التصدّع داخل البنتاغون: حرب إيران تدخل مرحلة «أكثر مما ينبغي ولوقت أطول مما ينبغي»

كتب باسم الموسوي

ثمة فارق كبير بين أن يحذر محللون من أن حرب إيران تستنزف القوة الأميركية، وبين أن يبدأ كبار القادة العسكريين الأميركيين أنفسهم تسجيل
اعتراضات رسمية على استمرار تحويل قواتهم وسفنهم وطائراتهم إلى الشرق الأوسط. هذا هو التطور الجديد الذي ظهر بعد ستة أشهر من الحرب، وهو أهم من الأرقام المتداولة عن تكلفة العمليات أو استهلاك الصواريخ والذخائر، لأن المشكلة انتقلت من النقاش الخارجي حول قدرة الولايات المتحدة على تحمل الحرب إلى داخل الآلية التي يوزع البنتاغون بواسطتها القوة العسكرية الأميركية على العالم.

بحسب ما كشفته «واشنطن بوست» في 30 آب، سجل عدد من كبار القادة العسكريين اعتراضات على استمرار تمديد انتشار قوات ومعدات أُرسلت لدعم العمليات المرتبطة بإيران. الاعتراضات ظهرت في نسخة 14 آب من سجل أوامر وزير الدفاع، وهي وثيقة بالغة الأهمية لأنها تتصل مباشرة بتوزيع القوات الأميركية بين القيادات القتالية المختلفة. وقد شملت الاعتراضات قادة مسؤولين عن أوروبا والمحيطين الهندي والهادئ وأميركا اللاتينية، إضافة إلى أعلى قيادة عملياتية في البحرية. لم يرفض هؤلاء تنفيذ أوامر وزير الدفاع بيت هيغسيث، ولم نصل إلى شيء يشبه تمرداً عسكرياً على القيادة السياسية، لكنهم فعلوا شيئاً مهماً داخل النظام العسكري الأميركي: سجلوا رسمياً أنهم لا يوافقون على استمرار اقتطاع قوات من مسؤولياتهم الأصلية وإبقائها في الشرق الأوسط بالطريقة الحالية.

المصطلح المستخدم داخل البنتاغون هو Non-concur، أي عدم الموافقة على التوصية أو القرار بصيغته المطروحة. وفي الظروف العادية، لا يشكل ذلك حدثاً استثنائياً، لأن وظيفة القادة العسكريين تتضمن إبلاغ القيادة السياسية بالمخاطر التي قد تنتج عن قرارات توزيع القوات. لكن ما أعطى الاعتراضات الأخيرة أهميتها هو اتساعها ودرجة التحذير التي تضمنتها. فالمسألة لم تعد أن قائداً في منطقة ما يريد استعادة سفينة أو طائرة أرسلت إلى الشرق الأوسط، بل أن عدداً من القيادات بدأ في الوقت نفسه يقول إن استمرار الوضع الحالي يرفع مستوى المخاطر في المسارح التي تقع تحت مسؤوليته.

هذا هو التحول الحقيقي في الحرب. فالقيادة المركزية الأميركية التي تدير العمليات في الشرق الأوسط تريد الاحتفاظ بقوة كبيرة لأنها لا تعرف ما إذا كان الرئيس دونالد ترامب سيأمر بجولة جديدة من العمليات ضد إيران. وما دام الخيار العسكري قائماً، يجب أن تكون القوات جاهزة لتنفيذه، وهو ما يفسر استمرار وجود أكثر من خمسين ألف عسكري أميركي في حالة استعداد مرتبطة بالحرب. لكن هؤلاء الجنود والسفن والطائرات ومنظومات الاستطلاع لم يظهروا من العدم؛ لقد نُقل جزء منهم من قيادات أخرى كانت لديها خطط ومهام مقررة قبل اندلاع الحرب. وبعد أشهر من هذا التحويل المؤقت، بدأت كلمة «مؤقت» تفقد معناها.

الأكثر دلالة هو اعتراض قائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال سامويل بابارو، على استمرار المستوى المرتفع من الدعم الذي يقدمه مسرحه للشرق الأوسط. أهمية موقف بابارو لا تتعلق بشخصه، بل بالمسرح الذي يقوده. فمنذ سنوات، تقول الاستراتيجية الأميركية إن الصين هي التحدي العسكري والاستراتيجي الأول للولايات المتحدة وإن منطقة المحيطين الهندي والهادئ يجب أن تحصل تبعاً لذلك على الأولوية في التخطيط والانتشار والتسليح. لكن حرب إيران أجبرت البنتاغون على تحويل بعض الموارد المخصصة لهذا المسرح إلى القيادة المركزية، بما في ذلك سفن ومجموعة حاملة طائرات. وهكذا وجد القائد المسؤول عن المسرح الذي يفترض أنه الأولوية الأميركية مضطراً إلى إبلاغ وزير الدفاع بأن استمرار سحب القوة منه لم يعد قراراً بلا تكلفة.

لكن التحذير الأشد جاء من البحرية نفسها. فقد أبلغ الأدميرال داريل كودل، أعلى ضابط في البحرية الأميركية، وزير الدفاع بأن البحرية لا تستطيع المحافظة إلى أجل غير معلوم على المستوى الحالي من الدعم المطلوب لحرب إيران من دون أن تتأثر قدرتها على أداء مهماتها الأخرى. والمهم في هذا التحذير أنه لا يتعلق فقط بعدد السفن الموجودة في الخليج أو البحر العربي، بل بدورة عمل الأسطول الأميركي بأكملها. فالسفينة الحربية لا تنتقل ببساطة من مهمة إلى أخرى إلى ما لا نهاية؛ هناك فترات انتشار وصيانة وإصلاح وتدريب واستراحة للأطقم، وأي تمديد استثنائي طويل لسفينة أو مجموعة قتالية ينعكس لاحقاً على السفن التي يفترض أن تحل محلها وعلى جدول الصيانة والجاهزية في الأشهر التالية.

ولهذا برز رقم لافت في التقييم: نحو ربع أسطول المدمرات فقط كان جاهزاً للانتشار. ولا يعني ذلك أن بقية المدمرات الأميركية معطلة، لأن جزءاً كبيراً من أي أسطول حديث يكون بصورة طبيعية في الصيانة أو التدريب أو مراحل الاستعداد المختلفة. لكن المشكلة تكمن في أن نسبة السفن المتاحة فوراً تصبح حساسة عندما تكون الولايات المتحدة منخرطة في حرب مفتوحة المدة، وتحتاج في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بقوة جاهزة لمواجهة أزمة محتملة في منطقة أخرى. فالبنتاغون لا يستطيع أن يبني حساباته على الحرب التي تقع اليوم فقط؛ عليه أن يحتفظ بقوة للحرب التي قد تبدأ غداً.

وهنا تظهر النقطة الجديدة التي تتجاوز الحديث السابق عن نقص الذخائر. المسألة لم تعد تتعلق بما تستهلكه حرب إيران، بل بما يمكن تسميته «ثمن الفرصة» العسكرية. فالسفينة التي تبقى في الشرق الأوسط لا تستطيع تنفيذ مهمة في المحيط الهادئ أو أوروبا، وطائرة المراقبة التي تنقل إلى القيادة المركزية تغيب عن مسرح آخر، والوحدة التي يمتد انتشارها أشهراً إضافية ستحتاج لاحقاً إلى إعادة تدريب واستراحة وصيانة، بما يعني أن أثر الحرب لا يقتصر على القوات الموجودة فعلياً فيها، بل ينتقل إلى دورة الجاهزية العسكرية الأميركية في المستقبل.

وهذا ما يفسر اعتراض القيادة الأوروبية أيضاً. فالولايات المتحدة لا تواجه شرق أوسط هادئاً وعالماً ساكناً يمكنها أن تسحب منه القوات بلا ثمن. أوروبا لا تزال مسرح مواجهة استراتيجية مع روسيا، والمحيط الهادئ يشهد منافسة متصاعدة مع الصين، والقيادة الجنوبية لديها مسؤوليات تمتد إلى أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي. ووفق ما نُقل عن التقييم، حذر بعض القادة من أن استمرار تحويل السفن وطائرات المراقبة إلى القيادة المركزية يمكن أن يؤثر حتى في بعض المهمات المتصلة بحماية الأراضي الأميركية. وهنا تصبح حرب إيران للمرة الأولى مشكلة في هندسة القوة الأميركية العالمية، لا مجرد عملية عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط.

وثمة تفصيل مهم يجعل الصورة أكثر تعقيداً. قيادتا الجيش والقوة الجوية لم تسجلا اعتراضاً مماثلاً على تمديد انتشار قواتهما، لكنهما وافقتا مع التحذير من المخاطر التي يخلقها استمرار الوضع. وهذا مهم لأنه يمنع المبالغة في تصوير ما يحدث باعتباره انقساماً بين الجنرالات والبيت الأبيض. لا يوجد دليل على وجود حركة داخل الجيش الأميركي تطالب بإنهاء الحرب أو ترفض أوامر ترامب. الموجود هو شيء مختلف وأكثر مهنية: كبار الضباط يقولون للقيادة السياسية إن استمرار الحرب بالشكل الحالي له آثار تراكمية، وإن القرارات التي كان يمكن اتخاذها بسهولة في الأسابيع الأولى تحتاج بعد ستة أشهر إلى حساب مختلف.

ومن الأمثلة المهمة على ذلك الفرقة 82 المحمولة جواً، إحدى أبرز قوات التدخل السريع الأميركية. فقد جرى تمديد انتشار عناصر منها كانت قد حُشدت منذ الربيع، ويمكن أن تمتد مهمة بعضهم إلى سنة كاملة. أهمية هذه القوة أنها من الوحدات التي يمكن أن تصبح ضرورية في أي توسع محتمل للعمليات البرية. ولذلك فإن الاحتفاظ بها في حالة استعداد لا يعني بالضرورة أن واشنطن قررت إرسال قوات برية إلى إيران، لكنه يعني أنها تريد أن يبقى هذا الخيار قابلاً للتنفيذ. وهنا يظهر نوع آخر من الكلفة لم يحظ بالاهتمام الكافي: الولايات المتحدة لا تستهلك مواردها فقط في العمليات التي تنفذها فعلياً، بل تستهلك موارد أيضاً لكي تجعل العمليات التي تهدد بتنفيذها قابلة للتصديق.

ما دام ترامب يريد القول إن جميع الخيارات ما زالت مطروحة، يجب على البنتاغون أن يحتفظ بالقوات والسفن والطائرات والقدرات اللوجستية اللازمة لجعل العبارة أكثر من مجرد تهديد سياسي. وهذا يعني أن الردع نفسه له تكلفة، حتى عندما لا تطلق الولايات المتحدة صاروخاً واحداً. فإبقاء قوة كبيرة في حالة تأهب يعني تأجيل عودتها إلى قواعدها، وتمديد عمل أطقمها، وتأخير بعض برامج الصيانة والتدريب، وحرمان قيادات أخرى منها. ومع مرور الوقت، تصبح كلفة الاحتفاظ بالخيار العسكري جزءاً متزايداً من كلفة الحرب نفسها.

ومن هنا يمكن فهم التحول الذي وقع خلال الأشهر الستة. في بداية الحرب كان السؤال العسكري الأميركي يتعلق بحجم القوة اللازمة لتنفيذ المهمة: كم طائرة؟ كم سفينة؟ كم صاروخ اعتراض؟ وكم وحدة ينبغي نقلها إلى الشرق الأوسط؟ أما الآن فقد تغير السؤال. لم تعد المشكلة ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع حشد تلك القوة؛ فقد أثبتت أنها تستطيع. السؤال هو المدة التي تستطيع خلالها إبقاء هذا الحشد قائماً من دون أن تبدأ بنيتها العسكرية العالمية بدفع الثمن.

وهذا فارق أساسي في معنى القوة. فالدولة العظمى لا تقاس قدرتها فقط بما تستطيع جمعه في لحظة الأزمة، بل بقدرتها على المحافظة على تلك القوة أشهراً وسنوات، واستبدال الوحدات، وإصلاح المعدات، وإراحة الجنود، وتجديد الذخائر، والاستمرار في الوقت نفسه في أداء مهماتها في بقية العالم. الولايات المتحدة لا تواجه في إيران خصماً يتفوق عليها عسكرياً، ولا يقول القادة الأميركيون إنهم عاجزون عن مواصلة العمليات. ما يقولونه هو أن القدرة على تنفيذ المهمة شيء، والقدرة على إبقاء المستوى الاستثنائي نفسه من التعبئة إلى أجل غير معلوم شيء آخر.

وقد حاول البنتاغون تخفيض أهمية الكشف، مشيراً إلى أن اعتراضات القادة على قرارات توزيع القوات جزء طبيعي من عملية تقديم المشورة العسكرية، وأن وزير الدفاع يتلقى مثل هذه الملاحظات بصورة اعتيادية. وهذا صحيح من الناحية المؤسسية، وينبغي أخذه في الاعتبار قبل الحديث عن «تمرد» أو «انقسام» داخل الجيش. لكن المصادر التي اطلعت على التقييم وصفت الصورة هذه المرة بأنها أكثر قتامة، وأشارت إلى أن بعض الجنرالات والأدميرالات كانوا أكثر صراحة وتفصيلاً من المعتاد في شرح المخاطر. والأهم من نبرة الاعتراض هو تعدد مصادره: عندما تبدأ قيادات مسؤولة عن مناطق مختلفة من العالم والبحرية نفسها بإثارة المشكلة في الوقت نفسه، فإن المسألة تصبح أكبر من مطالبة كل قائد باستعادة قواته.

التصدّع داخل البنتاغون: حرب إيران تدخل مرحلة «أكثر مما ينبغي ولوقت أطول مما ينبغي»
ولعل العبارة الأكثر تعبيراً التي نقلت عن أحد المطلعين على النقاش العسكري هي أن العملية الإيرانية أصبحت «أكثر مما ينبغي ولوقت أطول مما ينبغي». أهمية العبارة أنها لا تقول إن الولايات المتحدة خسرت قدرتها على القتال، ولا إنها وصلت إلى نقطة العجز، بل تشير إلى أن العلاقة بين المهمة والموارد بدأت تتغير. ما كان يمكن اعتباره انتشاراً استثنائياً لأسابيع تحول إلى وضع يستمر أشهراً، وما كان يمكن اقتطاعه مؤقتاً من مسارح أخرى أصبح غياباً طويل الأمد، وما كان في البداية مجرد دعم إضافي للقيادة المركزية بدأ يفرض خيارات صعبة على القيادة العسكرية الأميركية كلها.

وهذا هو الجديد الذي ينبغي التوقف عنده، بعيداً عن إعادة النقاش السابق حول الصواريخ وهرمز والصين ونقص الذخائر. للمرة الأولى بعد ستة أشهر، تظهر داخل الوثائق التي تدير بها الولايات المتحدة انتشار قواتها إشارة واضحة إلى أن الحرب تجاوزت مرحلة السؤال عن قدرة أميركا على تحمل كلفتها المباشرة، ودخلت مرحلة السؤال عن مقدار المخاطر التي ينبغي قبولها في أماكن أخرى من أجل الاستمرار فيها. ولم يعد النقاش يدور حول ما تستطيع إيران تدميره من القوة الأميركية، بل حول مقدار القوة التي تستطيع إيران إبقاءها مشغولة بمجرد استمرار الحرب وعدم الوصول إلى نهاية واضحة لها.

وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية. لا تحتاج إيران إلى التفوق على الولايات المتحدة لكي تخلق هذه المشكلة. يكفي أن تبقى الحرب بلا نهاية سياسية قريبة، وأن تحتفظ واشنطن بالحاجة إلى قوة كبيرة تحسباً للجولة التالية. عندئذ يصبح الزمن نفسه عاملاً في توزيع القوة الأميركية، لأن كل شهر إضافي يحول «الانتشار المؤقت» إلى التزام طويل، وكل التزام طويل يبدأ في إنتاج مطالب باستعادة القوات من القيادات التي أُخذت منها.

لهذا لم يعد السؤال الذي يواجه البنتاغون بعد ستة أشهر هو ما إذا كان يستطيع تنفيذ ضربة جديدة ضد إيران. يستطيع ذلك، ولا تشير الاعتراضات العسكرية إلى العكس. السؤال الأكثر أهمية أصبح: كم مرة يستطيع أن يفعل ذلك، وكم شهراً يستطيع أن يحتفظ بالقوة اللازمة لفعله، وكم مقداراً من المخاطر يستطيع أن ينقله إلى بقية مسؤولياته العالمية قبل أن يصبح استمرار الحرب بالشكل الحالي أكثر تكلفة استراتيجياً من تعديلها؟

هذه هي النقطة التي تجعل اعتراضات القادة العسكريين تطوراً مهماً. فالحرب التي بدأت باعتبارها مسألة تتعلق بإجبار إيران على تغيير سلوكها أصبحت تفرض على المؤسسة العسكرية الأميركية سؤالاً يتعلق بها هي: كيف تحافظ الولايات المتحدة على صدقية التهديد بالتصعيد ضد إيران، من دون أن تضطر إلى إبقاء جزء كبير من قوتها في حالة استنفار مفتوح؟

عند هذه النقطة يتغير معنى الاستنزاف. لم يعد مقتصراً على صاروخ أُطلق أو سفينة بقيت شهراً إضافياً في البحر، بل أصبح يتعلق بالزمن الذي تقضيه القوة العسكرية الأميركية في وضع استثنائي لا تعرف متى تخرج منه. وهذا تحديداً ما تكشفه اعتراضات آب الجديدة: الولايات المتحدة ما زالت تستطيع مواصلة الحرب، لكن بعض كبار قادتها بدأوا يقولون رسمياً إن القدرة على المواصلة لا تعني أن المواصلة بالطريقة نفسها يمكن أن تستمر بلا سقف.

شاركها.