كتب إبراهيم زين الدين – الكاتب والمحلل السياسي
خاص مركز بيروت للأخبار.
إنّ ما يجري في لبنان، في خضمّ التصعيد الإسرائيلي المتواصل، يضع البلاد أمام مشهد بالغ الخطورة والتعقيد. فإسرائيل، التي لا تكاد ترى هدوءًا في أي مكان حتى تسعى إلى كسره، تواصل القتل والتدمير وهدم الأبنية وتنفيذ الغارات خارج ما يُسمّى بـ«الحزام الأصفر»، في رسالة واضحة بأنّ التصعيد لم يعد محصورًا ضمن نطاق جغرافي محدد.
وفي هذا السياق، يأتي ما يجري في تلة علي الطاهر ليشكّل عنوانًا من عناوين الاستغلال الأمني والسياسي للبنان، في ظلّ مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. فنتنياهو، الذي يواجه ضغوطًا وحصارًا سياسيًا وشعبيًا متزايدًا في الداخل الإسرائيلي، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات السياسية والانتخابية، يحاول البحث عن إنجاز يستطيع من خلاله ترميم صورته السياسية، بعدما أخفقت الحرب في تحقيق نتائج حاسمة على مختلف الجبهات، سواء في لبنان أو غزة أو في ساحات أخرى.

نتنياهو محاصر من أكثر من جهة، وهو وإن كان يتحرك بهامش واسع، إلا أنّ يده ليست مطلقة، في ظلّ ضغوط ومواقف أمريكية تحاول إدارة المشهد بما يخدم مصالحها وحساباتها الإقليمية. ومن هنا، يبرز السؤال حول حقيقة ما يجري: هل تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إبقاء لبنان خارج أي تفاهمات إقليمية مقبلة، ولا سيما في ظلّ المسار المتعلق بالعلاقات الأمريكية ـ الإيرانية؟ وهل ما يجري في علي الطاهر هو بداية لمسار تصعيدي جديد، أم أنّه سيبقى ضمن حدود الرسائل المحسوبة والمرسومة؟
المخاوف اليوم لا تتعلق فقط بحدود التصعيد، بل بما يرافقه من استهداف للمدنيين وتدمير للمنازل والقرى، وصولًا إلى ما يشبه محو عائلات بأكملها من السجل الاجتماعي، بعدما تحوّلت الغارات إلى وسيلة لاقتلاع الناس من أرضهم وتدمير ما بنوه طوال سنوات عمرهم.
والسؤال الأكبر الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام مؤامرة أمريكية ـ إسرائيلية متكاملة الأدوار، تكون فيها إسرائيل الأداة العسكرية للضغط على الدولة اللبنانية ودفعها إلى تقديم تنازلات سياسية؟ وهل يأتي هذا التصعيد في سياق محاولة فرض وقائع جديدة على طاولة المفاوضات، بعد جولات متعددة لم تتمكن خلالها المفاوضات من تحقيق تقدم حقيقي؟
ولعلّ التصريحات الإسرائيلية الأخيرة، ولا سيما الحديث عن الحاجة إلى «تقدم حقيقي» مع لبنان، تحمل في طياتها دلالة سياسية واضحة؛ إذ إنّ المشهد لا يبدو مجرد ردّ عسكري على هجوم عابر، بل جزءًا من مسار أكبر تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية.
وفي المحصلة، فإنّ ما يشاهده العالم مباشرة عبر وسائل الإعلام الدولية والعربية يؤكد أنّ الجنوب يُترك، مرة جديدة، وحيدًا في مواجهة النار؛ رهينة للمغامرات السياسية، ورهينة للتسويات، ورهينة لمزاج العدو الإسرائيلي، سواء بحثًا عن إنجاز سياسي هنا، أو عن مكسب انتخابي هناك.
إنّ ما يجري هو اعتداء شامل وموصوف على مختلف المستويات، فيما لا تكفي الإدانات الخطية ولا التصريحات الكلامية لوقف شلال الدم. فأهل الجنوب الذين هُجّروا من ديارهم، ودُمّرت منازلهم وممتلكاتهم ومؤسساتهم الصحية والتجارية والصناعية التي بنوها بعرق السنين، لا يحتاجون إلى بيانات تضامن، بل إلى موقف حقيقي يضع حدًا لهذا النزيف المستمر.
فإلى متى يبقى الجنوب خارج الحسابات الوطنية إلا عندما يصبح ورقة على طاولة المفاوضات؟ وإلى متى يُترك أهله يدفعون ثمن صراعات وتسويات تتجاوز حدودهم، فيما يتحول الجنوب إلى ورقة في بازار التسويات السياسية المقبلة للمنطقة؟
إنّ الجنوب، الذي لطالما قدّم التضحيات عن لبنان، يجد نفسه اليوم أمام معادلة قاسية: يدفع الثمن، فيما يتفرج الآخرون على المشهد من بعيد. وللمرة الألف، يُطلب من الجنوب أن يكون القربان لوطنٍ يتعامل معه أحيانًا كأنه ورقة تفاوض، أو ورقة رابحة، أو قطعة على رقعة شطرنج إقليمية.
لكن التاريخ لا يُكتب بالصمت وحده، ولا تُمحى ذاكرة الأرض بالقصف. وما يمرّ به الجنوب اليوم، بكل ألمه ومآسيه، سيبقى شاهدًا على مرحلة دفعت فيها قرى بأكملها ثمنًا باهظًا من أجل صراعات أكبر منها.
فلننتظر ما ستكشفه الأيام المقبلة، ولنسأل بوضوح: هل نحن أمام تصعيد محدود ومحسوب، أم أمام مرحلة جديدة ستكون أكثر اتساعًا وخطورة على لبنان والجنوب تحديدًا؟
وحده الميدان سيجيب، ووحدها الأيام ستكشف ما تخبئه المرحلة المقبلة.
أما الجنوب، فسيبقى واقفًا على أرضه، يحمل وجعه وصبر أهله، ويكتب من بين الركام حكاية شعبٍ تعوّد أن يدفع الثمن، لكنه لم يتعوّد أن ينسى.
