استقالات وإقالات البنتاغون وتداعياتها على الحرب ضد إيران وصنع القرار في إدارة ترامب

جريدة البناء: حسن حردان

تفتح التطورات المتسارعة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود التغييرات في المناصب والقيادات، لتطال طبيعة العلاقة بين القرار السياسي والعسكري في واشنطن، وانعكاساتها على الحرب المفتوحة ضد إيران. فموجة الإقالات والاستقالات التي طالت مستويات عليا في البنتاغون، وفق قراءة الكاتب حسن حردان، لا تبدو مجرد إعادة ترتيب إداري، بل مؤشراً إلى محاولة لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية بما يتلاءم مع خيارات إدارة دونالد ترامب وحساباتها التصعيدية.

وفي مقاله في جريدة «البناء»، يتوقف حردان عند خلفيات هذه التغييرات وأهدافها، واضعاً إياها في سياق صراع داخل الإدارة الأميركية بين قيادات عسكرية محترفة وأخرى أكثر انسجاماً مع التوجه السياسي للبيت الأبيض، لينتقل بعدها إلى بحث تأثير هذا الاضطراب على كفاءة التخطيط العسكري، وعلى مسار الحرب مع إيران، وصولاً إلى تداعياته السياسية على إدارة ترامب في الداخل الأميركي.

طبيعة العلاقة بين القرار السياسي والعسكري في واشنطن
طبيعة العلاقة بين القرار السياسي والعسكري في واشنطن

ينطلق المقال من فرضية أساسية مفادها أن ما يجري في البنتاغون ليس مجرد تبديل أسماء، وإنما إعادة هندسة لمركز القرار العسكري الأميركي. فالكاتب يرى أن استبعاد عدد من القيادات العسكرية والمدنية البارزة يعكس توجهاً نحو إخضاع المؤسسة العسكرية بصورة أكبر للقرار السياسي، وتقليص مساحة الاعتراض التي كانت تتمتع بها القيادات المهنية.

ومن هذه الزاوية، تصبح الاستقالات والإقالات جزءاً من معركة أوسع حول من يملك القرار في الحرب: المؤسسة العسكرية أم البيت الأبيض؟

التطهير القيادي… إعادة تشكيل أم إضعاف للمؤسسة؟

يرى حردان أن الإدارة الأميركية تسعى من خلال هذه التغييرات إلى ضمان وجود قيادة عسكرية أكثر انسجاماً مع خياراتها السياسية، ولا سيما في ظل المواجهة مع إيران.

وبحسب هذه القراءة، فإن إبعاد شخصيات عسكرية تمتلك خبرة طويلة واستبدالها بقيادات أكثر قرباً من الخط السياسي للإدارة قد يمنح البيت الأبيض هامشاً أوسع لتمرير قرارات تصعيدية، لكنه في المقابل يحمل مخاطر تتعلق بخبرة المؤسسة واستمرارية التخطيط العسكري.

وهنا يطرح المقال مفارقة أساسية: كلما ازدادت السيطرة السياسية على المؤسسة العسكرية، قد تصبح القرارات أكثر سرعة، لكنها ليست بالضرورة أكثر دقة أو أكثر قدرة على التعامل مع تعقيدات الحرب.

الحرب على إيران في قلب الأزمة

أهمية هذه التطورات، وفق المقال، تتضاعف لأنها تأتي في ظل مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران. فالكاتب يربط بين اضطراب القيادة العسكرية وبين صعوبات إدارة حرب متعددة الأبعاد، تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات البحرية والجبهات الإقليمية.

ومن وجهة نظره، فإن غياب الاستقرار داخل البنتاغون يمكن أن يؤثر على تقييم المخاطر، والتخطيط للعمليات، وسرعة اتخاذ القرار، والإمداد اللوجستي، خصوصاً في حرب لا تقوم على مواجهة تقليدية بين جيشين، بل على شبكة واسعة من القدرات والجبهات.

لكن الأهم أن المقال يعتبر أن المشكلة لا تتعلق فقط بما يجري في الميدان، بل بما يحدث داخل غرفة القرار نفسها.

الحرب على إيران في قلب الأزمة
الحرب على إيران في قلب الأزمة

من المؤسسة إلى الولاء السياسي

النقطة الأكثر حساسية في المقال هي اتهام الإدارة الأميركية بالسعي إلى تحويل معيار الاختيار داخل المؤسسة العسكرية من الكفاءة والخبرة إلى الولاء السياسي.

وهذه الفكرة تجعل المقال يتجاوز الحرب على إيران، ليطرح سؤالاً أكبر حول مستقبل المؤسسات الأميركية نفسها: هل تبقى المؤسسة العسكرية قادرة على تقديم تقديرات مهنية حتى عندما تتعارض مع خيارات الرئيس؟ أم أن القيادات ستصبح أكثر ميلاً إلى تقديم ما ترغب السلطة السياسية في سماعه؟

ويرى الكاتب أن تراجع هذه المسافة بين العسكري والسياسي قد يؤدي إلى تضييق دائرة النقاش داخل الإدارة، وبالتالي زيادة احتمالات اتخاذ قرارات تصعيدية من دون وجود ما يكفي من الأصوات الداخلية للتحذير من تداعياتها.

فشل القوة… من العقوبات إلى الحرب

يصل المقال في نهايته إلى ربط التطورات العسكرية بالسياسة الأميركية تجاه إيران على مدى عقود.

فالكاتب يعتبر أن واشنطن جرّبت أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات بهدف إخضاع إيران، من دون أن تحقق الهدف النهائي المتمثل في تغيير سلوكها أو دفعها إلى الاستسلام لشروطها. ومع انتقال المواجهة إلى المستوى العسكري، تصبح إدارة الحرب اختباراً أصعب بكثير للولايات المتحدة.

وهنا تبرز فكرة المقال الأساسية: إذا لم تنجح العقوبات في إخضاع إيران، فإن القوة العسكرية ليست بالضرورة ضمانة لتحقيق النتيجة نفسها، خصوصاً عندما تكون الحرب طويلة ومكلفة وقابلة للتوسع إقليمياً.

التداعيات السياسية على ترامب

لا يفصل حردان بين الأزمة داخل البنتاغون والداخل الأميركي. فكلما طال أمد الحرب وارتفعت كلفتها، أصبحت إدارة ترامب أمام تحدٍ سياسي متزايد، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية.

وبالتالي، فإن استمرار الحرب من دون نتائج حاسمة قد يحول الملف العسكري إلى عبء سياسي على البيت الأبيض، فيما تصبح الاستقالات والإقالات داخل المؤسسة العسكرية جزءاً من النقاش الداخلي حول طريقة إدارة الحرب.

المقال يقرأ الاضطرابات داخل البنتاغون باعتبارها أحد أعراض التحول في بنية القرار الأميركي، وليس مجرد أزمة تعيينات. وفي رؤية الكاتب، فإن إخضاع المؤسسة العسكرية بدرجة أكبر للقرار السياسي قد يسهّل على إدارة ترامب تنفيذ خياراتها، لكنه في الوقت نفسه قد يضعف آليات المراجعة المهنية ويزيد مخاطر الحسابات الخاطئة.

وفي المحصلة، يضع حسن حردان الحرب على إيران أمام معادلة شديدة التعقيد: إدارة تريد الحسم، ومؤسسة عسكرية تعيش اضطراباً داخلياً، ومواجهة لم تُحسم بالقوة الناعمة، فيما يبقى الانتقال إلى القوة العسكرية محفوفاً بكلفة استراتيجية وسياسية متزايدة.

شهدت المؤسسة العسكرية الأميركية وإدارة دونالد ترامب مؤخراً حالة غير مسبوقة من الاضطرابات الهيكلية، تمثلت في موجة متلاحقة من الإقالات والاستقالات التي عصفت برأس الهرم العسكري في البنتاغون بالتزامن مع المواجهة المفتوحة ضدّ إيران، لتكشف عن تحوّلات جذرية في طبيعة صنع القرار الاستراتيجي في واشنطن.
لقد طرحت هذه التطورات التساؤلات بشأن الغاية من هذه الاستقالات والاقالات، واستطراداً الى ماذا تؤشر، وما هو أثرها على مسار الحرب ضدّ إيران، وما هي دلالاتها وانعكاساتها؟

 

أولاً: أبرز الاستقالات والإقالات العسكرية
ـ استقالة وزير الجيش (دان دريسكول): قدّم استقالته على خلفية تراكم الخلافات الحادة مع وزير الحرب بيت هيغسيث، واعتراضه على حملة الإقصاءات المنهجية للجنرالات المحترفين، مما ترك منصب قيادة الجيش بلا قائد مدني أو عسكري مُثبّت.
ـ إقالة رئيس أركان الجيش (الجنرال راندي جورج): أُعفي من منصبه بشكل مفاجئ في إطار عمليات تطهير واسعة نفذتها القيادة الجديدة لفرض ولاءات مطلقة.
ـ إقالات أخرى رفيعة المستوى: شملت وزير البحرية (جون فيلان)، وقائد الجيش في أوروبا وأفريقيا (الجنرال كريستوفر دوناهو)، إضافة إلى قيادات بارزة أخرى في القيادة المركزية والعمليات الخاصة.

ثانيا: أهداف موجة التطهير القيادي
ـ فرض السيطرة السياسية المطلقة: تسعى الإدارة الأميركية إلى إعادة هندسة البنتاغون عبر التخلص من القيادات غير المنسجمة أيديولوجياً، لضمان طاعة تامة للقرارات الرئاسية دون أي نقاش أو تردد عسكري.
ـ تفكيك المؤسسية التقليدية: استهداف الجنرالات البارزين يهدف إلى كسر الاستقلالية المؤسسية للجيش التي كانت تقف أحياناً حائط صدّ أمام التوجهات الهجومية المتطرفة.
ـ التخلص من معوقات الحرب: إزاحة القيادات الميدانية التي أبدت تحفظات على خطط المواجهة المباشرة مع طهران، لتسهيل تمرير الخيارات التصعيدية.

 

ثالثاً: الأثر الميداني والاستراتيجي على مسار الحرب ضدّ إيران
ـ تصدّع التخطيط الاستراتيجي: أدى إبعاد الجنرالات أصحاب الخبرة الطويلة واستبدالهم بشخصيات محسوبة على الولاء إلى تراجع كفاءة تقييم المخاطر، لا سيما في إدارة العمليات المعقدة ضدّ إيران وحلفائها.
ـ حالة الجمود والتخبّط: انعكست الصراعات داخل البنتاغون سلباً على سرعة الإمداد اللوجستي وتطوير تكتيكات مواجهة الطائرات المُسيّرة والقدرات الصاروخية الإيرانية مع دخول المواجهة شهوراً متقدمة.
ـ فقدان المؤسسية: تسبّبت هذه الهزات في غياب الاستمرارية العسكرية وتآكل الثقة المتبادلة بين الميدان والقيادة السياسية.

 

رابعاً: الدلالات الاستراتيجية والانعكاسات على إدارة ترامب
ـ عسكرة القرار السياسي: تؤشر هذه التطورات إلى انتقال حادّ نحو إخضاع المؤسسة العسكرية لمعايير الولاء السياسي الشخصي بدلاً من الكفاءة القتالية.
ـ تفرّد الصقور: نجح وزير الدفاع ومن يدعمونه في تهميش الأصوات المتحفظة، مما أدى إلى تمرير خطط هجومية متطرفة بعيدة عن الواقع الميداني.
ـ تكلفة سياسية داخلية: عمّقت هذه التخبّطات الانتقادات الموجهة لإدارة ترامب مع تعثر حسم الحرب واقتراب استحقاقات الانتخابات النصفية، مما وضع البيت الأبيض أمام مأزق حقيقي في إدارة حرب مفتوحة بصفوف عسكرية ممزقة، وارتباك في استراتيجية المواجهة نتيجة فشل القوة العسكرية في تحقيق أهداف الحرب، بعد فشل القوة الناعمة عبر العقوبات الاقتصادية التي يجري إعادة التهديد بها بعد إخفافها على مدى عقود لم تنجح في إخضاع وتركيع إيران…

شاركها.