
بقلم العميد مالك أيوب
في عالم الصراعات والنزاعات بين الدول، لا تُقاس القوة بحجم العتاد العسكري ولا بعدد الجنود فقط، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرار حاسم وسريع في اللحظة المناسبة. هذه القدرة تُعد أساسًا في تكوين ما يُعرف بعقيدة الردع، والتي تمنح الدول هيبتها أمام خصومها وحلفائها على حد سواء. فالتردد أو التأخر في الرد لا يمرّ دون ثمن، بل يُفسّر غالبًا على أنه علامة ضعف أو ارتباك، ما يشجع العدو على التمادي ورفع وتيرة الهجوم.
الولايات المتحدة وإسرائيل تُجسّدان بشكل واضح هذا المفهوم، فهما لا تتوانيان عن الرد السريع والحاسم عند المساس بأمنهما أو مصالحهما الاستراتيجية. اجتياح الولايات المتحدة لأفغانستان بعد أحداث 11 أيلول لم يكن مجرد ردّ فعل، بل كان رسالة صادمة لكل من تسوّل له نفسه تحدّي هيبتها. كذلك كان دخولها الحرب العالمية الثانية بعد هجوم اليابان على بيرل هاربر مثالًا كلاسيكيًا على أن الهجوم يستوجب ردًا يفوق في حجمه وتوقيته توقعات العدو. أما إسرائيل، فلم تنتظر طويلاً بعد عملية “طوفان الأقصى”، بل شنت هجومًا قاسيًا على غزة أوقع خسائر بشرية ومادية كبيرة، في إطار ما تسميه “ترسيخ الردع” وتركيع الخصم قبل أن يستعيد زمام المبادرة.
على الضفة الأخرى، تتبع بعض القوى مثل إيران وروسيا عقيدة مغايرة تقوم على التريث والتأجيل، ظنًا بأن الوقت قد يكون حليفًا في إدارة الصراع. لكن التجربة تثبت أن هذا النهج كثيرًا ما يكلّف هذه الدول تآكلًا تدريجيًا في هيبتها. اغتيال إسماعيل هنية في طهران، ثم السكوت الإيراني، شجّع إسرائيل على التفكير جدياً في استهداف السيد حسن نصرالله، مستفيدة من غياب ردع مباشر. وحتى عندما جاء الرد الإيراني لاحقًا، بدا هزيلاً ومحدودًا لا يرقى إلى مستوى الحادث ولا إلى مستوى التوقعات الشعبية والإقليمية. أما روسيا، فقد تلقت ضربات مباشرة ومكلفة على قواعدها الجوية في مورمانسك وإيركوتسك من قبل أوكرانيا دون أن ترد حتى اللحظة برد نوعي أو غير تقليدي، مكتفية بتصريحات فضفاضة حول “الرد في الزمان والمكان المناسبين”، ما أعطى انطباعًا بأن حساباتها أصبحت مقيدة ومربوطة بهاجس التصعيد النووي أو الصدام مع حلف الناتو.
في عُرف الصراعات، كل تأخير في الرد لا يُفسّر على أنه حكمة أو ضبط للنفس، بل يُعد في نظر الخصم فرصة ثمينة لاستغلال حالة التردد ومراكمة المكاسب. الأخطر من ذلك، أن هذا التردد لا يضعف صورة الدولة أمام عدوها فحسب، بل يزعزع ثقة جمهورها الداخلي بقدرتها على حماية أمنها وكرامتها الوطنية. الشعوب، بطبيعتها، تميل إلى الوقوف خلف القيادة التي تُثبت أنها تمتلك القرار حين تحين ساعة الحسم، لا تلك التي تكتفي بالتحذيرات أو الوعود المستقبلية.
في النهاية، الرد ليس دائمًا خيارًا. في كثير من الأحيان، يكون ضرورة وجودية للدولة، من أجل الحفاظ على توازن الردع ومنع الخصم من فرض قواعد اشتباك جديدة. حين تغيب الاستجابة السريعة والحاسمة، ينهار عنصر الردع تدريجيًا، وتتحول الدولة شيئًا فشيئًا إلى كيان يُستهان به، لا يخشاه خصومه ولا يثق به حلفاؤه. هكذا تُفقد الهيبة، وتُستبدل بالشكوك، ويُعاد رسم موازين القوة في غير صالح المترددين.