حرب استنزاف طويلة كشفت حدود القوة لدى مختلف الأطراف، وأظهرت صعوبة تحقيق انتصار استراتيجي حاسم لأي طرف.

ويركز المقال على قدرة روسيا على التكيف مع تداعيات العقوبات الغربية، من خلال الانتقال إلى اقتصاد الحرب وتوسيع علاقاتها مع القوى الآسيوية، في مقابل الصعوبات التي واجهتها أوكرانيا على مستوى الموارد البشرية والدعم اللوجستي والعسكري. ويشير حردان إلى أن استمرار الاستنزاف لم يعد يقتصر على ساحات القتال، بل امتدت تداعياته إلى الدول الغربية نفسها، مع تصاعد الأعباء الاقتصادية والتضخمية وأزمات الطاقة، ما انعكس على مستوى الدعم الشعبي والسياسي للحرب.

وفي المقابل، يقرأ المقال التحرك الأميركي باعتباره محاولة لإدارة الصراع والانتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى مسار تفاوضي أكثر واقعية. فواشنطن، وفق رؤية حردان، باتت معنية بتقليص الاستنزاف المالي والعسكري، وإعادة توجيه مواردها نحو ملفات استراتيجية وداخلية أخرى، إلى جانب تجنب تداعيات تصعيد جديد، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء وما قد يحمله من ضغوط إضافية على أوروبا.

إلا أن الطريق إلى التسوية لا يزال محفوفاً بالعقبات، وفي مقدمتها قضية الأراضي ومصير إقليم الدونباس. فموسكو تتمسك بمكاسبها وشروطها الإقليمية، بينما يرفض الجانب الأوكراني تقديم تنازلات يعتبرها تناقضاً مع مفهوم السيادة الوطنية. ومن هنا، تبدو الفجوة بين الطرفين واسعة، ما يجعل أي اتفاق شامل بحاجة إلى ضغوط وضمانات وتفاهمات دولية معقدة.

ويطرح حردان ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الحرب. الأول يتمثل في تسوية تفرضها الضغوط الأميركية عبر تقليص الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، بما يدفع كييف إلى القبول بتجميد خطوط التماس مقابل ضمانات أمنية غربية. أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار حالة «اللاسلم واللا حرب»، بحيث تتجمد الجبهات من دون اتفاق سلام شامل، مع بقاء المناوشات وحرب الاستنزاف وتداعياتها الأمنية على أوروبا. بينما يتمثل السيناريو الثالث في حدوث انهيار مفاجئ في إحدى الجبهات نتيجة الإنهاك البشري أو الاقتصادي، بما قد يؤدي إلى تغيير قواعد التفاوض وفرض واقع ميداني جديد.

وخلاصة المقال أن الحرب الروسية الأوكرانية تقترب، وفق قراءة حردان، من مرحلة مختلفة عنوانها الأساسي الانتقال من أوهام الحسم إلى منطق التوازنات والتسويات. فاستمرار الحرب من دون أفق سياسي واضح يرفع كلفة الاستنزاف على الجميع، فيما تصبح التسوية، مهما كانت مؤلمة، خياراً أكثر حضوراً مع تزايد الضغوط الدولية وتبدّل الحسابات الأميركية والأوروبية والروسية والأوكرانية. وفي المحصلة، فإن شكل التسوية وحدودها سيبقيان مرتبطين بموازين القوى على الأرض وبقدرة كل طرف على تحمل كلفة استمرار الحرب.

الحرب الروسية الأوكرانية
الحرب الروسية الأوكرانية

تُشكل الحرب الروسية الأوكرانية محطة فارقة في إعادة هندسة النظام الدولي، حيث انتقلت المواجهة من شعارات “الحسم العسكري المطلق” إلى واقعية “حروب الاستنزاف الطاحنة”. ومع دخول الصراع مرحلة بالغة التعقيد، تتكشف تدريجياً حدود القوة والقدرة لدى كافة الأطراف، وسط حراك دبلوماسي أميركي مكثف تقوده الإدارة الحالية لإرساء قواعد تسوية تنهي النزاع أو تجفف بؤره المشتعلة.

بين أوهام الحسم
وواقع الاستنزاف الميداني
أفرزت الميدانيات العسكرية قناعة راسخة لدى العواصم الغربية باستحالة تحقيق هزيمة استراتيجية شاملة لروسيا. فقد أظهر الاقتصاد الروسي مرونة عالية في التحوّل نحو نمط “اقتصاد الحرب”، متجاوزاً صدمة العقوبات الغربية عبر التكاتف مع القوى الآسيوية البديلة. وفي المقابل، اصطدمت خطط الهجوم الأوكرانية بنقص الموارد البشرية وبطء الدعم اللوجستي النوعي، الأمر الذي أدّى إلى تحوّل الجبهات إلى حالة جمود نسبي تتخللها معارك استنزاف باهظة الكلفة بشرياً وماديأ، وهو ما انعكس بدوره على تراجع الدعم الشعبي والسياسي الداخلي في الدول الغربية نتيجة الأعباء التضخمية وأزمات الطاقة.

 

الدوافع الأميركيةورهان الدبلوماسية الرئاسية
الدوافع الأميركية ورهان الدبلوماسية الرئاسية

الدوافع الأميركية
ورهان الدبلوماسية الرئاسية
تتحرك واشنطن، عبر مبعوثيها الخاصين، بخطى حثيثة لتدشين مسار تفاوضي جادّ يعيد إحياء الصيغ الثلاثية (الروسية ـ الأوكرانية ـ الأميركية). وتنطلق هذه الرغبة من حسابات براغماتية بحتة تستهدف:
*كبح الاستنزاف المالي والعسكري: تخفيف الأعباء الملقاة على كاهل الخزينة الأميركية وتحويل التركيز نحو أولويات استراتيجية وداخلية أخرى.
*إدارة الصراع: تفادي التداعيات الكارثية للتصعيد المحتمل مع اقتراب فصل الشتاء، والبحث عن صيغ تجميد قطاعية للقتال على غرار “النموذج الكوري”.

الكاتب والمحلل السياسي حسن حردان
الكاتب والمحلل السياسي حسن حردان

كات

معضلة الدونباس
وسقف الشروط المتبادلة
تصطدم الجهود الدبلوماسية بعقبة رئيسية تتمثل في التناقض الحادّ بين أهداف الطرفين؛ فموسكو تتمسك بتحقيق مكاسب إقليمية كاملة وفرض شروطها وفي مقدمتها السيطرة على كامل إقليم الدونباس، بينما تتخذ القيادة الأوكرانية برئاسة فولوديمير زيلينسكي موقفاً رافضاً لأيّ تنازلات إقليمية تعتبرها مساساً جوهرياً بالسيادة الوطنية وانكساراً سياسياً لا يمكن تبريره.

السيناريوهات المحتملة
لمستقبل الحرب…
السيناريو الأول: التسوية القسرية (الضغط المالي والعسكري) في حال لجأت واشنطن إلى استخدام سلاح حجب أو تقليص المساعدات العسكرية والمالية الحيوية، فقد تجبر كييف مرغمة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بقبول تسوية واقعية تتضمّن تجميد خطوط التماس الحالية، مقابل حصولها على حزمة صارمة من الضمانات الأمنية الغربية المماثلة لمادة الدفاع المشترك، لضمان عدم تجدد الهجمات الروسية.
السيناريو الثاني: اللاسلم واللا حرب (الجمود الطويل) إذا قاوم الداخل الأوكراني الضغوط الخارجية وفشلت المبادرات الدبلوماسية في ردم الفجوة حول مصير الأراضي، فإنّ النزاع قد ينزلق نحو تجميد فعلي غير معلن على الأرض، تتواصل فيه المناوشات المتقطعة وحرب الاستنزاف الدائمة دون التوصل إلى اتفاق سلام شامل، مما يبقي أوروبا في حالة توتر أمني دائم.
السيناريو الثالث: الانهيار المفاجئ لإحدى الجبهات، رغم ترجيح استمرار الاستنزاف، يظلّ احتمال حدوث خرق ميداني غير متوقع وارداً نتيجة الإنهاك البشري أو الاقتصادي المفاجئ لأوكرانيا ، وهو سيناريو قد يفرض واقعاً جديداً يغيّر قواعد التفاوض برمتها لصالح روسيا الأقوى قدرة على التحمّل النفسي والصناعي.
في ظلّ هذه المعطيات، يبدو أنّ الحرب اقتربت من مرحلة “عصر التوازنات والتسويات المؤلمة” نتيجة فشل رهان الغرب على إلحاق الهزيمة بروسيا…

شاركها.